آثار مسيحيَّة في شعر غير المسيحيّ، ج 3

بقلم: رياض الحبيّب

موقع لينغا  29 أيلول 2012

مَن أراد التعرّف إلى الأدباء الذين تأثروا بقضية الشاعر المتصوّف الحُسَين بن منصور الحَلّاج يمكن وضع اسمه في أحد محرّكات البحث ليحصل على أخبار كثيرة عنه، وإن نُقِل القليل من أدبه وفلسفته شِعرًا ونثرًا، لأنّ هذه المقالة غير مخصّصة لعرض قضيّة الحلّاج، وإن أشار إليها الجزء الأوّل باهتمام وإن شغلت مساحة غالبيّة الجزء الثاني، إنما عَرْض الآثار المسيحيّة التي تركها الشعراء القدامى والجدد في قصائدهم؛ سواء أكانت الآثار ظاهريّة سهلة الفهم أم باطنيّة تلزم التأمل والتعمّق لسَبْر أغوارها. وقد ذكرت في الجزء الأوّل أهمّ مرجعَين لموضوع المقالة بقلم الأب لويس شيخو اليسوعي، متيسِّرَين عبر الانترنت؛ إذ تقفّى هذا الباحث الكبير خطى قبائل عربية مسيحيّة معروفة قبل ظهور الإسلام وبعده، مستشهدًا بمقتطفات من أقوال شعراء النصرانيّة العرب، المشهورين منهم وغير المشهورين، منذ القرن الخامس الميلادي حتى نهاية الدولة العبّاسيّة. وقد اكتفيت بذِكر آثار الحلّاج المسيحيّة، من جهة الشعر القديم، ليحين دور بعض الآثار الواضحة في الشعر الحديث، لأنّ المقالة لا تتسع لعرض جميع الآثار. وبالمناسبة؛ رأيت أنْ لا بأس في عرض أحد الآثار المسيحيّة في الشعر الحديث ممّا يمتّ إلى ثورة الحلاج ومأساته بصِلة وثيقة ولافتة، هو ما تركه لنا شاعر العراق الكبير عبد الوهاب البَيّاتي (1926 – 1999 م) إذ رأى في تاريخ نضاله الإنساني الطويل امتدادًا ما لسيرة الحلّاج وغيره. عِلمًا أن سيرة كلّ من الحلّاج والبيّاتي، وسائر الشخصيّات التي تركت آثارًا شديدة الوقع في النفوس، لا تسعها مقالة واحدة في ويكيپـيديا بل مقالات، ولا دراسة هنا وأخرى هناك بل دراسات. وعِلمًا أنّ الهدف من عرض الآثار المسيحيّة هو تبشيري بحت، إذ بشّر بخلاص المسيح وبالحياة الأبديّة مع المسيح تلاميذُهُ ورُسُلُهُ، كُلًّـا بحسب إرشاد الرّوح القدس له. فمَن يظنّ أن القصد من هذا العرض هو “الدفاع” عن الله (إله الكتاب المقدّس) أو عن المسيح والمسيحيّة يكُنْ مُخطئًا وقارئًا كتابًا مِن غلافه، إنما رأيت في كلّ أثر من الآثار شهادة حيّة للمسيح ولصليبه المقدّس، سواء أكان قصد الشاعر تبشيرًا أم استيحاءً من سيرة المسيح وتوظيفَ مقتطفات منها في شعره وتوظيف عدد من أقواله وأعماله
 
* * *
 
مقتطفات عامّة من شعر البيّاتي
 
من قصيدة “عذاب الحلاج” التي كتبها البيّاتي في القاهرة سنة 1964 م
 
حَكَمْتَ بالمَوت عَلَيَّ قبلَ ألْف عامْ
 وها أنا أنامْ
 منتظِرًا فجْرَ خَلاصي، ساعةَ الإعدامْ
 – – –
 مائدتي، عَشائِيَ الأخيرُ في وَلِيمة الحَيَاهْ
 فاٌفتَحْ لِيَ الشُّبّاكَ، مُدَّ لي يَدَيكَ آهْ… إلخ- بحر الرَّجَز
 * *
 
من قصيدة “قراءة في كتاب الطواسين للحلاج” في ديوان البيّاتي: قمر شيراز
 
 لماذا يا أبتي أُنفى في هذا الملكوت؟
 – – –
 أجيالٌ وقوافلْ
 أمَمٌ وممالكْ
 أهْلَكَها الطّوفانْ
  – – –
 ثوراتُ الفقراءْ
 يسرقُها، في كلّ الأزمان، لصوصُ الثوراتْ
  – – –
 زاباتا (1) كان مثالًا ومئاتُ الأسماء الأخرى
في قاموس القدّيسِينَ الشّهداءْ
 – – –
 فلماذا يا أبتي صُلِب الحلّاج؟… إلخ- بحر الخبَب
 * *
 
 قصيدة “إلى عام 1957” للبيّاتي في مناسبة عيد الميلاد
 
واغرورقتْ عيناهُ بالدموعْ
 وقالَ لي: يَسُوعْ
 بالأمسِ مرَّ من هنا، يسوعْ
 صليبُهُ غُصنانِ أخضرانِ مُزهِـرانْ
 عيناهُ كوكبانْ
 طَلْعتُهُ حمامةٌ، مِشْيَتُهُ أغانْ
 بالأمسِ مَرَّ مِن هنا
 فأزهَرَ البستانْ
 واٌستيقظَ الأطفالُ، لا أحلى
 وفي السماءْ
 كانت نجومُ الليلِ كالأجراسِ كالصّلبانْ
 غرقى بدمعي كانت الأحزانْ
 طريقُنا للحبّ والنّسيانْ
 وأرضُنا الخضراءُ في مخاضها مُثخَنةُ الجِراحْ
 تحلمُ بالزّنبق والصّباحْ
 تحلُمُ في ألفِ يسوع سوف يَحمِلونْ
 صليبَهُمْ في ظُلمةِ السّجونْ
 وسوف يكثرونْ
 وسوف يُنجِبُونْ
 ذُريّةً تزرعُ أرضَ الله ياسمينْ
 تصنعُ أبطالًـا وقدّيسينْ
 تصنعُ ثائرينْ- بحر الرَّجَز
 * *
 
المسيح الذي أُعيد صَلبُه
 
كتبها البيّاتي في دمشق سنة 1958 م إلى السيدة جميلة بوحيرد المناضلة الجزائريّة من مواليد 1935 م والقصيدة منشورة في مجموعته “كلمات لا تموت” الصادرة في بيروت سنة 1960 م
 
إنّ طَعْمَ الدم في صوتي
 وفي أبيات أشعاري الشقيّهْ
 مِثْلُ سَدٍّ يقفُ الليلة ما بيني وبين البربريَّهْ
 إنّ جيلًـا كاملًـا ماتَ نهارَ اليوم يا أختي الصّبيَّهْ
 يا جميلهْ
 إنّ ثلجًا أسودًا يغمر بستان الطفولهْ
 إنّ بَرقًا أحمرًا يحرق صُلبانَ البطولهْ
 إنّ حرفًا ماردًا يولد في أرض الجزائرْ
 يولد الليلةَ لم تظفرْ به ريشةُ شاعرْ- بحر الرَّمَل
 * *
 
صليب الألم
 كتبها البيّاتي سنة 1950 م
 
في طريقي إلى الظلام البعيدِ * صَلَبَ الليلُ بالفراغ وُجُودي
 – – –
 كم مشى قيصرٌ عَلَيَّ لِنَصرٍ * وتغنّى بمَجد فرعونَ عُودي
 
وبَنَيتُ الأهرامَ والقيظُ يَشوي * رأسِيَ المُتْعَبَ الحزينَ وجِيدي
 
ولثمتُ الأيدي التي لطمتني * وتفانيتُ في هوى معبودي
 – – –
 يا صليبَ العذاب خُذني حطامًا * وَيْكَ خُذني إلى صَليب جديدِ- بحر الخفيف
 
وَيْ: كلمة تعجُّبٍ. ويقال: وَيْكَ ووَيْ لعبد الله. وقد تدخل وَيْ على كأن المخفَّفة والمشدَّدة، تقول: وَيْ كأنْ، ووَيْ كأنَّ – قاموس الصّحّاح في اللغة
 * * *
 
أخيرًا؛ هكذا اعتمد البيّاتي وعدد من أترابه رواية الصّلب الإنجيليّة دون غيرها، على رغم خلفيّاتهم الدينيّة غير المسيحيّة. وقد عاش مغتربًا في دمشق وبيروت وموسكو والقاهرة واسپانيا ثم عمّان قبل انتقاله آخر المطاف الى سورية حيث توفّي هناك سنة 1999 م. عِلمًا أني تشرّفت بلقاء قصير معه في عمّان قبل نهاية العام 1991 إذ رأيته بالصدفة جالسًا في الساحة الهاشميّة مع أحد أصدقائه (أو أحد أقاربه) وما عرفته بالقدر الذي عرفت السّياب ونازك الملائكة من روّاد الشّعر الحُرّ، ولا قرأتُ من شعره المسموح به في عراق تلك الفترة سوى مجموعة واحدة هي “أباريق مهشّمة” فقادني الفضول إلى معرفته عن كثب فسلّمتُ عليه وصافحتُه وأذِن لي بالجلوس وبالتقاط صورة معه ما زلت معتزًّا بها، ثمّ أنشدتُهُ شيئًا مِن شعري العمودي عن قصد، لأنّ الذي وصلني عنه من شائعات هو ازدراؤه الشعر العمودي! ففوجئتُ بإعجابه بالقصيدة، إذ كانت على وزن المنسرح، بل قال البيّاتي- رحمه الله- ما معناه: (هذه القصيدة يجب أن تُنشَر؛ إذا زُرتَ جريدة الرأي وتحديدًا رئيس قسمها الثقافي ابراهيم العجلوني فلطفًا انقلْ لهُ تحيّتي: يُسلّم عليك أبو علي) ففعلت وقد استقبلني الأديب ابراهيم العجلوني مُرَحِّبًا، ثمّ نُشِرت القصيدة في مُلحَق الجريدة: الرأي الثقافي، هي الوحيدة المنشورة لي في الأردنّ. ذلك في وقت تشرّفت أيضًا بلقاء الأديب الأردنيّ الكبير روكس العزيزي (2) في منزله بعمّان
 
* * *
 
1
 إيمليانو زاباتا (1879 – 1919 م) من قادة الثورة المكسيكية التي اندلعت سنة 1910- والمزيد في ويكيپيديا Emiliano Zapata
 2
 روكس بن زائد العزيزي (1903- 2004 م) من عشائر العزيزات المسيحيّة الأردنيّة ومن أحفاد الغساسنة، له نحو ثمانين كتابًا، رئيس رابطة الكتّاب الأردنيّين عام 1976 وممثل الرابطة الدولية لحقوق الإنسان في الأردن منذ عام 1956 حتى وفاته. وقد أطلقت أمانة عمّان اسمه على أحد شوارعها تكريمًا له. والمزيد في ويكيپيديا
 
¤ ¤ ¤ ¤ ¤

تواصل مع رياض الحبيب فيسبوك

About رياض الحبَيب

رياض الحبيّب ّخاصّ\ مفكّر حُر شاعر عراقي من مواليد بغداد، مقيم حاليًا في إحدى الدول الاسكندنافية. من خلفية سريانية- كلدانية مع اهتمام باللغة العربية وآدابها. حامل شهادة علمية بالفيزياء والرياضيات معترف بها في دولة المهجر، وأخرى أدبية. حظِيَ بثناء خاصّ من الأديب العراقي يوسف يعقوب حداد في البصرة ومن الشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي في عمّان، ومارس العمل الصحافي في مجلة لبنانية بصفة سكرتير التحرير مع الإشراف اللغوي. بدأ بنشر مقالاته سنة 2008 إلى جانب قصائده. له نشاطات متنوعة. ركّز في أعماق نفسه على الفكر الحُرّ الراقي وعلى حقوق الإنسان وتحديدًا المرأة والأقلّيات وسائر المستضعَفين أيًّا كان الجنس والعِرق والاتجاه
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.