(1318-1976)
القسم الأول
د. رياض السندي
– تمهيد
إرتبط تاريخ كنيسة المشرق بتاريخ المشرق العربي والجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين. ومن البديهي أن تنتشر المسيحية أولاً في جزيرة العرب نظراً لأن المسيحية ديانة شرقية ، وكان ظهورها بالقرب منها، وبالتالي كان لها تأثير كبير على أرض العرب، لا بل نجد أن هذا التأثير قد حفظه لنا القرآن الكريم الذي أورد لنا العديد من قصصهم، مثل قصة أهل الكهف وقصة أصحاب الأخدود، ونقل لنا قناعاتهم الفكرية وطروحاتهم الفلسفية آنذاك في نظرتهم لعيسى (المسيح) وأمه مريم، وفي حياة الرهبان وسلوكهم. لذا فلا مندوحة من إلقاء نظرة تاريخية موجزة عن تلك العلاقة، عبر تطورها في مراحل تاريخية مختلفة لاحقة.
المبحث الأول
نبذة تاريخية عن الكنيسة الشرقية
نشأت هذه الكنيسة في بلاد ما بين النهرين ضمن الإمبراطورية الساسانية وانتشرت بعدئذ في معظم أنحاء آسيا. ووصلت أوج قوتها بين القرنين السادس والرابع عشر حيث كانت حينئذ أكبر كنيسة انتشارا جغرافيا ممتدة من مصر إلى البحر الأصفر شرقا كما شملت بالإضافة إلى السريان المشارقة الذين احتفظوا بالبطريركية تقليديا الملايين من الفرس والترك والمغول والهنود والصينيين. لقد كانت كنيسة المشرق من أكثر الكنائس تبشيراً طيلة القرن الرابع الميلادي وصولا إلى القرن الثالث عشر، بدأ الوهن يتسرب إلى هذه الكنيسة الأصيلة. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت هذه الكنيسة هدفاً للتبشير الغربي. وهنا يثور التساؤل عن السبب الذي حدا بالنساطرة إلى اللجوء إلى جبال هكاري؟ وما هو السبب الذي أدى إلى إعتماد نظام التوريث البطريركي؟
تشير معظم المصادر التاريخية إلى أن كنيسة المشرق كانت قد إنتشرت في بلاد الرافدين وجزيرة العرب، لا بل أن مقرها البطريركي كان في منطقة قطيسفون (المدائن) في منطقة سلمان باك اليوم جنوب بغداد، وكانت تحت سلطة الإمبراطورية الفارسية، لذا سميت بكنيسة فارس. وقد تقاسمت كنيستي النساطرة واليعاقبة نفوذهما على جزيرة العرب قبل الإسلام، وكانت الحيرة حاضرة نسطورية ، فيما كانت نجران حاضرة يعقوبية (المذهب المونوفيزي). وأن المسيحيين قد فرحوا وساعدوا على إنتشار الإسلام الذين وجدوا فيه محرراً لهم ومخلصاً من إضطهاد الإمبراطوريات الأخرى مثل الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الفارسية، لذا يذكر أحد مؤرخي الكنيسة وهو ميخائيل السرياني في تاريخه المعروف قائلا: “…لذلك حينما رأى إله النقمات شرّ الروم الذين حيثما حكموا كانوا يعيثون في الأرض فساداً، فينهبون كنائسنا وديورتنا ويعاملوننا بالتعسف، أتى من الجنوب بأبناء إسماعيل، لكي ينقذنا بواسطتهم من أيدي الروم”. وورد في تقويم قديم للكنيسة النسطورية، أن النساطرة أقاموا في يثرب مطراناً وأسقفين، وكان لهم فيها ثلاث كنائس وعدد كبير من المؤمنين. ونظرة القرآن إلى المسيحية وعيسى ومريم وألوهيتهما توحي بالتأثير النسطوري والمونوفيزي وصراعات الفلسفة الكنسية في تلك الفترة.
إلاّ أن فرحة المسيحيين لم تدم طويلا حتى بدءوا يتذمرون من الجزية الباهظة وحروب الفتوحات والمعاملة السيئة إبتداءً من عهد يزيد الثاني (720-724) حيث أصدر في عام 723 مرسوما يقضي بإزالة جميع الصور من المعابد والكنائس وحتى البيوت.
Continue reading →