التدخل الحكومي في السوق الحر

التدخل الحكومي في السوق الحر

طلال عبدالله الخوري

عندما تدخلت الحكومة الاميركية في أزمة البنوك الاخيرة لنشلها من مصير الافلاس, جعلت بعض الكتاب من اصحاب الفكر اليساري يهللون ويكتبون عشرات المقالات الشامتة بالاقتصاد الحر, حيث يكون دور الحكومة بالاقتصاد بحدوده الصغرى, وأخذوا يضعون التحاليل والنتائج والتي تثبت صواب الاقتصاد الحكومي اليساري حيث تحتكر الحكومة الاقتصاد بأكمله وحتى انها تتحكم بتوزيع الثروة!

من هذه المقالات مقالة (الأكاديمي) فؤاد مرعي بجريدة السفير اللبنانية بعنوان :” هل انتهت أسطورة العربي المختلف؟”. في هذه المقالة يفترض هذا(الأكاديمي) بأن هناك أسطورة عن العربي المختلف والشاذ عن بقية الشعوب في العالم ولكن هذه الاسطورة غير صحيحة ودليله على هذا هو التالي: صحيح ان العرب تأخروا كثيرا بالتحرر عن بقية شعوب العالم, ولكن بالنهاية هذه الثورات التحررية الشبابية والتي تجري الآن بمختلف البلدان العربية ستحررنا من العبودية للطغيان المستبدين وهذا هو الدليل على ان العرب مثل بقية شعوب العالم….؟؟؟؟؟؟؟
يذهب (الأكاديمي) أبعد من ذلك في تحليله, فيقول وبما أن العرب تحرروا بالنهاية فهم قد صنعوا التاريخ وهذا يفند ويدحض نظرية فوكوياما عن نهاية التاريخ؟؟
نحن نجزم بأن هذا (الأكاديمي) لم يقرأ بحياته كتاب نهاية التاريخ لفوكوياما, ولا يعرف شيئا عما يقوله! وبالرغم من ان (الأكاديمي) يبدأ مقاله باسهاب عن الفكر التحليلي, فنحن نعتقد بان مقاله لا يوجد به اي تحليل او أي فكر وان استنتاجاته التي وصل اليها بمقاله نزلت عليه وحيا وهو ربما بغار حراء او مفزيليه لينين (ضريح لينين)! قمة الوحي نزلت على (الأكاديمي) عندما وصل الى نتيجة مفادها بأنه بما أن الحكومة الاميركية تدخلت بالاقتصاد فهذا يعني سقوط نظرية الاقتصاد الحر؟؟ وهذا سبب كتابتنا لهذا المقال, لكي نشرح التدخل الحكومي بالاقتصاد الحر, اما بقية افكاره والتي نزلت عليه بالوحي فلن نعالجها بهذا المقال. اي بمنتهى البساطة وبمقالة واحدة استطاع (الأكاديمي) اسقاط ثلاث نظريات: العربي الشاذ, ونهاية التاريخ, والاقتصاد الحر.

كالعادة سنحاول ان نشرح هذه المفاهيم الاقتصادية المعقدة بطريقة مبسطة يستطيع القارئ الغير مختص من فهمها. لكي نفهم سبب التدخل الحكومي بالاقتصاد, علينا ان نفهم معنى الازمة الاقتصادية والتي قد تؤدي الى الكساد الاقتصادي اذا لم تتم معالجتها بطريقة صحيحة ومبكرة. ولكي نفهم كيفية نشوء الازمة الاقتصادية يجب علينا بالبدئ أن نفهم معنى النمو الاقتصادي.

لنفرض بان احد المنتجين قرر استثمار كمية من المال بمشروع اقتصادي ما, وكان هذا الاستثمار ناجحا. ما معنى هذا النجاح وكيف سينعكس على الاقتصاد البلد بشكل عام؟ اولا: هذا المنتج سيحتاج للعمال , لذلك يقوم بتوظيف العمال والمهندسين والفنيين والاطباء…الخ, مما يؤدي الى انخفاض نسبة البطالة بالبلد, وهذا بدوره يؤدي الى زيادة انفاق الناس وبالتالي انتعاش السوق بشكل عام , وهذا بدوره يؤدي الى زيادة السيولة النقدية وبالتالي انخفاض سعر الفائدة. ان انتعاش الاسواق وانخفاض سعر الفائدة يشجع مزيدا من المستثمرين على الاستثمار بالاقتصاد, مما يؤدي الى انخفاض اكبر واكبر بنسبة البطالة وانتعاش الاسواق اكثر واكثر مما يزيد المنافسة بالسوق, وهذا بدوره يؤدي الى ان يتم استثمار قسما كبيرا من الزيادة بالارباح على الانفاق على البحث العلمي لتطوير انواع جديدة من وسائل الانتاج او استبدال الآلات القديمة بآلات متطورة اكثر, مما يؤدي بالتالي الى مزيد من توظيف الناس ومزيد من المشاريع الاقتصادية الجديدة والتي بدورها تزيد من النمو الاقتصادي بنفس طريقة هذا المشروع والذي بدأنا به تحليلنا للنمو الاقتصادي, بنتيجة هذه المتوالية الهندسية من النمو, تصل البلاد اللا مرحلة عالية من الازدهار الاقتصادي بكل المجالات العلمية والصناعية والتجارية وحتى الاجتماعية. وهذا ما نسميه بالنمو الاقتصادي. وبهذه الطريقة حدثت المعجزات الاقتصادية بكل من الصين ودول النمور الاسيوية والاوروبية والاميركية. أي انه عندما يكون لدينا القوانين الاقتصادية السليمة للسوق التنافسي, فيكفي ان نبدأ من مشروع اقتصادي واحد وناجح لكي ننتهي بمعجزة اقتصادية وازدهار ونمو بكل المجالات الاقتصادية والسياسية والعلمية والاجتماعية.

الأن, لنفرض بانه لسبب ما افلست احدى المؤسسات الاقتصادية, هذا يحدث احيانا بسبب المخاطرة الزائدة بالاستثمار أو محاولة الاثراء بسرعة اكبر, او ربما بسبب الكوارث الطبيعية او الحروب. هذا الافلاس يؤدي الى تسريح العمال, وهذا بدوره يؤدي ارتفاع بنسب البطالة مما يؤدي بالضرورة الى انخفاض القدرة الشرائية للناس , وهذا بدوره يؤدي الى انخفاض الارباح وقلة السيولة وركود الاسواق, وهذا بدوره يؤدي الى ارتفاع سعر الفائدة, وهذا بدوره يؤدي الى افلاس شركات اكثر وخروج مستثمرين اكثر من السوق, وهذا بدوره يؤدي الى تسريح المزيد من العمال , والذي يزيد من هبوط الاسواق, والذي بدوره يؤدي الى مزيد من الشركات المفلسة وكساد الاسواق….. وهكذا .. وايضا بمتوالية هندسية والتي يمكن ان تصل بالبلد الى مرحلة الكساد الاقتصادي والذي يكون كارثيا على البشر, وعلى سبيل المثال الكساد الاقتصادي الذي حصل بالعشرينات من القرن المنصرم.

طبعا السوق لديه آلياته التلقائية التي تتصرف تلقائيا حسب مبدأ العرض والطلب , والتي بنهاية المطاف ستؤدي الى انحسار دورة الكساد ويبدأ من جديد دورة جديدة من النمو الاقتصادي, بواسطة مشروع ناجح من خلال هذه الظروف والتي بدورها تؤدي للانتعاش الاقتصادي كما اسلفنا بشرحنا للنمو الاقتصادي. السؤال المفصلي هنا : هل يمكن تجنب الازمات الاقتصادية وبالتالي تجنب الكساد الاقتصادي وتجنيب البشرية من كوارثها؟؟ علم الاقتصاد يقول لنا نعم هناك بعض الاجراءات التي يمكن اتخاذها ويمكن بالتالي تجنب الانحدار الى هوة الكساد الاقتصادي الكارثية.

هنا يأتي دور علماء الاقتصاد, لدراسة الاسواق, ووضع الكومبيوترات السوبر بمختلف المرافق الاقتصادية, حيث يتم ادخال مختلف المعطيات الاقتصادية لها لتحليلها, بحيث يستطيعون من خلالها التنبأ باحتمال حدوث اي ازمة اقتصادية حتى قبل حدوثها وقبل خروجها عن السيطرة. وهنا يأتي دور الحكومات والتي من واجبها انشاء صندوق خاص لمعالجة الازمات الاقتصادية, والتي من واجبها ايضا دراسة التقارير الاقتصادية التي ينتجها خبراء الاقتصاد الذين يحلولون المعطيات الاقتصادية بكمبيوتراتهم السوبر والموجودة بكل مفصل اقتصادي بالبلد.

من هنا نرى بان أليات السوق الحر كفيلة بالخروج من اي أزمة اقتصادية ولكن الزمن اللازم قد يكون طويلا وقد يسبب كوارث للبشرية, لذلك اسعفنا علماء الاقتصاد ببعض التقنيات والاجراءات والتي تساعد الاسواق بعدم الانزلاق الى التأزم وتساعد على الخروج من الازمات بسرعة اكبر من تلقائية السوق.

الأليات المتوفرة للحكومة لمعالجة الازمات الاقتصادية

زيادة الانفاق الحكومي :مما لا شكل فيه بان زيادة الانفاق الحكومي يؤدي الى توظيف العمال, والذي بدوره بالتالي يشجع الناس على الانفاق وبالتالي يؤدي الى انتعاش الاسواق وزيادة التوظيف وهكذا بنفس المتوالية الهندسية للنمو والتي شرحناه سابقا.

تخفيض الضرائب : وهو اهم تقنية لتشجيع الاستثمار, حيث ان الضرائب المنخفضة تشجع المستثمرين الى القدوم على المشاريع الاقتصادية مما يؤدي بالنهاية الى زيادة التوظيف وانتعاش الاسواق وانقاذ الاقتصاد من احتمال وصوله الى مرحلة التأزم.
نشر الثقافة الاقتصادية: ان نشر الثقافة الاقتصادية تساعد المستثمر والمستهلك على تجنب الوقوع بمخاطر الفشل الاقتصادي والافلاس.
تشجيع التنافس ومنع الاحتكار: تقوم الحكومة بتشريع القوانين التي تشجع على المنافسة الشريفة بالانتاج والتي تمنع من الاحتكار. راجعوا مقالاتنا عن الاقتصاد السوق التنافسي.

تخفيض سعر الفائدة: حيث ان تخفيض سعر الفائدة يشجع اصحاب رؤوس الاموال على سحب اموالهم من البنوك واستثمارها بالسوق بمشاريع استثمارية مما يؤدي بالتالي الى انتعاش الاقتصاد بنفس الطريقة التي اشرنا اليها سابقا. سعر الفائدة الآن بالولايات المتحدة قريب من الصفر؟؟

ضخ التمويل بالسوق لتحريك الاقتصاد, حيث هناك عدة طرق لزيادة ضخ الاموال بالسوق, راجعوا مقالنا : صخ التمويل حق من حقوق الانسان.

مما سبق نستنتج بان تدخل الحكومات بالاقتصاد الحر هو عبارة عن آلية اساسية من آليات الاقتصاد السوق الحر التنافسي, هدفها الاساسي تسريع استجابة السوق للمتغيرات , وهناك صندوق خاص لمعالجة الازمات الاقتصادية وتسريع استجابة السوق للتحفيز الاقتصادي وبالتالي انهاء الازمة الاقتصادية بأكبر سرعة ممكنة حتى قبل حدوثها. وبالتالي فان التدخل الحكومي بالسوق الحر ليس له علاقة لا من قريب او بعيد باحتكار الحكومة للاقتصاد والتحكم بتوزيع الثروة بالبلد والتي تسير عليها الدول الاستبدادية السيئة الصيت.

http://www.facebook.com/pages/طلال-عبدالله-الخوري/145519358858664?sk=wall

هوامش:

رابط مقالة الاكاديمي فؤاد مرعي بجريدة السفير

http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionID=1898&ChannelID=44763&ArticleID=1833

About طلال عبدالله الخوري

كاتب سوري مهتم بالحقوق المدنية للاقليات جعل من العلمانية, وحقوق الانسان, وتبني الاقتصاد التنافسي الحر هدف له يريد تحقيقه بوطنه سوريا. مهتم أيضابالاقتصاد والسياسة والتاريخ. تخرجت 1985 جامعة دمشق كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية قسم الالكترون, بعدها حتى 1988 معيد بجامعة دمشق, بعدها تحضير شهادة الماجستير والدكتوراة في معهد جلشكوف للسبرانية اكاديمية العلوم الوطنية الاتحاد السوفييتي السابق حتى عام 1994 اختصاص معالجة الصور الطبية ... بعدها عملت مدرس بجامعة دمشق نفس القسم الذي تخرجت منه حتى عام 1999 هاجرت الى كندا ( خلال عملي بجامعة دمشق طلبتني احدى جامعات الخرطوم لكي اترأس قسمي البرمجة والكومبيوتر ووافقت الجامعة على اعارتي) في كندا عملت في مراكز الابحاث ببرمجة الصور الطبية في جامعة كونكورديا ثم عملت دكتور مهندس في الجيش الكندي بعد ان حصلت على شهادة ماجستير بالبرمجة من جامعة كونكورديا ثم اجتزت كل فحوص الدكتوراة وحضرت رسالة دكتوراة ثانية بنفس الاختصاص الاول معالجة الصور الطبية) وتوقفت هنا لانتقل للعمل بالقطاع الخاص خلال دراستي بجامعة كونكورديا درست علم الاقتصاد كاختصاص ثانوي وحصلت على 6 كريدت ثم تابعت دراسة الاقتصاد عمليا من خلال متابعة الاسواق ومراكز الابحاث الاقتصادية. صدر لي كتاب مرجع علمي بالدراسات العليا في قواعد المعطيات يباع على امازون وهذا رابطه https://www.amazon.ca/Physical-Store.../dp/3639220331 اجيد الانكليزية والفرنسية والروسية والاوكرانية محادثة وقراءة وكتابة بطلاقة اجيد خمس لغات برمجة عالية المستوى تعمقت بدراسة التاريخ كاهتمام شخصي ودراسة الموسقى كهواية شخصية A Syrian activist and writer interested in the civil rights of minorities, secularism, human rights, and free competitive economy . I am interested in economics, politics and history. In 1985, I have graduated from Damascus University, Faculty of Mechanical and Electrical Engineering, Department of Electronics, 1985 - 1988: I was a teaching assistant at the University of Damascus, 1988 - 1994: studying at the Glushkov Institute of Cybernetics, the National Academy of Sciences, In the former Soviet Union for a master's degree then a doctorate specializing in medical image processing... 1994-1999: I worked as a professor at Damascus University in the same department where I graduated . 1999 : I immigrated to Canada . In Canada, I got a master’s degree in Compute Science from Concordia University In Montreal, then I passed all the doctoral examinations and prepared a second doctoral thesis in the same specialty as the first one( medical image processing) . In 2005 I started to work in the private sector .
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.