التمثيل بين الكذب والسياسة

الشرق الاوسط

عندما تكثر الحكايات وتتعدد حول واقعة محددة، لا يمكن تصديق أي منها. وهو ما ينطبق على واقعة خطف الجنود المصريين في سيناء ثم عودتهم واختفاء الجماعة التي اختطفتهم. لست منشغلا بمعرفة تفاصيل الحكاية ليأسي من إمكانية التعرف على الحقيقة فيها أو حولها، وربما تمر أعوام طويلة قبل أن نعرف الحكاية الحقيقية التي لن يصدقها أحد أيضا بعد أن ضيّع الزمن ملامحها ودهسها بأقدامه الثقيلة. أمر واحد أضاف إلى أحزاني هو أنه لا أحد يدرك تأثير هذا النوع من الحكايات على صحة الجماعة النفسية ومدى ما يحدثه فيها من دمار، هل تذكر عندما كنت طفلا وكذب أمامك أحد الكبار الذين تحترمهم، هل تذكر ما شعرت به من ألم؟

هذا النوع من الحكايات يفقد المصريين «الثقة العامة» اللازمة لتماسك أي مجتمع، لك أن تتصور مجتمعا جاهزا طول الوقت لعدم تصديق أي شيء ، هذا هو في تصوري ما جعل كل الناس تتكلم عن الواقعة بوصفها تمثيلية ليست متقنة. غير أنني سأتناول لقطة واحدة من المشهد رآه المصريون جميعا، وهو رئيس الجمهورية وهو يتقدم من الطائرة الهليكوبتر ثم الجنود العائدون وهم ينزلون منها ثم يصافحهم ويعانقهم مربتا على أكتافهم في ود كبير، لم أتعاطف مع المشهد لتعارضه مع أصول الحكم، رئيس الدولة هو مركز الدائرة الذي لا يدور معها، إنه الجزء الثابت في مكانه، تحتم الأصول في الحكم والسياسة أن يستقبلهم في القصر الجمهوري، رئيس الدولة يستقبل في المطار – وليس تحت الطائرة – رؤساء الدول فقط. غير أن تفكيري ذهب في اتجاه آخر بعد أن قرأت ما كتبه إبراهيم عيسى («التحرير» في 24 مايو/ أيار) وهو مسؤول بالطبع عن صحة ما كتبه «صحيح أنهم نزلوا من الطائرة قبل مجيء الرئيس بساعات، ولكن طلعوا لها مخصوص تاني عشان ينزلوا والرئيس يسلم عليهم»، هنا يكون المشهد قد خرج من عالم السياسة ودخل بغير حق وبغير تصريح أو استئذان عالم التمثيل بما في ذلك من دلالات سيئة.

التمثيل هو الكذب الجميل المشروع عندما يحدث على خشبة المسرح أو أمام الكاميرات في بلاتوه استوديوهات السينما أو ميكروفونات الإذاعة. خارج هذه الدوائر، يكون التمثيل مهما كان نبل النوايا الدافعة إليه وبساطتها، هو خدعة من المستحيل أن تكون جميلة أو مشروعة. وكل مشاريع مصر الفاشلة في العصر الحديث كانت نتيجة للرغبة في إيهام الناس بواقع لا وجود له عجزا عن التعامل مع واقع موجود بالفعل. التمثيل في عالم الفن يعتمد على صدق الممثل في إظهار أحاسيسه الحقيقية طبقا لنص مكتوب على الورق وشخصية مرسومة ذات أبعاد، أما التمثيل بعيدا عن الفن فمن المستحيل أن يكون صدقا مع النفس أو أن يثمر شيئا طيبا.

 

About علي سالم

كاتب سيناريست وصحفي مصري ليبرالي جريدة الشرق الاوسط
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.