الدستور المصدري الجديد: السم في الدسم

يمكن الاطلاع عليه في:
http://www.elwatannews.com/news/details/365046
هذا الدستور لا يدل على أنه جاء بعد ثورة زعموا أنها أطاحت بنظام استبدادي عَمَّر ستين سنة، وثورة ثانية زعموا أنها صححت مسار القطار الذي ركبه الإخوان المسلمون وأرادوا تغيير وجهته لإقامة الدولة الإسلامية القروسطية.
لا شك أن أغلب مواد الدستور الـ 247 عصرية وديمقراطية نجد مثيلاتها في أغلب دساتير العالم المتحضر، لكن يكفي قدر ولو بسيط من المواد المستوحاة من الدين، لتعكر صفوه وتحكم بالإخصاء على المواد الأخرى.
نكتشف اللامعقول والتبجح الغبي في هذا الدستور ابتداء من ديباجته. نقرأ في بدايتها: “مصر العربية – بعبقرية موقعها وتاريخها – قلب العالم كله، فهي ملتقى حضاراته وثقافاته، ومفترق طرق مواصلاته البحرية واتصالاته، وهي رأس إفريقيا المطل على المتوسط، ومصب أعظم أنهارها: النيل”.
فمن الناحية التاريخية، مصر ليست عربية، بل جرى تعريبها عنوة من طرف العرب المسلمين الغازين على مدى مئات السنين ولا يمكن أن نصدق أن المصريين، كما جاء في نفس الديباجة قد (انفتحت قلوبهم وعقولهم لنور الإسلام..) هكذا عن طواعية وطيب خاطر، بينما التاريخ يخبرنا أن العرب كانوا مستعمرين لا يختلفون عن غيرهم، وهو ما نفهمه من قول عمر بن الخطاب في حادثة شهيرة: “أخرب الله مصر في عمران مدينة رسول الله وصلاحها”. انظر سيد القمني في
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=87430
أما وصف مصر بأنها قلب العالم فحماقة لا نجدها إلا في الدساتير العربية التي تزعم كلها لبلدانها ما لا يصدقه الواقع، ووصفها بأنها “رأس إفريقيا المطل على المتوسط”، لا يمكن أن نفهم منه إلا أن جمهورية جنوب أفريقيها هي مؤخرتها أو استها.
أما أن تكون “مصر مهد الدين، وراية مجد الأديان السماوية”، فلا شيء فيه يدعو إلى الفخر، لأن الأديان هي أسوأ ما أنتجه البشر وصاروا عبيدا لما أنتجوه خاصة بعد أن سرق العبرانيون هذه الكذبة واستولوا على الله وجعلوه يخصهم دون سائر البشر بمئات الأنبياء (يا بني إسرائيل إنا فضلناكم على العالمين) كما جاء في القرآن، وكما يدعون بأنهم “شعب الله المختار”!!
أما ما جاء حول الإسلام: “وحين بُعث خاتم المرسلين سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، للناس كافة، ليتمم مكارم الأخلاق، انفتحت قلوبنا وعقولنا لنور الإسلام، فكنا خير أجناد الأرض جهادا في سبيل الله، ونشرنا رسالة الحق وعلوم الدين في العالمين”.
فلست أدري أين تمكن مكارم الأخلاق في دين دعا إلى الغزو والنهب والسبي والاحتلال وقتل المختلف، ومن الكذب على التاريخ القول بأن قلوب المصريين وعقولهم انفتحت طواعية لنور الإسلام، بل من الإهانة لتاريخ الأقباط الذين ظلوا ذميين يعطون الجزية وهم صاغرون، ومازالوا محتقرين في موطنهم الأصلي هم فيه أشبه بالأجانب.
أما القول: “وفى العصر الحديث، استنارت العقول، وبلغت الإنسانية رُشدها، وتقدمت أمم وشعوب على طريق العلم، رافعة رايات الحرية والمساواة”. فهو اعتراف بخواء هذا التبجح حول نور الإسلام وحول رسالته، مادام محررو هذا الدستور يعترفون بأن العقول لم تستنر إلا في العصر الحديث، ولا الإنسانية بلغت رشدها إلا فيه ولا رايات الحرية والمساواة رفعت إلا فيه.
ثم نقرأ في الديباجة: “نحن – الآن – نكتب دستوراً يستكمل بناء دولة ديمقراطية حديثة، حكمها مدني”. وهو كلام تنفيه الكثير من مواد الدستور ابتداء مما نقرأه بعد عدة أسطر من هذا الكلام: “نكتب دستوراً يؤكد أن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وأن المرجع في تفسيرها هو ما تضمنه مجموع أحكام المحكمة الدستورية العليا في ذلك الشأن “. فأية ديمقراطية وأية حداثة وأية مدنية في مبادئ الشريعة؟
ثم نقرأ في الديباجة كذبة كبيرة جدا: “نكتب دستوراً يفتح أمامنا طريق المستقبل، ويتسق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي شاركنا في صياغته، ووافقنا عليه”.
فما أبعد مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن دستور ينص على أن الإسلام دين الدولة وأن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، ونحن نعرف أن هذه الشريعة تتناقض تناقضا فاضحا مع ما ورد في مواثيق حقوق الإنسان الأممية لصالح الطفل والمرأة والإنسان عموما بغض النظر عن دينه أو جنسه أو عرقه… فلا مساواة ولا كرامة في مبادئ الشريعة الإسلامية إلا بين ذكور مسلمين قادرين على حمل السيف والجهاد ضد الكفار (فضل الله المجاهدين.. على القاعدين.. الآية).
في المادة 2 نقرأ: “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”.
وهي مادة تتناقض كل التناقض مع مواثيق حقوق الإنسان الأممية لأنها تفرض تشريعا دينيا على مواطني بلد ليسوا من نفس الدين، بالإضافة إلى فرضه على العلمانيين واللادينيين وأتباع الأديان غير (السماوية). وهذا ما تؤكده المادية الثالثة التي جاء فيها “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسى للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشؤونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية”.
وواضح في هذه المادة السامة أن الدستور يقسم المواطنين إلى طوائف مغلقة يحتكم أفرادها إلى أديانهم في الحب والكره وفي الزواج والطلاق وفي الولاء، بالإضافة إلى خضوع غير المسلمين للتشريع الإسلامي في التجارة والاقتصاد وكل المعاملات الأخرى. هذا إذا جرى سن القوانين في ضوء مبادئ الشريعة الإسلامية. لكني مقتنع أن محرروه منافقين لا نية لهم في ذلك إنما كتبوا ما كتبوا لاستغفال الناس والتحايل على السلفيين والإخوان المسلمين. وهي مواد كانت موجودة في الدساتير القديمة كحبر على ورق، لكنها مواد تلغم الدستور فيما لو وصل تيار سياسي أراد تفعيلها كما قال الغنوشي في تونس (أسمة الدولة بتفعيل مواد الدستور لا بالانقلابات)!!!
http://www.onislam.net/arabic/islamyoon/observatory/104485-2008-02-07%2017-23-29.html
وفي المادة 11 نقرأ: “تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقا لأحكام الدستور. .. وتلتزم الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل”.
وهذا المادة سم في سم في سم. فالدولة لن تستطيع أن “تكفل تحقيق المساواة بين المرأه والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقا لأحكام الدستور”؛ لأن أحكام الدستور التي تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية تنفي ذلك. أما القول “تلتزم الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف”، فيجب أن نعرف أن أول العنف ضد المرأة العمل بالشريعة الإسلامية. وأحمق من هذا القول ما يلي مباشرة “تكفل الدولة تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل”، فلماذا على المرأة وليس على الرجل أو عليهما معا “التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل”؟ أليست هذه نظرة دينية عنصرية متخلفة للعلاقة بين الرجل والمرأة لا نجد لها أثرا في مواثيق حقوق الإنسان؟
وفي المادة 53 نقرأ : “المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعى، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأى سبب آخر. التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون. تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض “.
مرة أخرى نذكر أن بأن مادة الإسلام دين الدولة والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع” تنسف هذه المادة. فليس كل المواطنين متساوين في نظر الشريعة الإسلامية، ليس الذكر كالأنثى وليس الحر كالعبد وليس الذمي كالمسلم، وهذا من صميم شريعة الإسلام.
وفي المادة 64 نقرأ: “حرية الاعتقاد مطلقة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية حق ينظمه القانون”.
فكيف تكون “حرية الاعتقاد مطلقة” بينما “حرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة (مخصوصة) لأصحاب الأديان السماوية”؟ هل تنسجم هذه المادة مع شرعة حقوق الإنسان؟ أليست حرية التدين أو عدم التدين مضمونة في البلدان التي تلتزم بحقوق الإنسان؟ فلماذا تتحايل لجنة الخمسين منافقا، بهذه المادة السامة؟
وفي المادة 24 نقرأ “اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ الوطني بكل مراحله مواد أساسية في التعليم قبل الجامعى الحكومى والخاص، وتعمل الجامعات على تدريس حقوق الإنسان والقيم والأخلاق المهنية للتخصصات العلمية المختلفة”.
هنا أيضا نتساءل: أية تربية دينية تدرس في مدارس مصر؟ أهي التربية الدينية الإسلامية؟ وعلى أي مذهب؟ أم المسيحية أو اليهودية؟ أم هي خليط من الكل؟ المعروف سابقا أن التربية الإسلامية هي المفروضة وما على أطفال غير المسلمين إلا مغادرة الأقسام عندما يتكرم المدرس ويبيح لهم ذلك، ليذهبوا إلى كنائسهم وبيعهم فيخضعون لتربيتهم الدينية. بينما حقوق الإنسان تقتضي عدم تعريض الأطفال لهذا الفرز والتمييز البغيض، وتترك الأديان لاختيار الأولياء خارج المؤسسات التعليمية.
وفي المادة 74 نقرأ: “للمواطنين حق تكوين الأحزاب السياسية، بإخطار ينظمه القانون. ولا يجوز مباشرة أى نشاط سياسى، أو قيام أحزاب سياسية على أساس دينى، أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو على أساس طائفى أو جغرافى، أو ممارسة نشاط معاد لمبادئ الديمقراطية، أو سرى، أو ذى طابع عسكرى أو شبه عسكرى”.
الزعم الكاذب “قيام أحزاب سياسية على أساس دينى” لا يستقيم ولا يزيد سوى في تلغيم الدستور مادام ينص على الإسلام وشريعته. فماذا لو استوحت الأحزاب السياسية برامجها من الدين الإسلامي عملا بمادة الإسلام دين الدولة وشريعته هي المصدر الرئيسي؟ هل تعد أحزابا لا دستورية؟ وماذا لو فاز حزب بالأغلبية وقرر، على رأي غنوشي تونس، تفعيل هذه المواد؟ ثم كيف نفهم هذه الحماقة بينما لجنة الخمسين التي وضعت الدستور ضمت في صفوفها أحزابا دينية سلفية؟
وفي المادة 80 نقرأ: “وتلتزم الدولة برعاية الطفل وحمايته من جميع أشكال العنف والإساءة وسوء المعاملة والاستغلال الجنسى والتجارى”.
وهذه كذبة أخرى، لأننا نعرف أن الشريعة الإسلامية تجرد طائفة من الأطفال الأبرياء يسمون “لقطاء” من أية أهلية، وتمنع تبنيهم ولا توريثهم. كما تبيح تزويج القاصرات.
وفي المادة 93 نقرأ: “تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تصدق عليها مصر، وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها وفقاً للأوضاع المقررة”.
لاحظوا، فمن جهة “تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان..”، ولكن بشرط أن تصدق عليها مصر ولم يطالب الدستور بالمصادقة عليها، ولكنها تبقى مع ذلك ملغومة لأنها لا تصبح لها قوة القانون إلا “بعد نشرها وفقاً للأوضاع المقررة”. فما معنى “وفقا للأوضاع المقررة”؟ ونحن نعرف أن البلدان العربية وافقت على مواثيق حقوق الإنسان ثم التفت عليها وألغتها بمواثيق حقوق إنسان زعمت أنها موجودة في الإسلام (انظر مقالي حول “إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام”.

قراءة في إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام

About عبدالقادر أنيس

كاتب جزائري
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

1 Response to الدستور المصدري الجديد: السم في الدسم

  1. س . السندي says:

    ماقل ودل … ودساتير المنافقين في تقديس الشرور والجهل ؟

    ١: بداية تحياتي لك ياعزيزي عبد القادر انيس ، لقد وضعت بصدق النقاط فوق الحروف لتعري دستور المنافقين الذين لازالو منذ 1435 عام يقدسون الشرور وآيات التخلف والجهل ، والعتب ليس على من وضع الدستور بل كل العتب على من يدعون المدنية والثورية في زمن لأي صح الا الصح ؟

    ٢: كل الدلاىل تشير ان هذا الدستور يشبه أصحابه الذين وضعوه ، فهيهات ان يصلح دستور أمة تقدس الشرور والباطل والجهل ، سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.