إسرائيل الرحيمــة

عبد الباقي يوســف
ربما لم يمر العرب والمسلمون بمرحلة هي أكثر سوءاً مِمّا هم عليه في هذا الوقت، حيث تحوّلوا إلى وحوش ضارية ينهشون لحوم بعضهم البعض، ويؤجّجون البغضاء بين بعضهم البعض، إنهم يفصحون عن حجم الوحشية الكامنة في أعماقهم تجاه بعضهم البعض، وتجاه الإنسانية والحضارة الإنسانية بشكل عام. فترى المسلمين يلاحقون حتى شبان وأطفال بعضهم البعض في مخيّمات اللجوء ويمارسون أسوأ أشكال الوحشية معهم، يتسبّبون في موتهم برداً في الشتاء وحراً في الصيف، يتسببون في موت الأجنة في بطون أمهاتهم، يتسببون في موتهم جوعاً حتى يتحولوا إلى هياكل عظمية، يجنّدون إعلاميين وقنوات فضائية غايتها الوحيدة هي التأجيج شطر مزيد من انتهاكات وفظائع إنسانية، وكل طرف يستقوي بقوى مسلمة أو غير مسلمة أخرى ليلحق ما يمكن له أن يلحق من الأذى والويل بحق الآخر؛ وإذا قارنا كل أشكال الانتهاكات الإنسانية بحق بعضنا البعض خاصة في السنوات الست الأخيرة، نرى بأن إسرائيل كم تبدو رحيمة، وهي التي لم تقم بذبح المدنيين علناً، لم ترمهم من الأودية أحياء، ثم تطلق عليهم النيران، لم تقم بحرقهم أحياء، لم تتخذ من النساء سبايا وبيعها في الأسواق كما تُباع الدواب، لم تقم باغتصاب نساء بريئات، لم تدمّر أماكن العبادة، لم تحرق الزرع، فكانت الحرب في ساحة الحرب بين جيشين بعيداً عن الأماكن السكنية، ولكن المسلمين يتقصدون الحرب في أكثر الأماكن ازدحاماً بالسكان، ويهدمون الأبنية على رؤوس سكّانها الآمنين. خلال السنوات الست الماضية تبيّن بأن إسرائيل هي الدولة الأقل ضررا لِما يحدث في المسلمين، فلم تجنّد إعلاميين، أو قنوات فضائية لتؤججهم وتثيرهم على بعضهم البعض، لم تمدّهم بالأسلحة، لم تقم على أراضيها مؤتمرات إعلامية لتحريض طرف على آخر، لم تمنح رواتب لجهات متناحرة مع بعضها البعض.
ياه.. كم نحتاج إلى التهدئة، إلى أن يصمت كل هؤلاء الذين يمدّون رؤوسهم كالأشباح من خلف شاشات القنوات الفضائية ليزيدوا النيران اشتعالاً، كم نحتاج إلى أغنيات، وموسيقى، وزراعة أشجار، وزهور، كم نحتاج إلى مزيد من قنوات فنية، سينمائية، أدبية، ثقافية، إلى معارض الكتب، إلى المسرح، أجل إننا نحتاج إلى ذلك أكثر من حاجتنا إلى زراعة الألغام، والقنوات التحريضية، والإعلاميين التحريضيين الذين تطفح سماتهم بالقتل والرعب والفزع، لأنهم يعيشون ويظهرون ويتكاثرون في هذه الظروف الموبوءة،، ياه كم أنهم يتكاثرون كالجراد بوجوههم المحتقنة بالدماء، لقد اكتسب المسلمون الامتياز في العداوة تجاه المسلمين، فيذهبون إلى اصطيادهم حتى في خيم اللجوء، وإهانتهم وإذلالهم، حتى الذين يفرّون من العنف، فإنهم يرون على الحدود من الطرَف الآخر مَن يترصّدهم ليمارس بحقهم أسوأ أشكال العنف، أجل هكذا يستقبل المسلمون المسلمين الفارّين من عنف بعضهم البعض. فلا يدعونهم في ديارهم آمنين، ولا يستقبلونهم عندما يفرّون بأطفالهم ونسائهم من العنف، أجل أن كل أبواب غالبية الدول العربية هي مغلقة أمام طالبي اللجوء، وكنا نحن السوريون الأكثر عرضة والأكثر ضحية لكل أشكال العنف والخزي التي أعادتنا إلى العصور الجليدية، و رغم صمت الرعيل الأول من الإعلاميين المؤجّجين مع بدايات نشوب الأزمة السورية، إلاّ أن هناك مَن يصنع وجوهاً إعلامية جديدة، ويقدّمها إلى ساحة التأجيج والتصعيد، وليس هناك تناقض أكثر من تناقض أشخاص كانوا يدّعون بأنهم من دعاة حمل القلم والآلات الموسيقية والتثقيف، فأصبحوا بين ليلة وضحاها من دعاة حمل البواريد والألغام ليقتل السوريون السوريين، وليلغم السوريون الأرض تحت أقدام السوريين. ياه،، كم أن إسرائيل تبدو رحيمة أمام كل ما نمارسه من أشكال الانتهاكات بحق بعضنا البعض.
لكن لايزال الأمل قائماً، وبوركت أصوات المحبة التي عملت وتعمل داخل سورية وخارجها من أجل التسالم ، بوركت مساعي المصالحات الوطنية بين السوريين، بوركت سواعد حماة سورية، بوركت كل الوجوه الإعلامية التي عملت وما تزال تعمل من أجل التهدئة، وعودة السلم والأمن والعمار إلى كل جزء من أجزاء الأراضي السورية.

About عبد الباقي يوســـف

عبد الباقي يوسف ولد في مدينة الحسـكة - سورية 1964 أديب وروائي سوري عضو اتحاد الكتاب والعرب عضو رابطة المتخصصين في علوم القرآن في المملكة العربية السعودية عضو منظمة كتاب بلاحدود عضو رابطة أدباء الشام عضو رابطة الأدب الاسلامي حققت روايته / خلف الجدار / جائزة دبي الثقافية للرواية العربية سنة 2002 وحققت روايته / الآخرون أيضاً / جائزة منظمة كتاب بلاحدود الدولية سنة 2012 وحصلت قصته / العمة شمس / على جائزة عكاظ للقصة القصيرة ومنحه نادي الطائف الأدبي في السعودية جائزة القصة سنة 2004 ومنحه نادي حائل الأدبي جائزة القصة عن قصته / خورشيدة / ومنحته رابطة العالم الاسلامي جائزة أفضل مطوية سنة 2011 وجوائز عديدة كُرّم بها في : مصر، والأردن، ولبنان، وإيران . له بحوث منشورة في العديد من المجلات المتخصصة شارك في العديد من المؤتمرات، والملتقيات، وألقى محاضرات في العديد من مراكز البحوث، والجامعات، والندوات في العديد من الدول العربية. مؤلفاتــه في الروايــة: 1- برويـــن - مركز رام - دمشق - 1997 2 - ديـــــن - دار الينابيع - دمشق 2004 3 - جسد وجســد - دار الينابيع - دمشق 2004 4 - روها ت - دار المنارة - بيروت 2006 5 - خلف الجدار - دار كنعان - دمشق 2007 6 - إمام الحكمة - وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت 2010 7 - الآخرون أيضاً - منظمة كتاب بلا حدود - كركوك 2012 8 - هولير حبيبتي - مكتبة التفسير للنشر والإعلان - أربيل 2014 9 - هولير سدرة العشق - مكتبة التفسير للنشر والاعلان - أربيل 2015 في القصـــة: 10 - سيمفونية الصمت - دار المجد - دمشـق 1989 11 - الحب في دائرة العبث - دار المجد - دمشق 1990 12- طقوس الذكرى - دار الثقافة - دمشق 1992 13 - كتاب الحب والخطيئة - مركز الإنماء الحضاري - حلب 2004 14 - غيوم مـن الشرق - منشورات اتحاد الكتاب العرب- دمشق 2006 15 - طريقـة للحياة - منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق 2007 في الدراسات: 16 - فقــــــه المعرفــــــة - دار المنارة - بيروت 2004 17 - إسلام ومسلمون وفقهاء - دارالرضوان - حلب 2004 18 - عالم الكتابة القصصية للطفل - وزارة الثقافة والإعلام - سلسلة كتاب المجلة العربية- الرياض 2010 19 - حساسية الروائي وذائقة المتلقي - وزارة الثقافة والإعلام - سلسلة كتاب المجلة العربية- الرياض 2012 20 - الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن - الاتحاد الاسلامي الكردستاني - أربيل 2014 21 - فضيلة العفو في السيرة النبوية - مطوية - منشورات جامعة الملك سعود – الرياض 2015 22- التحليل الروائي للقرآن الكريم- المجلد الأول ( الفاتحة، البقرة، آل عمران، النساء، المائدة) أربيل 2016
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.