خمسون عاماً على انقلاب 8 شباط الفاشي واغتيال ثورة 14 تموز 1/4

القسم الأول 1/4

حامد الحمداني 4/2/2013

الظروف التي ساعدت، ومهدت للانقلاب

في ظل الظروف التي سادت العراق منذُ عام 1959، حيث بدأت الانتكاسة في العلاقات بين الأحزاب السياسية الوطنية من جهة، وبين الحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم، من جهة أخرى تلك الانتكاسة التي تتحمل كافة الأحزاب السياسية، و عبد الكريم قاسم نفسه مسؤوليتها، حيث غلّب كل حزب مصالحه الذاتية على المصلحة العليا للشعب والوطن، وحيث عمل عبد الكريم قاسم جاهداً للاستئثار بالسلطة، وسعيه الحثيث إلى تحجيم الحزب الشيوعي، بعد المد الواسع الذي شهده الحزب خلال العام الأول للثورة، ولجوئه إلى سياسة توازن القوى بين حماة الثورة والقوى التي تآمرت عليها، واتخاذه سياسة التسامح والعفو عن المتآمرين الذين تآمروا على الثورة {سياسة عفا الله عما سلف} التي اقتصرت على تلك العناصر دون سواها، حيث أطلق سراحهم من السجن، واعاد عدد كبير من الضباط الذين سبق وأن أحيلوا على التقاعد بعد محاولة العقيد الشواف الانقلابية في الموصل، إلى مراكز حساسة في الجيش.

وفي الوقت نفسه، أقدم على اعتقال وسجن خيرة المناضلين المدافعين الأشداء عن الثورة وقيادتها ومسيرتها، واحالهم إلى المجالس العرفية العسكرية التي أصدرت بحقهم أحكاماً بالسجن لمدد طويلة، وتسريحه لعدد كبير من الضباط، كان من بينهم الدورة 13 للضباط الاحتياط البالغ عددهم [1700] ضابطاً، وكذلك ضباط الصف المشهود لهم بالوطنية الصادقة، والدفاع عن الجمهورية الوليدة، حيث كان لهم دور كبير في القضاء على تمرد الشواف، وإجهاض كل المحاولات التآمرية الأخرى ضد الثورة وقيادتها.

كما لجأ عبد الكريم قاسم إلى تجريد المنظمات الجماهيرية التي لعبت دوراً بارزاً في حماية الثورة ومكتسباتها من قياداتها المخلصة والأمينة على مصالح الشعب والوطن، والتي جادت بدمائها من أجل الثورة، ومن أجل مستقبل مشرق للعراق وشعبه، وتسليمها للقوى المعادية للثورة، بهدف إضعاف الحزب الشيوعي، وهذه أهم الإجراءات التي أتخذها عبد الكريم قاسم في هذا المجال، والتي كان لها الأثر الحاسم في نجاح انقلاب الثامن من شباط الفاشي عام 1963:

1ـ سحب السلاح من المقاومة الشعبية، وإنهاء وجودها فيما بعد، واعتقال معظم

قادتها المخلصين للثورة وقيادتها.

لقد كان موقف قاسم من المقاومة الشعبية خاطئاً بكل تأكيد، رغم أن الحزب الشيوعي يتحمل مسؤولية الكثير من الأخطاء التي أعطت المبرر لقاسم للإقدام على حلها، فقد سيطر الحزب على المقاومة الشعبية حتى أنها كانت تبدو وكأنها ميليشيا خاصة بالحزب، وكانت المقاومة الشعبية، نتيجة الحرص الزائد على الثورة، قد أوقعت نفسها بأخطاء عديدة ما كان لها أن تحدث، استغلتها القوى المعادية للثورة لتشويه سمعة المقاومة، وتحريض عبد الكريم قاسم على سحب السلاح منها، وتجميد صلاحياتها، ومن ثم إلغائها.

لقد كان بالإمكان معالجة تلك الأخطاء لا في إلغاء المقاومة الشعبية، درع الثورة الحصين، بل في إصلاحها، وإعادة تنظيمها، وتمكينها من أداء مهامها في حماية الثورة، فلو كانت المقاومة الشعبية موجودة يوم الثامن من شباط، لما استطاعت تلك الزمر المعزولة عن الشعب من تنفيذ مؤامرتها الدنيئة، ونجاحها في اغتيال الثورة، واغتيال الزعيم الشهيد قاسم بالذات، وإغراق العراق بالدماء.

لقد وقع الزعيم عبد الكريم قاسم في خطأ جسيم عندما ظن أن الخطر يأتيه من الحزب الشيوعي وليس من الرجعية وعملاء الإمبريالية.

إن الحزب الشيوعي لم يفكر يوماً ما في الغدر بعبد الكريم قاسم، أو المساس بزعامته، بل بقي حتى اللحظات الأخيرة من حكمه يعتبره قائداً وطنياً معادياً للاستعمار، وذاد عن سلطته، وعن الجمهورية يوم الثامن من شباط 1963، وهو اعزل من السلاح، مستخدماً كل ما يملك، وحتى الحجارة لمقاومة الانقلاب، وحاول بكل جهده الحصول على السلاح لمقاومة الانقلابيين، وكانت جماهيره العزلاء بالألوف تحيط بوزارة الدفاع وهي تهتف: {باسم العامل والفلاح، يا كريم أعطينا سلاح}، ولكن دون جدوى، حتى أحاط الانقلابيون وزارة الدفاع بدباباتهم، وجرى قصفها بالطائرات والمدافع حتى انهارت مقاومة عبد الكريم قاسم، واستسلامه فيما بعد.

إن استسلام الزعيم عبد الكريم قاسم للانقلابيين كان خطأ آخر وقع فيه، فقد أعتقد أن هناك أملاً في أن يعفُ عنه الانقلابيون، ويسفرونه إلى الخارج ،أو لربما حوكم محاكمة قانونية عادلة، أو سجن لفترة من الزمن، ولم يدر في خلده أن حقدهم عليه، وعلى ثورة 14 تموز المجيدة جعلتهم يصممون على تصفيته، وتصفية كافة أعوانه وكل الوطنيين المخلصين لشعبهم ووطنهم، ولثورة تموز المجيدة.

كنت أتمنى أن يستشهد عبد الكريم قاسم وهو يدافع عن الثورة، وعن نفسه، كما فعل من بعده الشهيد [سلفادور اليندي ] رئيس جمهورية شيلي، عام 1972، حينما أقدمت الإمبريالية الأمريكية على تدبير الانقلاب الفاشي فيها، ولا يقع بأيدي الانقلابيين الذين تطاولوا عليه بأبشع وأخس العبارات، قبل تنفيذ الإعدام به، وبرفاقه الشهداء المهداوي، وطه الشيخ أحمد، وكنعان حداد دون اي محاكمة عادلة.

2 ـ بغية تحجيم الحزب الشيوعي وإضعافه، أقدم عبد الكريم قاسم على إحالة عدد كبير من الضباط المخلصين للثورة، ولقيادته، فقد أحال على سبيل المثال قائد الفرقة الثانية في كركوك الشهيد الزعيم الركن [ داوود الجنابي]، وعدد من مساعديه على التقاعد في 29 حزيران 1959، كما أقدم على إبعاد الزعيم الركن [هاشم عبد الجبار] آمر اللواء العشرين، المعروف بوطنيته الصادقة، والذي أفشل خطط الانقلابيين يوم جرت محاولة اغتياله في شارع الرشيد، وأحكم سيطرته على بغداد، وأحلّ محله الزعيم [صديق مصطفى] المعروف بعدائه للقوى التقدمية ولثورة تموز، والذي لعب دوراً بارزاً في انقلاب 8 شباط 1963 عندما سيطرت قواته على مدينة السليمانية يوم الانقلاب، وقام بإعدام المئات من الوطنيين الأكراد الذين جرى دفنهم بقبور جماعية.

كما أقدم عبد الكريم قاسم على اعتقال المقدم الركن [فاضل البياتي] آمر كتيبة الدبابات الرابعة في أبو غريب، وزملائه الضباط الوطنيين الآخرين، كان من بينهم الرئيس [حسون الزهيري] والرئيس [كاظم عبد الكريم]، والمقدم [خزعل السعدي]، وغيرهم من الضباط الذين عرفوا بإخلاصهم للثورة، وأقدم قاسم على تسليم تلك الكتيبة إلى المتآمر الرائد [خالد مكي الهاشمي] الذي كان له ولكتيبته الدور الأساس في الانقلاب، حيث قاد دبابات الكتيبة نحو وزارة الدفاع مقر عبد الكريم قاسم.

3 ـ تنحية آمر القاعدة الجوية في الحبانية، وتعيين العقيد الطيار [عارف عبد الرزاق] الذي أعاده للجيش بعد أن كان قد أحاله على التقاعد، وكان لتلك القاعدة ولآمرها دورهام جداً في نجاح الانقلاب، حيث قامت منه الطائرات التي قصفت وزارة الدفاع.

4 ـ تنحية آمر القاعدة الجوية في كركوك، وتعيين المقدم الطيار حردان عبد الغفار التكريتي آمراً لها، وكان له الدور الكبير في الانقلاب، حيث قام بقصف وزارة الدفاع بطائرته.

5ـ تنحية العقيد [عبد الباقي كاظم] مدير شرطة بغداد، وتعين العقيد طه الشيخلي المعروف بعدائه للثورة، ولسائر القوى التقدمية، وثبوت مشاركته في الانقلاب.

6 ـ إعادة 19من الضباط القوميين والبعثيين الذين سبق وأن أحالهم على التقاعد، وجرى ذلك في أوائل آب 1959، وكان من بينهم العقيد[عبد الغني الراوي]، والذي لعب دورا رئيسياً في الانقلاب.

7 ـ أحال العقيد [حسن عبود ] آمر اللواء الخامس، وآمر موقع الموصل على التقاعد في كانون الثاني 1961، وكان العقيد حسن عبود قد قاد القوات التي سحقت انقلاب الشواف في الموصل، وذاد عن الثورة، وقيادة عبد الكريم قاسم نفسه.

8ـ إعفاء قائد الفرقة الأولى في الديوانية، وتعين الزعيم الركن [ سيد حميد سيد حسين] الرجعي المعروف بعدائه الشديد للقوى التقدمية، والذي لعب دوراً كبيراً في محاربة الشيوعية في سائر المنطقة الجنوبية من العراق، حيث كانت تمتد سلطته العسكرية على سائر ألوية جنوب العراق، كما أحال عدد كبير من ضباط الفرقة الوطنيين على التقاعد.

9ـ إخراج كافة ضباط الاحتياط الدورة 13، المتخرجين عام 1959، والبالغ عددهم 1700 ضابط من الخدمة في الجيش، بالنظر للنفوذ الكبير للشيوعيين فيها.

10ـ تنحية المقدم الركن [سليم الفخري] المدير العام للإذاعة والتلفزيون، وتسليمها لعناصر لا تدين بالولاء للثورة وقيادتها.

لقد وصفت صحيفة [صوت الأحرار] في 12 حزيران 962 دار الإذاعة بأنها قد أصبحت وكراً للانتهازيين والرجعيين، بعد أن أبعد عبد الكريم قاسم جميع العناصر الوطنية منها. كما كانت القوة العسكرية المكلفة بحماية دار الإذاعة لا تدين بالولاء للثورة، وهذا مما سهل للانقلابيين السيطرة على دار الإذاعة بكل يسرٍ وسهولة صباح يوم الانقلاب، وكان لذلك تأثير كبير على معنويات الجيش والشعب عندما سارع الانقلابيون إلى الاعلان عن مقتل عبد الكريم قاسم لإثباط عزيمة الجيش للتحرك لإخماد الانقلاب، ومعلوم أن الزعيم الشهيدعبد الكريم قاسم ظل يقاوم الانقلابيين حتى ظهر اليوم التالي 9 شباط، ولو لم يكن الانقلابيون قد سيطروا على دار الإذاعة، واستطاع عبد الكريم قاسم إذاعة بيانه الأخير، غير المذاع، لما نجح الانقلاب.

11 ـ إعفاء كافة الوزراء ذوي الاتجاه التقدمي من الوزارة، وإعفاء عدد كبير من كبار المسؤولين المدنيين من وظائفهم، وتعين آخرين لا يدينون بالولاء للثورة وقيادتها، فقد كان جلَّ هم عبد الكريم قاسم إبعاد كل عنصر له ميل أو علاقة بالحزب الشيوعي من قريب أو من بعيد.

12 ـ تصفية كل المنظمات الشعبية ذات الصبغة الديمقراطية، كمنظمة أنصار السلام، واتحاد الشبيبة الديمقراطية، ورابطة الدفاع عن حقوق المرأة، ولجان الدفاع عن الجمهورية، ومحاربة القيادات الوطنية المخلصة في الاتحاد العام لنقابات العمال، والاتحاد العام للجمعيات الفلاحية، ونقابات المعلمين، والمهندسين والأطباء، والمحامين، وإبعادهم عن قيادة تلك المنظمات، وتسليمها إلى أعداء الشعب.

13ـ إصدار العفو عن عبد السلام عارف، وعن المجموعة التي نفذت محاولة اغتياله في شارع الرشيد، وإعفاء رشيد عالي الكيلاني وزمرته، وعن جميع رجالات العهد الملكي من محكومياتهم في 11 حزيران 1962، في حين أحتفظ بكافة الشيوعيين، والديمقراطيين رهائن في السجون، لكي يقعوا في أيدي الانقلابيون فيما بعد، وينفذوا جريمة قتل أعداد كبيرة منهم.

لقد شجعت سياسة العفو والتسامح مع أعداء الثورة على إيغال أولئك المتآمرين، واستمرارهم في التآمر، على عكس ما تصور عبد الكريم قاسم من أن إصدار العفو عنهم سوف يردهم عن التآمر.

14ـ لم يقدر عبد الكريم قاسم مسألة الصراع مع القوى المضادة للثورة، الذي أججته قرارات الثورة، وخاصة فيما يخص قانون الإصلاح الزراعي، الذي احدث ثورة اجتماعية سلبت السلطة من الإقطاعيين دعائم الإمبريالية. ولذلك فقد بدأ الرجعيون والإقطاعيون وكل المتضررين من ثورة تموز بتجميع صفوفهم، وبعث نشاطهم من جديد، على أثر الموقف الذي أتخذه عبد الكريم قاسم من الشيوعيين.

لقد استغلت الرجعية تلك الظروف من أجل تنفيذ هجمتها الشرسة ضد القوى الديمقراطية سند الثورة وحاميها، وإضعاف السلطة، وعزلها عن الشعب.

15 ـ لم يقدر عبد الكريم قاسم ما سوف يسببه صراعه مع شركات النفط من أجل انتزاع حقوق العراق في ثروته النفطية، والحفاظ على استقلاله الوطني، وإصداره القانون رقم 80 لسنة 1961، والذي أنتزع بموجبه 99,5% من مناطق امتياز تلك الشركات من سيطرة الشركات، والعمل على استغلالها وطنياً.

لقد كان الصراع على أشده مع شركات النفط، وتبادل الطرفان التهديدات، وكان آخر كلمة لوفد شركات النفط هي التحدي، وكان الوفد يعني ما يقول، فكانت مؤامرتهم الدنيئة على ثورة 14 تموز وقيادتها، والأمر المؤسف حقاً هو أن عبد الكريم قاسم لم يأخذ الحيطة والحذر من أحابيل ومؤامرات شركات النفط، حرصاً على مصالحها، حتى ولو أدى ذلك إلى إغراق العراق بالدماء.

16ـ قيام التمرد الكردي بقيادة الإقطاعيين [ رشيد لولان ] و[عباس مامند]، وانجرار الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى تلك الحركة، ولجوء السلطة إلى القوة العسكرية لحل التناقض مع الأكراد، مما سبب إضعافاً خطيراً للسلطة، وشق جبهة الاتحاد الوطني، ودفع الحزب الديمقراطي الكردستاني للتعاون مع انقلابيي 8 شباط، ومع التمرد الرجعي لرشيد لولان، وعباس مامند، المدعم من قبل الإمبريالية الأمريكية وحليفها [شاه إيران].

ففي الفترة بين 20 ـ 23 تموز أجتمع السفير الأمريكي في طهران [هولمز] بالشيوخ المتمردين، وتم إرسال [علي حسين أغا المنكوري] على رأس عصابة مسلحة بالأسلحة الأمريكية، وبإشراف خبراء أمريكان، ليفرض سيطرته على ناحية [تاودست]، كما أعترف الأسرى من المتمردين بأنهم يحصلون على العون والأسلحة من الولايات المتحدة، وبريطانيا عن طريق إيران.

وفي بداية عام 1963، عندما كانت الحرب تدور في كردستان، كنت آنذاك في مدينة السليمانية، إحدى أكبر مدن كردستان، أتابع مجريات تلك الحرب، وأتحسر على ما آلت إليه الأمور في بلادي، حيث يقتل العراقيون بعضهم بعضاً. ومن المؤسف أيضاً أن ينجر الحزب الشيوعي، بسبب من الضغوط التي مارسها قاسم ضده، إلى الحركة الكردية، بعد أن وقف منذُ البداية مطالباً بالسلم في كردستان، والديمقراطية للعراق، تاركاً النظام منعزلاً وجهاً لوجه أمام مؤامرات الإمبريالية وعملائها.

17 ـ اعتماد عبد الكريم قاسم على جهاز أمن النظام الملكي السابق، الذي لم يجر عليه أي تغيير، سوى إحالة 45 من ضباط الأمن على التقاعد، ومعلوم أن ذلك الجهاز الذي أنشأته ورعته الإمبريالية وعملائها الحاكمون في بغداد آنذاك، لم يكن يدين بالولاء لا للثورة، ولا لزعيمها عبد الكريم قاسم، وكان لها دور كبير في إخفاء نشاطات القوى الرجعية، والحركات التآمرية عن السلطة، وحماية المتآمرين على الثورة وقيادتها.

ولم يكن جهاز الاستخبارات العسكرية بأحسن حال من جهاز الأمن، والذي أنيط به حماية الثورة من المتآمرين، وتبين فيما بعد أن ذلك الجهاز كان ملغماً بالعناصر المعادية للثورة، وكان على رأسهم رئيس الجهاز[ محسن الرفيعي]، ومن قبله [رفعت الحاج سري ]الذي ثبت للمحكمة اشتراكه في الحركة الانقلابية للشواف، وحكم عليه بالإعدام، ونفذ الحكم فيه.

كما أن موقف رئيس أركان الجيش، والحاكم العسكري العام [أحمد صالح العبدي] المتخاذل دل على مساومة الانقلابيين، والسكوت عن تحركاتهم، فلم ينل منهم أذى وأطلق سراحه بعد أيام قلائل، فيما جرى إعدام كل المخلصين لثورة تموز.

18ـ قيام الطلاب البعثيين، والقوميين بإضراب عام، ساندهم فيه أعضاء ومؤيدي الحزب الديمقراطي الكردستاني، مستخدمين كل الوسائل والسبل، بما فيها العنف، لمنع الطلاب من مواصلة الدراسة، ولم يكن موقف السلطة من الإضراب يتناسب وخطورته، فقد اتخذت السلطة جانب اللين مع المضربين، ولم تحاول كبح جماحهم وكسر الإضراب، وكان ذلك الإضراب بداية العد التنازلي لتنفيذ الانقلاب.

ولابد أن أشير هنا إلى الدور الذي لعبته سفارة العربية المتحدة في دعم الإضراب، وطبع المنشورات، وقد اضطرت الحكومة العراقية إلى طرد أحد الملحقين في السفارة في 24كانون الثاني 1963.

يتبع الحلقة الثانية  حامد الحمداني – مفكر حر

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية | Leave a comment

فضحونا في “السي أن أن”

يغضب بعض الناس حين يتحدث الإعلام الأجنبي عن قضايا سعودية اجتماعية، ولا يجدون في الأمر سوى أنه فضيحة يتعمدها الإعلام الأجنبي، وتدخل في باب المؤامرة الغربية ضد العرب والمسلمين، وهذا التعليق سمعته حينما تحدثت قناة الـ «سي إن إن» الأميركية عن خبر زواج رجل «تسعيني» بطفلة في سن الـ15 في السعودية، على رغم أن هذه الحوادث تتكرر عندنا، ويكتب عنها الإعلام المحلي، وينتقدها كتاب الرأي، وتعترض عليها هيئة حقوق الإنسان، ويطالب معظم مجلس الشورى بسنّ نظام يمنعها، ويرفض الجدل القائم حسمها، لكن إذا تسربت للإعلام الأجنبي، فهذه فضيحة، وعلينا أن نفتش عن السبب الذي حدا بهم لنشرها، هل هو تشويه صورتنا في الغرب؟ وهل من يساهم في الحديث معهم حولها متواطئ معهم بالضرورة؟

هكذا يصبح كل حديث عن شأن اجتماعي فضيحة. أن يتناول الإعلام قصة الرجل «التسعيني» الذي تزوج طفلة قاصراً فضيحة، وأن يتحدث الإعلام عن نظام تعقب الزوجات من إدارة الجوازات عبر رسالة نصية ترسل للزوج فضيحة، وعدم قيادة المرأة السيارة فضيحة – لا.. لا.. هذه خصوصية.. آسفة نسيت – بل وتدخلٌ في شؤوننا الخاصة، ونظرة غربية تملي علينا وجهة نظرها في حقوق المرأة. لكن الغريب في الأمر أن الإعلام الغربي لو علّق على شأن سياسي محلي، فإن ذلك يعد نوعاً من التغطية الإعلامية المهمة، ولما اعتبر نشر غسيل، بل واتفق الجميع على أنها مجرد أخبار!

فضيحة أن يعرف صحافي أجنبي فضولي قصة الرجل «التسعيني» ويكتب عنها، لكن ليس من العيب أن يخرج أستاذ جامعي في الإعلام المحلي لا يرضى بأن يزوج ابنته ذات التسعة أعوام ليدافع عن هذه الزيجات بالقول: «إنه يجوز لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج بعائشة وهي صغيرة، وأن تحريم زواج الصغيرات هو تحريم لما أحلّ الله».

على رغم أن الأنظمة الحديثة تضع قيوداً على أشياء هي من الحلال، أو لم يذكر فيها تحريم صريح، مثل «الرق» الذي أصبح اليوم جريمة تشمئز منها النفس، ومثل منع المواطن من الزواج بامرأة من غير جنسيته إلا بإذن رسمي، وكذلك قيود التنقل، وغيرها من التشريعات المدنية التي اقتضتها مصلحة النظام، وتطورات العصر، إلا أن حماية الأطفال من الزج بهم في ألعاب جنسية اجتماعية محرمة، بحجة أن الإسلام لم يحرمه!

اليوم، أصبحت الوكالات الأجنبية تتصل بنا حال انتشار أخبار مثل هذه تثير الفضول الاستهلاكي، وأنا شخصياً حين يسألونني ما تعليقك على الخبر، لا أستطيع أن أقول لهم اهتموا بأمركم ودعوا عنكم شؤوننا، بل أبادر للدفاع عن إسلامنا وتصحيح هذه المعتقدات، وأنها مجرد أعراف وتقاليد عربية دخلت على الإسلام، بل وحرّفته على عكس ما يُشيعه الطرف المتشدد، والذي يصرّ على أن كل ما يحدث للنساء في بلادنا تطبيق للشريعة الإسلامية، فنظهر وكأننا أصحاب دين يقمع النساء ويقيد حركتهن ويحبسهن في البيوت، ويجعل من زواجات القاصرات نصاً إسلامياً ثابتاً.

هؤلاء في الحقيقة لو تركتهم يعبّرون عن أنفسهم لوجدتهم لا يمانعون في استعباد البشر، وسبي نساء الكفار والمخالفين بحجة أن هذا من الإسلام، والتاريخ يقول إن قانون تحرير العبيد في كل مكان من العالم، ومنها بلادنا، جُوبِه بحروب ومسيرات وقفت ضد تحرير الإنسان المستعبد، والقول بأنه من الدين، وتحريم لما حلّل الله. اليوم لا أحد يجرؤ على قول هذا، لأن الناس اعتادته وآمنت ببشاعته، لكن زواج الصغيرات سيظل محل دفاع، ومن يجرمه ضد الإسلام، وهذا الشعار وحده كفيل بجعلك تصمت، حتى لا يقال إنك ضدّ الإسلام. هؤلاء بصراحة هم الفضيحة!

*نقلاً عن “الحياة” اللندنية

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

نوري السعيد رجل المهمات البريطانية الكبرى1\16

 كتاب في حلقات ـ الحلقة الأولى

حامد الحمداني 27/8/2008

لم يشهد تاريخ الحكم الملكي في العراق شخصية سياسية لعبت دوراً خطيراً في تاريخ العراق خلال تلك الحقبة الممتدة من عام 1921 ولغاية قيام ثورة الرابع عشر من تموز 1958 كشخصية [نوري السعيد] فقد كان السعيد يتمتع بثقة كبرى ومنزلة خاصة لدى بريطانيا، وقد كانت بريطانيا تعتبره رجل المهمات الخاصة والكبرى للمصالح البريطانية في العراق وسائر منطقة الشرق الأوسط ، وكما هو معروف لدى المؤرخين والمتتبعين للسياسة البريطانية أن كل وزارة كانت تشكل في العهد الملكي تمر عبر السفارة البريطانية في بغداد، وينبغي أن تنال شخصياتها رضا وقبول السفير البريطاني.

كانت بريطانيا، تلك الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس آنذاك، قد احتلت العراق عام 1915 أبان الحرب العالمية الأولى وأخضعته لانتدابها، واضطرت على أثر اندلاع ثورة العشرين إلى إقامة ما سمته بالحكم الوطني، لكنها في واقع الأمر كانت تهيمن على مقدرات العراق السياسية والاقتصادية والعسكرية وسائر الشؤون الأخرى، وكانت كلما كان لديها مهمة خطيرة تشير على الملك فيصل الأول، ومن بعده الملك غازي، ثم الوصي على عرش العراق عبد الإله بعد مقتل الملك غازي، وانتهاءً بالملك فيصل الثاني إلى وجوب تكليف نوري السعيد بتأليف الوزارة العراقية الذي تعتمد عليه كل الاعتماد بأداء المهمة المطلوب تنفيذها، ولذلك كانت لنوري السعيد حصة الأسد في تلك المرحلة حيث شكل أربعة عشر وزارة، وهو رقم قياسي لم تحققه أي شخصية سياسية عراقية خلال تلك الحقبة من تاريخ العراق التي دامت 37عاماً.

ففي 23 آذار شكل نوري السعيد وزارته الأولى التي استمرت في الحكم حتى 19 تشرين الأول 1930.

وفي 19 تشرين الأول عام 1931شكل وزارته الثانية، واستمرت في الحكم حتى 27 تشرين الأول 1932 .

وفي 25 كانون الأول 1938 شكل وزارته الثالثة، واستمرت في الحكم حتى 6 نيسان 1939. . وفي 6 نيسان 1939 شكل وزارته الرابعة على أثر مقتل الملك غازي وتولي عبد الإله وصاية العرش بسبب صغر سن الملك فيصل الثاني آنذاك

واستمرت في الحكم حتى18 شباط 1940.

وفي 22 شباط 1940 شكل السعيد وزارته الخامسة، واستمرت في الحكم حتى 31 آذار 1940 .

وفي 9 تشرين الأول 1941 شكل وزارته السادسة، واستمرت في الحكم حتى3 تشرين الأول 1942.

وفي 8 تشرين الأول 1942 شكل وزارته السابعة، واستمرت في الحكم حتى 19 كانون الأول 1943.

وفي 25 كانون الأول 1943 شكل وزارته الثامنة، واستمرت في الحكم حتى 19 نيسان 1944 .

وفي 21 تشرين الثاني 1946 شكل وزارته التاسعة، واستمرت في الحكم حتى 19 نيسان 1944 .

وفي 6 كانون الثاني 1949 شكل وزارته العاشرة، واستمرت في الحكم حتى 9 كانون الأول 1949 .

وفي 15 أيلول 1950 شكل وزارته الحادية عشرة، واستمرت في الحكم حتى 10 تموز 1952.

وفي 3 آب 1954 شكل وزارته الثانية عشرة، واستمرت في الحكم حتى 17 كانون الأول 1957.

وفي 17 كانون الأول 1957 شكل السعيد وزارته الثالثة عشرة، واستمرت في الحكم حتى 8 حزيران 1957.

وفي 3 آذار 1958 شكل وزارته الرابعة عشرة، واستمرت في الحكم حتى 14 مايس 1958.

وفي 19 أيار 1958 شكل السعيد وزارة حكومة الاتحاد الهاشمي المقام بين العراق والمملكة الأردنية الهاشمية، واستمرت في الحكم حتى قيام ثورة الرابع عشر من تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي في العراق وبالاتحاد الهاشمي الذي أقيم على عجل رداً على قيام الوحدة السورية المصرية، وتكوين[الجمهورية العربية المتحدة].

و بالإضافة إلى تأليفه أربعة عشر وزارة في تلك الحقبة فإنه كان قد شارك كوزير للدفاع أو الخارجية في عشرة وزارات أخرى، فقد شغل وزارة الدفاع في حكومة صهره[جعفر العسكري] بتاريخ 22 تشرين الثاني 1923

و في 1 تشرين الثاني 1924 شغل منصب وزير الدفاع في وزارة صهره جعفر العسكري الثانية.

وفي 21 نيسان 1926 حاول الملك فيصل الأول إسناد منصب رئيس الوزراء إلى نوري السعيد لأول مرة، إلا أن السيد [عبد المحسن السعدون] ٍالذي كان يسيطر أعضاء حزبه على البرلمان أبلغ الملك فيصل أن أعضاء حزبه لا يستطيعون منح ثقتهم لنوري السعيد، مما اضطر الملك إلى تكليف السيد [ توفيق السويدي] بتأليف الوزارة بدلاً من نوري السعيد. (3)

وفي 18 تشرين الثاني 1929 شغل نوري السعيد منصب وزير الدفاع في وزارة السيد [ ناجي السويدي ] التي أعقبت وزارة السيد عبد المحسن السعدون الذي انتحر في 13 تشرين الثاني من نفس العام .

وفي 20 آذار 1933 شغل نوري السعيد وزارة الخارجية في وزارة السيد [رشيد عالي الكيلاني ] .

وفي 9 أيلول 1933 شغل نوري السعيد وزارة الخارجية في وزارة [رشيد عالي الكيلاني]الثانية في أعقاب وفاة الملك فيصل الأول، وتسلم الملك غازي زمام الحكم.

وفي 9 تشرين الثاني شغل السعيد وزارة الخارجية، ووكالة وزارة الدفاع في وزارة السيد [ جميل المدفعي ] الأولى.

وفي 25 آب 1934 شغل السعيد وزارة الخارجية في وزارة السيد [جميل المدفعي ] الثانية.

وفي 29 كانون الثاني 1953 شغل السعيد وزارة الدفاع في وزارة السيد [جميل المدفعي] الثالثة .

لقد لعب نوري السعيد خلال سنوات حكمه دوراً خطيراً في حياة البلاد، وكان سيفاً مسلطاً على رقاب الشعب العراقي حيث استهان بالدستور العراقي، وسلب منه كل الحقوق والحريات التي تمس حياة المواطنين، والتي نص عليها ذلك الدستور، ومنها حرية التنظيم الحزبي والنقابي وحرية الصحافة والنشر، وسائر المنظمات الديمقراطية والجمعيات وحتى النوادي العامة، وتلاعب في انتخابات مجلس النواب، وتزوير إرادة الناخبين باستمرار لضمان الإتيان ببرلمان ينفذ إرادته ومخططاته، وعمد مرات عديدة إلى حل المجلس النيابي واستغلال الوضع بإصدار المراسيم المنافية لنصوص الدستور، والمقيدة لحقوق وحريات المواطنين، وأعلن الأحكام العرفية لمرات عديدة ولفترات طويلة، ومارس حكماً قمعياً في حالات عديدة انتفض فيها الشعب العراقي احتجاجاً على سياسات الحكومات المتعاقبة، كما حدث بعد مقتل[ بكر صدقي] الذي قاد انقلاباً عسكرياً عام 1936، وتنكيله برجالات الانقلاب كان من بينهم رئيس الوزراء حكمت سليمان والعديد من الوزراء وكبار شخصيات الدولة، ومارس تلك السياسة الانتقامية بعد أحداث 2 أيار 1941 عندما قام رشيد عالي الكيلاني بحركته الانقلابية بمساعدة العقداء الأربعة[ قادة الجيش] والذين كان قد استخدمهم نوري السعيد نفسه عندما دبر انقلاباً على وزارة[ يسين الهاشمي] وقد نكل السعيد بالعقداء الأربعة حيث تم إعدامهم وعلق جثثهم في ساحات بغداد بعد أن احتل البريطانيون العراق من جديد واسقطوا حكومة الكيلاني، كما نكل بالعديد من الشخصيات السياسية التي اتهمها بالمشاركة في حركة الكيلاني الانقلابية وأودعهم السجون، ونفى البعض منهم .

كما مارس سياسته الإرهابية تجاه الشعب العراقي أبان وثبة كانون المجيدة عام 1948، ووثبة تشرين المجيدة عام 1952، وانتفاضة الشعب عام 1956 أبان العدوان الثلاثي على مصر الشقيقة واحتجاجاً على مواقفه من ذلك العدوان، وشماتته بالرئيس المصري جمال عبد الناصر.

ورغم كل المذكرات التي كان قد رفعها إلى الوصي عبد الإله كل من السيد كامل الجادرجي رئيس الحزب الوطني الديمقراطي، والسيد محمد مهدي كبة رئيس حزب الاستقلال حول السياسة المعادية لمصالح الشعب والوطن التي يتبعها نوري السعيد، والتي تهدد مصير الكيان العراقي لما تسببه من تراكم للسخط الشعبي، إلا أن عبد الإله صم آذانه عن سماع تلك النصائح، وأوغل في معاداة القوى السياسية الوطنية حتى وصل الأمر إلى إعدام قادة الحزب الشيوعي يوسف سلمان [ فهد ] وزكي بسيم [حازم ] ومحمد حسين الشبيبي [ باسم]عام 1949 ،وملأ السجون بخيرة الوطنيين الساعين إلى حرية واستقلال العراق الحقيقي، وأغلق كافة الصحف والمجلات، وألغى جميع الأحزاب والجمعيات والنوادي وانتهى به المطاف إلى الحكم على السيد كامل الجادرجي بالسجن والنفاذ إمعاناً باضطهاد الشعب وقواه السياسية الوطنية، وكان هذا السلوك المعادي للديمقراطية، وحقوق الإنسان الذي مارسه الثنائي نوري السعيد وعبد الإله عاملاً حاسماً في انفجار الغضب الشعبي، والعناصر الوطنية في قواتنا المسلحة في ثورة الرابع عشر من تموز 1958 بقيادة الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم، وكانت ثورة خاطفة أنهت النظام الملكي خلال ساعات، وأعلنت قيام النظام الجمهوري.

وقبل الولوج في صلب الدور الذي لعبه نوري السعيد وإجراءاته المنافية للدستور،واضطهاده لحقوق وحريات الشعب العراقي،لا بد وأن نقدم نبذة عن حياته بادئ ذي بدء،وعلاقته بالملك فيصل الأول وبالبريطانيين، وصعود نجمه بين سائر الشخصيات السياسية التي لعبت دوراً بارزاً في تلك المرحلة .

من هو نوري السعيد؟ . ولد نوري السعيد عام 1888ميلادية في بغداد، من عائلة من الطبقة الوسطى (1) ،حيث كان والده يعمل مدققاً في إحدى الدوائر في العهد العثماني، وهو من الطائفة السنية، وقد درس السعيد في الأكاديمية العسكرية في اسطنبول، وتخرج برتبة ملازم في الجيش العثماني، كما درس في كلية الأركان وتخرج منها، وانظم إلى مجموعة الضباط [الشريفيين] الذين التحقوا بالثورة العربية ضد الحكم العثماني بزعامة الملك [حسين بن علي] ملك الحجاز عام 1916، كما انضم العديد من الضباط الآخرين إلى الملك فيصل الأول عندما تولى عرش سوريا لفترة وجيزة، حيث قدر عددهم آنذاك بحوالي 300 ضابط ومدني واحد هو السيد [رستم حيدر] وهو مدير مدرسة سابق من بعلبك في لبنان.

لكن القوات الفرنسية أسقطت نظام حكم الملك فيصل وطردته من سوريا، وقرر البريطانيون فيما بعد تنصيبه ملكاً على العراق، وقد رافقه الضباط الشريفيون عند انتقاله إلى العراق، وكان من بينهم [نوري السعيد ] و [جعفر العسكري ] و[علي جودت الأيوبي ] و[جميل المدفعي] و[ياسين الهاشمي] وأخيه [ طه الهاشمي ] و [تحسين العسكري ] و[ شاكر الوادي] و[علي جودت الأيوبي]، وقد شغل هؤلاء جميعاً مناصب عليا في الدولة العراقية من بينها رئاسة الوزارات، واتخذ الملك فيصل ابن الحسين السيد [رستم حيدر ] سكرتيراً خاصاً له وأمين أسراره، ورافقه حتى وفاته وتقلد العديد من المناصب على عهده كان أهمها رئاسة الديوان الملكي ووزارة المالية.

ورغم أن هذه المجموعة من الضباط الشريفيين كانوا من الطبقة الوسطى الدنيا، باستثناء عدد قليل منهم، لكنهم بمرور الزمن قد تملكوا الأراضي الزراعية من الدولة، وبذلك أصبحوا من طبقة الملاكين وكونوا لهم روابط قوية مع عائلات الطبقة العليا في المجتمع. (2)

لقد كان واضحاً لكل المؤرخين والمتتبعين أن الأمير فيصل لم يكن له حضاً في حكم العراق لولا الدعم البريطاني، ومجموعة الضباط الشريفيين، فقد كان هناك العديد من الشخصيات العراقية التي كانت ترى نفسها أحق من الملك فيصل في حكم العراق، وكان من أبرزهم السيد [عبد الرحمن النقيب] والسيد [ طالب النقيب ]ً الذي أعلن صراحة أنه أحق من فيصل [الغريب] في حكم العراق، وقد اتخذ المندوب السامي قراراً بنفي السيد طالب النقيب إلى سيلان في 16 نيسان 1921، بعد أن وجد أنه يمثل خطورة كبيرة على المشروع البريطاني بتنصيب الأمير فيصل ابن الحسين بن علي ملكاً على العراق.(3)

كان الملك فيصل أكثر اعتماداً على نوري السعيد من أي من الضباط الشريفيين الأوائل، حيث كلفه في بادئ الأمر مهمة بناء جهازي الشرطة والأمن، وبوأه منصب مدير الشرطة العام، وقد عمل السعيد جهده لتعيين أصدقائه ومناصريه من الضباط الشريفيين الأوائل في المناصب الحساسة بهذا الجهاز.(4)

كما عين الملك فيصل نوري السعيد نائباً للقائد العام للقوات المسلحة عندما باشر في تكوين الجيش العراقي، حيث يكون الملك عادة هو القائد الأعلى للقوات المسلحة بموجب الفقرة الثامنة من المادة 26 من الدستور. كما أشغل السعيد كما أسلفنا وزارة الدفاع في أغلب الوزارات، وكان بحكم منصبه كنائب للقائد العام مشرفاً على عمل وزارة الدفاع في كافة الوزارات التي لم يكن يشغل فيها الوزارة المذكورة، وقد حرص السعيد على جمع أكبر عدد من الضباط الشريفيين القدامى في الجيش الوليد، وبوأهم أعلى المناصب فيه بحيث وصل عددهم إلى 12ً من أصل 19 من الضباط ذوي الرتب العالية.(5) .

لقد مكنت هذه المناصب نوري السعيد من زيادة وتعاظم نفوذه السياسي في البلاد لدرجة أوصلت العديد من الشخصيات السياسية إلى القناعة من أن نوري السعيد قد أصبح من العسير اقتلاعه، فقد كان يتميز بعلاقاته الواسعة، واختلاطه برجال المجتمع، وإخلاصه لأصدقائه، وكان يتميز بالحيوية والنشاط، فقد وصفه السيد [توفيق السويدي ] بأنه شخص واسع الحيلة، يقضاً بشكل غير معتاد استطاع بدهائه أن يصبح في منتصف العشرينات اليد الطولى للملك فيصل عملياً. (6)

كما شبهه السيد[ طالب مشتاق] بكرة الثلج التي تكبر وتكبر باستمرار، أي يكبر نفوذه باستمرار، وكان السياسيون يخشون أحابيله ومؤامراته، حيث كان لا يتوانى عن القيام بأي عمل إذا كان ذلك العمل يحقق طموحه السياسي، ويوصله إلى أرفع مراكز السلطة لدرجة جعلت منافسيه من السياسيين يخشونه، ويشعرون منه بالرعب، فقد كان باستطاعته أن يدبر بكل سهولة اغتيال معارضيه، فقد دبر عملية اغتيال السيد[ توفيق الخالدي] وزير الداخلية في 25 شباط 1924، وكان للخالدي ميولاً معادية لدور الضباط الشريفيين، وسعى لتقليص دورهم في إدارة أمور البلاد، وقد تم اغتياله على يد شخصين من أزلام نوري السعيد هما كل من [ شاكر القرةغلي] و[ عبد الله سرية ] بتحريض منه شخصياً، وقيل أن الملك فيصل وجعفر العسكري كانت لهم يد في عملية الاغتيال بدعوى أن توفيق الخالدي كان من أنصار النظام الجمهوري.

لكن الحقيقة أن اشتراك الملك فيصل مشكوك بها، وقد تم حشر اسم الملك من أجل طمس أسم المدبر الحقيقي للاغتيال نوري السعيد. (7)

كما أن الشكوك كانت تدور حول وفاة الملك فيصل في سويسرا في 7 أيلول 1933، واختفاء مذكراته فور وفاته، فقد ثارت الشكوك حول وفاته، وكان هناك شك أن السبب الحقيقي للوفاة هو التسمم، وأن لنوري السعيد يد فيها، وقيل أن الإنكليز هم الذين كانوا وراء العملية، فقد كانوا قد أرسلوا إليه الإنذار تلو الإنذار في الفترة الأخيرة بسبب أحداث ثورة الآشوريين، وأسلوب قمعها الوحشي على يد بكر صدقي. (8)

وكانت السفارة البريطانية في سويسرا قد رفعت تقريراً يشير إلى بعض الشكوك في سبب موت الملك،وجاء في التقرير:

[ إن الموت يمكن أن يكون نتيجة التسمم بعد اختلافه مع السيدة التي كانت لها علاقة حب به!!،أو التحريض من قبل الوكلاء السياسيين].(9)

وكان نوري السعيد و رستم حيدر ملازمين للملك حين وفاته، ومما يعزز هذا الشك هو فتور العلاقة الذي حصل بين الملك فيصل ونوري السعيد في السنة الأخيرة من حكمه، على الرغم من العلاقة الحميمة التي ربطتهما ببعضهما في الفترة الماضية لدرجة أن لقاءاتهما كانت قد تباعدت، وأخذت تقل تدريجياً عن المعتاد حتى وصل الأمر بنوري السعيد إلى أن يسرَّ في أذن مسؤول كبير في وزارة الخارجية البريطانية عام 1933بقوله :

{ لن اعد أتحمل مرة أخرى مسؤولية رئاسة الوزارة طالما بقي الملك فيصل على عرش العراق}. (10)

أما ملابسات قضية مقتل الملك غازي فإن كل الدلائل كانت تشير إلى عملية اغتيال مدبرة من قبل البريطانيين، وأن من خطط لتنفيذها كل من نوري السعيد وعبد الإله، كما سيرد ذلك في حينه فيما بعد. استمر نجم نوري السعيد بالصعود حتى تبوأ منصب رئيس الوزراء لأول مرة بتاريخ 23 آذار 1930، بإيعاز من السفارة البريطانية لكي ينفذ لهم أخطر مهمة ناءَ بحملها الآخرين من رجال السياسة، إلا وهي توقيع معاهدة عام 1930 التي ربطت العراق بعجلة الإمبريالية البريطانية لزمن طويل، وسأتناول هذه المعاهدة والإجراءات التي اتخذها نوري السعيد في وزارته الأولى، وردود الفعل التي أحدثتها لدى الرأي العام العراقي بوجه عام، ورجالات الدولة البارزين بوجه خاص في الحلقة الثانية .   حامد الحمداني – مفكر حر

التوثيق:

توثيق الحلقة الأولى

(1) لعراق ـ الكتاب الأول ـ ص 356 ـ حنا بطاطو .

(2) نفس المصدر السابق .

(3)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الأول ـ ص 38 ـ عبد الرزاق الحسني

(4)العراق ـ الجزء الأول ـ ص 369 ـ حنا بطاطو .

(5)نفس المصدر السابق .

(6)المصدر السابق ـ ص370

(7) تاريخ الوزارات العراقية ـ ج1 ـ ص 196 ـ عبد الرزاق الحسني

(8)نفس المصدر ـ ص 310

(9)نفس المصدر ـ الجزء الثالث ـ ص 309 . الحسني.

(10)العراق ـ ج1 ـ ص 372 ـ حنا بطاطو

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

نجاد ومرسي… وبائع العباءة!

علي الرز: العربية

غريبٌ هذا الإصرار من مصر “الإخوان” على إعطاء إيران دوراً رئيسياً في الشؤون العربية والإقليمية من دون أن تصدر من طهران أيّ مبادرة أو إشارة حتى إلى تغيير سياساتها بما يكفل الاندماج في فضاءٍ أوسع بشكل طبيعي وتلقائي ومقبول.

ليس مطلوباً إيجاد قواعد اشتباك جديدة مع جارٍ إقليمي مثل إيران، إنما الواقعية السياسية تقتضي أن يزيل هذا الجار المتاريس والسواتر العالية التي وضعها أمام عبور المبادرات والاتفاقات والمصالحات.

المطلوب من الرئيس محمود أحمدي نجاد أن يعرف أن الشراكة تقتضي وجود أطراف أخرى ينبغي أن تؤخذ مواقفها وخياراتها ومصالحها ورؤاها في الاعتبار لا أن يقدّم لها فقط عرض “الحماية” من دولة شبه نووية.

والمطلوب أن يعرف أن التقارب الحقيقي لا يعني الجلوس فقط أمام طاولة واحدة لتوزيع الصور والابتسامات والحديث عن دور الشياطين الكبار والصغار في منع التقارب العربي – الإيراني.

والمطلوب أن يعرف ايضاً وايضاً ان التعاون المأمول اقليمياً لا تختصره مفردات العاطفة والمحبة، ولا بعض الآيات من القرآن الكريم، ولا اللعب على أوتار الطائفية والمذهبية.

بمعنى آخر، فإن أهل المنطقة ليسوا من السذاجة كي يفرحوا ويهلّلوا ويصفّقوا وقوفاً ولفترة طويلة لمجرّد سماع الرئيس المصري “الإخواني” محمد مرسي يمجّد الخلفاء الراشدين في قلب طهران، أو بعد سماع تحريم الرئيس الإيراني ومعه مرجعيّات دينيّة شيعيّة كبيرة التعرّض بالسوء لزوجات الرسول (صلى الله عليه وسلم) و لأصحابه الأخيار الصالحين.

هذا المستوى تحديداً من الضيق الفكري والإنساني هو ما تعمل على تكريسه تيارات “التوظيف الديني للسياسة” الشيعية والسنية بغية إلغاء العقول وزيادة الاستقطاب وأخذ المنطقة الى مكانٍ آخر يكون فيه لـ “المرشد” الكلمة العليا واليد الطولى.

عندما تريد إيران أن تمدّ يداً صادقة الى أهل المنطقة، فعليها أن تحترم خياراتهم لا أن تساهم في تدميرها خدمة للحاكم الموالي لها أو المؤتمِر بأمرها. والرئيس مرسي يعرف تماماً أن إيران تحكم في العراق كما تحكم في طهران مع بعض الفروق الشكلية مراعاةً للتركيبتين السكانية والسياسية.

وأن إيران تحكم في سورية أكثر مما تحكم في طهران وتمدّ “المحافظ” بشار الأسد بكل أنواع الأسلحة والعتاد لقتل عشرات الآلاف من شعبه لمجرّد أنهم طالبوا بحريّتهم من نظامٍ اعتقل البلد لمدة خمسين عاماً.

وإيران تتعاطى مع “حزب الله”، الحزب الحاكم في لبنان، كما تتعاطى مع لواء القدس، وكذلك الأمر بالنسبة الى “حماس” سابقاً و”الجهاد” راهناً. وإيران مدّت أذرعها الى دول الخليج في أكثر من موقعٍ موجّهة رسالةً مفادها أن أحداً ليس بمنأى عن نفوذها …

بعيداً عن اللغو اللفظي والتلاعب السطحي الممجوج بالغرائز الطائفية، يعرف الرئيس مرسي أن إيران لم تتراجع عن ايّ من سياساتها تجاه المنطقة ولن تتراجع، ومع ذلك يصرّ – مفتوناً بتجربة الحكم الإسلامي هناك أو مراهناً عليها – على وجودها في ايّ مبادرة، وآخرها اللجنة الرباعية لحلّ الأزمة السورية.

والغريب في الأمر أن الطرفين الناشطين في المبادرات الإقليمية يعيشان أسوأ الأوضاع الداخلية على الإطلاق، فالعملة الإيرانية تتسابق مع المصرية على الانهيار، والاحتياطي النقدي في الدولتين يعيش نزيفاً غير مسبوق، والأوضاع الاجتماعية من سيّء إلى أسوأ، والاحتجاجات الداخلية متشابهة مع فارق أن الساحة المصرية الشعبية غير ممسوكة بعد كما هو الحال في إيران… ومع ذلك يتباهى الرئيسان بقوّة بلادهما ودورهما المحوري الإقليمي.

في دول الخليج مثل شعبي هو “بياع الخبل عباته”. فعندما تكون الأجواء خادعة ويتوقّف البرد قليلاً، يسارع “الخبل” أي الغبي الى بيع عباءته ظناً منه أن موسم الحرّ بدأ، ليفاجأ في اليوم التالي بأن البرد عاد ويدخل في معاناة طويلة. ومَن يصدّق أن إيران تغيّرت اعتماداً على كلام قادتها العاطفي دون أن يرى ممارساتها على الأرض هو “الخبل” بعينه عربياً كان أم أميركياً… اللهمّ إلا إذا كان مرسي ونجاد يعتمدان على “خبول” لتصديقهما.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | 1 Comment

كاتب القرآن يقر ويعترف بأن المسيح أنزل من السماء مائدة الحياة ليغنى الفقير ويبرأ المريض للابد

رشا نور :الحوار المتمدن

فيقول القرآن فى ( سورة المائدة 5 : 111 – 115 ) : ” وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) ” .

والمعنى الظاهري من النص يقول أن حواريين المسيح أوحي لهم أن يؤمنوا بالله والمسيح وقالوا أمنا، ولم يقل لنا كاتب القرآن ما نوع الوحي التى أوحى به الله للحواريين وكلمهم من خلاله ؟

ثم يطلب الحواريين من المسيح ينزل من السماء مائدة يأكلون منها وتطمئن قلوبهم بها، وتكون عيداً لأولهم ولآخرهم، أية من الله ورزقاً .. وقد قال عنها أهل التأويل من أئمة المفسرون مايلي :

1 – يكون يوم نزولها عيداً :

فهذه المائدة يكون يوم نزولها عيداً يعظمه الحواريون ومن يأتي من بعدهم ومن المعلوم أن الاعياد عند اليهود والمسيحيين والمسلمين هى ذكرى لأكبر الحوادث ذات الاثر الفعال فى حياة الشعب الذى يعيد ويحتفل بها .. فيقول فى التفسير الكبير فى تفسيره للنص :

قَوْلُهُ : عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا .. أَيْ نَتَّخِذُ الْيَوْمَ الَّذِي تَنْزِلُ فِيهِ الْمَائِدَةُ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ وَمَنْ يَأْتِي بَعْدَنَا ، وَنَزَلَتْ يَوْمَ الْأَحَدِ فَاتَّخَذَهُ النَّصَارَى عِيدًا ، وَالْعِيدُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا عَادَ إِلَيْكَ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ عَادَ يَعُودُ ، فَأَصْلُهُ هُوَ الْعَوْدُ ، فَسُمِّيَ الْعِيدُ عِيدًا لِأَنَّهُ يَعُودُ كُلَّ سَنَةٍ بِفَرَحٍ جَدِيدٍ ، وَقَوْلُهُ : ( وَآيَةً مِنْكَ ) أَيْ دَلَالَةً عَلَى تَوْحِيدِكَ وَصِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِكَ ( وَارْزُقْنَا ) أَيْ وَارْزُقْنَا طَعَامًا نَأْكُلُهُ ( وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ .

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=132&ID=2239

أما تفسير “التحرير والتنوير” فيقول فى تفسيره للنص :

” وَهَذَا الْعِيدُ الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عِنْدَ النَّصَارَى وَلَكِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَكَلَ مَعَ الْحَوَارِيِّينَ عَلَى مَائِدَةِ لَيْلَةِ عِيدِ الْفِصْحِ ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ صُلِبَ مِنْ صَبَاحِهَا . فَلَعَلَّ مَعْنَى كَوْنِهَا عِيدًا أَنَّهَا صُيِّرَتْ يَوْمَ الْفِصْحِ عِيدًا فِي الْمَسِيحِيَّةِ كَمَا كَانَ عِيدًا فِي الْيَهُودِيَّةِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْ صَارَ عِيدًا بِاخْتِلَافِ الِاعْتِبَارِ وَإِنْ كَانَ الْيَوْمُ وَاحِدًا لِأَنَّ الْمَسِيحِيِّينَ وَفَّقُوا لِأَعْيَادِ الْيَهُودِ مُنَاسَبَاتٍ أُخْرَى لَائِقَةً بِالْمَسِيحِيَّةِ إِعْفَاءً عَلَى آثَارِ الْيَهُودِيَّةِ ” .

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=61&ID=732

2 – يعيد بها كل يوم أحد :

فهذه المائدة التى يعيد لها النصارى كل يوم أحد أى يعيدون لها اثنين وخمسين مرة فى السنة بينما الأعياد جميعها عند أصحاب الأديان الثلاثة يعيدون لها مرة واحدة كل سنة فيقول الطبري فى تفسيره للنص :

” وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ ” تَكُنْ ” عَلَى الْجَوَابِ ; وَالْمَعْنَى : يَكُونُ يَوْمَ نُزُولِهَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا أَيْ : لِأَوَّلِ أُمَّتِنَا وَآخِرِهَا ; فَقِيلَ : إِنَّ الْمَائِدَةَ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْأَحَدِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ; فَلِذَلِكَ جَعَلُوا الْأَحَدَ عِيدًا ، وَالْعِيدُ وَاحِدُ الْأَعْيَادِ ;…. ” .

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?idfrom=1249&idto=1249&bk_no=48&ID=671

3 – تزيد القلب بالأيمان واليقين :

فسر عظمة هذه المائدة وعظمة أسرارها الفعالة أنها تزيد القلب بالأيمان واليقين ولا يتمكن الناس من الاظلاع على أسرارها إلا أذا حصلوا على الإيمان واستعملوا التقوى فيقول البغوي فى تفسيره :

” قَالُوا نُرِيدُ .. أَيْ : إِنَّمَا سَأَلْنَا لِأَنَّا نُرِيدُ ، ( أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا ) أَكْلَ تَبَرُّكٍ لَا أَكْلَ حَاجَةٍ فَنَسْتَيْقِنَ قُدْرَتَهُ ، ( وَتَطْمَئِنَّ ) وَتَسْكُنَ ، ( قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا ) بِأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، أَيْ : نَزْدَادُ إِيمَانًا وَيَقِينًا ، وَقِيلَ : إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، فَإِذَا أَفْطَرُوا لَا يَسْأَلُونَ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُمْ ، فَفَعَلُوا وَسَأَلُوا الْمَائِدَةَ ، وَقَالُوا : ” وَنَعْلَمُ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا ” فِي قَوْلِكَ ، إِنَّا إِذَا صُمْنَا ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَا نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا أَعْطَانَا ، ( وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ) لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقُدْرَةِ ، وَلَكَ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ ، وَقِيلَ : وَنَكُونُ مِنَ الشَّاهِدَيْنَ لَكَ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا رَجَعْنَا إِلَيْهِمْ .” .

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=51&ID=436

4 – دليلأ على وحدانية الله وتأيد أرسالية المسيح :

فهذه المائدة تكون آية فائقة من الله ودليلاً على توحيده تعالى وصحة نبوة رسوله القاطعة فيقول الطبري فى تفسيره :

” قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي – تَعَالَى ذِكْرُهُ – بِذَلِكَ : قَالَ الْحَوَارِيُّونَ مُجِيبِي عِيسَى عَلَى قَوْلِهِ لَهُمْ : ” اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ” فِي قَوْلِكُمْ لِي ” هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ” : إِنَّا إِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ ، وَسَأَلْنَاكَ أَنْ تَسْأَلَ لَنَا رَبَّنَا لِنَأْكُلَ مِنَ الْمَائِدَةِ ، فَنَعْلَمُ يَقِينًا قُدْرَتَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ” وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ” يَقُولُ : وَتَسْكَنُ قُلُوبُنَا ، وَتَسْتَقِرُّ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى كُلِّ مَا شَاءَ وَأَرَادَ ، ” وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا ” وَنَعْلَمُ أَنَّكَ لَمْ تَكْذِبْنَا فِي خَبَرِكَ أَنَّكَ لِلَّهِ رَسُولٌ مُرْسَلٌ وَنَبِيٌّ مَبْعُوثٌ ” وَنَكُونَ عَلَيْهَا ” يَقُولُ : وَنَكُونُ عَلَى الْمَائِدَةِ ” مِنَ الشَّاهِدَيْنِ ” يَقُولُ : مِمَّنْ يَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حُجَّةً لِنَفْسِهِ عَلَيْنَا فِي تَوْحِيدِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى مَا شَاءَ ، وَلَكَ عَلَى صِدْقِكَ فِي نُبُوَّتِكَ ” .

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=50&surano=5&ayano=113

5 – غرضها روحي وليس جسدي :

هذه المائدة ذات الأغراض الدينية الروحانية هى ليست لأطعام الجسد فقط بل طعام روحي أيضاً للروح تجعل أكلها يبتهج ابتهاج الروح بالنعمة أعنى مائدة أكلها لا يؤثر تأثيراً جسدياً بل يمنح الروح ابتهاجاً بالنعمة التى ينالها الانسان بتناول هذا السر .. فيقول الإمام فخر الدين الرازي فى التفسير الكبير فى تفسيره للنص :

” تَأَمَّلْ فِي هَذَا التَّرْتِيبِ فَإِنَّ الْحَوَارِيِّينَ لَمَّا سَأَلُوا الْمَائِدَةَ ذَكَرُوا فِي طَلَبِهَا أَغْرَاضًا ، فَقَدَّمُوا ذِكْرَ الْأَكْلِ فَقَالُوا : ( نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا ) وَأَخَّرُوا الْأَغْرَاضَ الدِّينِيَّةَ الرُّوحَانِيَّةَ ، فَأَمَّا عِيسَى فَإِنَّهُ لَمَّا طَلَبَ الْمَائِدَةَ وَذَكَرَ أَغْرَاضَهُ فِيهَا قَدَّمَ الْأَغْرَاضَ الدِّينِيَّةَ وَأَخَّرَ غَرَضَ الْأَكْلِ حَيْثُ قَالَ : ( وَارْزُقْنَا ) وَعِنْدَ هَذَا يَلُوحُ لَكَ مَرَاتِبُ دَرَجَاتِ الْأَرْوَاحِ فِي كَوْنِ بَعْضِهَا رُوحَانِيَّةً وَبَعْضِهَا جُسْمَانِيَّةً ، ثُمَّ إِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِشِدَّةِ صَفَاءِ دِينِهِ وَإِشْرَاقِ رُوحِهِ لَمَّا ذَكَرَ الرِّزْقَ بِقَوْلِهِ : ( وَارْزُقْنَا ) لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ بَلِ انْتَقَلَ مِنَ الرِّزْقِ إِلَى الرَّزَّاقِ فَقَالَ : ( وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ ) فَقَوْلُهُ : ( رَبَّنَا ) ابْتِدَاءٌ مِنْهُ بِذِكْرِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَقَوْلُهُ : ( أَنْزِلْ عَلَيْنَا ) انْتِقَالٌ مِنَ الذَّاتِ إِلَى الصِّفَاتِ ، وَقَوْلُهُ : ( تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ) إِشَارَةٌ إِلَى ابْتِهَاجِ الرُّوحِ بِالنِّعْمَةِ لَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا نِعْمَةٌ ، بَلْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا صَادِرَةٌ عَنِ الْمُنْعِمِ … ” .

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=132&ID=2239

6 – أن أسرارها عميقة لا يقف كنهها إلا أصحاب النظر والاستدلال :

فهذه المائدة التي للنفس فيها حصة لها قوة البرهان لأصحاب النظر والاستدلال وأن أسرارها عميقة لا يقف كنهها إلا أصحاب النظر والاستدلال .. فيقول الإمام فخر الدين الرازي فى التفسير الكبير فى تفسيره للنص :

” ، وَقَوْلُهُ .. وَآيَةً مِنْكَ .. إِشَارَةٌ إِلَى كَوْنِ هَذِهِ الْمَائِدَةِ دَلِيلًا لِأَصْحَابِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ ، وَقَوْلُهُ : ( وَارْزُقْنَا ) إِشَارَةٌ إِلَى حِصَّةِ النَّفْسِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ نُزُولٌ مِنْ حَضْرَةِ الْجَلَالِ . فَانْظُرْ كَيْفَ ابْتَدَأَ بِالْأَشْرَفِ فَالْأَشْرَفِ نَازِلًا إِلَى الْأَدْوَنِ فَالْأَدْوَنِ . ثُمَّ قَالَ : ( وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ ) وَهُوَ عُرُوجٌ مَرَّةً أُخْرَى مِنَ الْخَلْقِ إِلَى الْخَالِقِ وَمِنْ غَيْرِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ وَمِنَ الْأَخَسِّ إِلَى الْأَشْرَفِ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَلُوحُ لَكَ شَمَّةٌ مِنْ كَيْفِيَّةِ عُرُوجِ الْأَرْوَاحِ الْمُشْرِقَةِ النُّورَانِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ وَنُزُولِهَا ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِهِ .. ” .

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=132&ID=2239

7 – من يستهين بهذه المائدة العظيمة يمسخه الله خنزيراً :

فهذه المائدة التى يكفر بها يعذبه الله عذاباً لا يعذبه احداً من العالمين يعني بمسخهم خنازير وقردة ويجوزان يعجل عذابهم فى الدنيا ويجوز ان يكون مؤخراً … ويقول البغوي فى تفسيره للنص :

” وَقَالُوا : أَتَرَوْنَ الْمَائِدَةَ حَقًّا تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنِّي شَرَطْتُ أَنَّ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ نُزُولِهَا عَذَّبْتُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ، فَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) فَمُسِخَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا بَاتُوا مِنْ لَيْلَتِهِمْ عَلَى فَرْشِهِمْ مَعَ نِسَائِهِمْ فَأَصْبَحُوا خَنَازِيرَ يَسْعَوْنَ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْكُنَاسَاتِ ، وَيَأْكُلُونَ الْعُذْرَةَ فِي الْحُشُوشِ فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ فَزِعُوا إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبَكَوْا فَلَمَّا أَبْصَرَتِ الْخَنَازِيرُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بَكَتْ وَجَعَلَتْ تُطِيفُ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجَعَلَ عِيسَى يَدْعُوهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَيُشِيرُونَ بِرُءُوسِهِمْ وَيَبْكُونَ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْكَلَامِ ، فَعَاشُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ هَلَكُوا ” .

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=51&ID=436

8 – يُلبس لها مسوح التقوي عند نزولها من السماء :

فهذه المائدة لما أراد المسيح الدعاة بشأن نزولها لبس مسوحاً من الشعر كرداء للتقوة وكأن المائدة هذه تتطلب استعداداً خاصاً عند الصلاة عليها بل وعند نزولها يبكي يسوع المسيح اشفاقاً على الناس الذين كانوا مزمعين أن يأكلوا منها فخاف أن يأكلوا منها بدون استحقاق فتكون لهم مثلة وعقوبة .. فيقول بن كثير فى تفسيره للنص :

” فِلْمًا رَأَى عِيسَى أَنْ قَدْ أَبَوْا إِلَّا أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ بِهَا ، قَامَ فَأَلْقَى عَنْهُ الصُّوفَ ، وَلَبِسَ الشَّعْرَ الْأَسْوَدَ ، وَجُبَّةً مِنْ شَعْرٍ ، وَعَبَاءَةً مِنْ شَعْرٍ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ ، وَدَخَلَ مُصَلَّاهُ فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَامَ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَصَفَّ قَدَمَيْهِ حَتَّى اسْتَوَيَا ، فَأَلْصَقَ الْكَعْبَ بِالْكَعْبِ وَحَاذَى الْأَصَابِعَ ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَوْقَ صَدْرِهِ ، وَغَضَّ بَصَرَهُ ، وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ خُشُوعًا ، ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالْبُكَاءِ ، فَمَا زَالَتْ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ وَتَقْطُرُ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ حَتَّى ابْتَلَّتِ الْأَرْضُ حِيَالَ وَجْهِهِ مِنْ خُشُوعِهِ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ دَعَا اللَّهَ فَقَالَ : ( اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ” .

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=49&ID=417

9 – نزلت من السماء بين غمامتين وعلى سفرة حمراء :

المائدة التى نزلت ولها فرش أحمر من تحتها أو من غمام وغطاء فوقها ومن تحتها من غمام .. فيقول البغوي فى تفسيره للنص :

” وَقَالَ قَتَادَةُ : كَانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا حَيْثُ كَانُوا كَالْمَنِّ وَالسَّلْوَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ لَمَّا سَأَلَ الْحَوَارِيُّونَ الْمَائِدَةَ لَبِسَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ صُوفًا وَبَكَى ، وَقَالَ : ” اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ” الْآيَةَ فَنَزَلَتْ سُفْرَةٌ حَمْرَاءُ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ غَمَامَةٍ مِنْ فَوْقِهَا وَغَمَامَةٍ مِنْ تَحْتِهَا ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَهِيَ تَهْوِي مُنْقَضَّةً حَتَّى سَقَطَتْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَبَكَى عِيسَى ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الشَّاكِرِينَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عُقُوبَةً ، وَالْيَهُودُ يَنْظُرُونَ إِلَى شَيْءٍ لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ وَلَمْ يَجِدُوا رِيحًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِهِ ” .

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=51&ID=436

ويقول بن كثير فى تفسيره للنص :

ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالْبُكَاءِ ، فَمَا زَالَتْ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ وَتَقْطُرُ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ حَتَّى ابْتَلَّتِ الْأَرْضُ حِيَالَ وَجْهِهِ مِنْ خُشُوعِهِ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ دَعَا اللَّهَ فَقَالَ : ( اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سُفْرَةً حَمْرَاءَ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ : غَمَامَةٌ فَوْقَهَا وَغَمَامَةٌ تَحْتَهَا ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا فِي الْهَوَاءِ مُنْقَضَّةً مِنْ فَلَكِ السَّمَاءِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَعِيسَى يَبْكِي خَوْفًا لِلشُّرُوطِ الَّتِي اتَّخَذَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ ” .

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=49&ID=417

10 – مخلوقة بقدرة الله الغالبة :

فهذه المائدة التى لا هى من طعام الدنيا ولا من من طعام الآخرة ولكنها شئ أفتعله (الأفتعال معناه خلق جديد أو ابداع جديد) الله بالقدرة الغالبة .. فيقول البغوي فى تفسيره للنص :

” فَقَالَ شَمْعُونُ : يَا رُوحَ اللَّهِ أَمِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا هَذَا أَمْ مِنْ طَعَامِ الْآخِرَةِ؟ فَقَالَ : لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا تَرَوْنَ مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا وَلَا مِنْ طَعَامِ الْآخِرَةِ ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ افْتَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ الْغَالِبَةِ ، كُلُوا مِمَّا سَأَلْتُمْ يَمْدُدْكُمْ وَيَزِدْكُمْ مِنْ فَضْلِهِ ” .

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=51&ID=436

11 – فيها غني و شفاء أبدي :

فهذه المائدة التى لا يأكل منها فقير الا غنى مدة عمره ولا مريض إلا برئ ولم يمرض أبداً .. فيقول بن كثير فى تفسيره للنص :

” فَأَكَلَ مِنْهَا أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةِ إِنْسَانٍ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ ، يُصْدِرُونَ عَنْهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَبْعَانُ يَتَجَشَّأُ ، وَنَظَرَ عِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ فَإِذَا مَا عَلَيْهَا كَهَيْئَتِهِ إِذْ أُنْزِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ ، لَمْ يَنْتَقِصْ مِنْهَا شَيْءٌ ، ثُمَّ إِنَّهَا رُفِعَتْ إِلَى السَّمَاءِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ [ ص: 230 ] فَاسْتَغْنَى كُلُّ فَقِيرٍ أَكَلَ مِنْهَا ، وَبَرِئَ كُلُّ زَمِنٍ أَكَلَ مِنْهَا ، فَلَمْ يَزَالُوا أَغْنِيَاءَ صِحَاحًا حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا ..” .

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=49&ID=417

ويقول البغوي فى تفسيره للنص :

” فَدَعَا لَهَا أَهْلَ الْفَاقَةِ وَالْمَرْضَى وَأَهْلَ الْبَرَصِ وَالْجُذَامِ وَالْمُقْعَدِينَ وَالْمُبْتَلِينَ ، فَقَالَ : كُلُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَكُمُ الْمَهْنَأُ وَلِغَيْرِكُمُ الْبَلَاءُ ، فَأَكَلُوا وَصَدَرَ عَنْهَا أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْ فَقِيرٍ وَمَرِيضٍ وَزَمِنٍ وَمُبْتَلًى ، كُلُّهُمْ شَبْعَانُ ، وَإِذَا السَّمَكَةُ بِهَيْئَتِهَا حِينَ نَزَلَتْ ، ثُمَّ طَارَتْ سُفْرَةُ الْمَائِدَةِ صُعُدًا وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا حَتَّى تَوَارَتْ ، فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا زَمِنٌ وَلَا مَرِيضٌ وَلَا مُبْتَلًى إِلَّا عُوفِيَ وَلَا فَقِيرٌ إِلَّا اسْتَغْنَى ، وَنَدِمَ مَنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا فَلَبِثَتْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا تَنْزِلُ ضُحًى ، فَإِذَا نَزَلَتِ اجْتَمَعَتِ الْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ وَالصِّغَارُ وَالْكِبَارُ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ ، وَلَا تَزَالُ مَنْصُوبَةً يُؤَكَلُ مِنْهَا حَتَّى إِذَا فَاءَ الْفَيْءُ طَارَتْ وَهُمْ يَنْظُرُونَ فِي ظِلِّهَا حَتَّى تَوَارَتْ عَنْهُمْ ” .

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=51&ID=436

12 – أنها رحمة للمؤمنين بها وعذاباً للمكذبين :

فهذه المائدة التى يرى عيسى ان انزالها من السماء سهل ولكن فيه خطر وخوف عاقبة (تعليل هذا الخوف أن السالك اذا انكشف له ماهو أعلى من مقامه لعله لا يحتمله ولا يستقر له فيضل به ضلالاً بعيداً، وهذا جلال فى المائدة يخشى من كشفه على غير المستحقين) .. فيقول بن كثير فى تفسيره للنص :

” اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ .. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سُفْرَةً حَمْرَاءَ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ : غَمَامَةٌ فَوْقَهَا وَغَمَامَةٌ تَحْتَهَا ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا فِي الْهَوَاءِ مُنْقَضَّةً مِنْ فَلَكِ السَّمَاءِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَعِيسَى يَبْكِي خَوْفًا لِلشُّرُوطِ الَّتِي اتَّخَذَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ – فِيهَا : أَنَّهُ يُعَذِّبُ مَنْ يَكْفُرُ بِهَا مِنْهُمْ بَعْدَ نُزُولِهَا عَذَابًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالِمَيْنِ – وَهُوَ يَدْعُو اللَّهَ مِنْ مَكَانِهِ وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً ، إِلَهِي لَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا ، إِلَهِي كَمْ مِنْ عَجِيبَةٍ سَأَلْتُكَ فَأَعْطَيْتَنِي ، إِلَهِي اجْعَلْنَا لَكَ شَكَّارِينَ ، إِلَهِي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَكُونَ أَنْزَلْتَهَا غَضَبًا وَجَزَاءً ، إِلَهِي اجْعَلْهَا سَلَامَةً وَعَافِيَةً ، وَلَا تَجْعَلْهَا فِتْنَةً وَمُثْلَةً.. .” .

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=49&ID=417

13 – يأكل منه النصاري إلى يوم البعث :

هذه المائدة التى تظل إلى يوم البعث يأكل منها آخر الناس ولا يأكل منها إلا أهل دينه .. فيقول القرطبي فى تفسيره للنص :

” وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ ” تَكُنْ ” عَلَى الْجَوَابِ ; وَالْمَعْنَى : يَكُونُ يَوْمَ نُزُولِهَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا أَيْ : لِأَوَّلِ أُمَّتِنَا وَآخِرِهَا ; فَقِيلَ : إِنَّ الْمَائِدَةَ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْأَحَدِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً … ” .

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?idfrom=1249&idto=1249&bk_no=48&ID=671

ويقول تفسير ” التحرير و التنوير ” فى تفسيره للنص :

” وَلِذَلِكَ قَالَ لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ، أَيْ لِأَوَّلِ أُمَّةِ النَّصْرَانِيَّةِ وَآخِرِهَا .. ” .

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=61&ID=732

وأكتفي بهذه الإستدلالات التفسيرية حول هذا النص الذى يثبت أن كاتب القرآن كان يتكلم عن القربان المقدس والذى يرمز للمسيح الذى قال عن نفسه فى الإنجيل :

” ٤٨ أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ…. ٥١ أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ». ٥٢ فَخَاصَمَ الْيَهُودُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ:«كَيْفَ يَقْدِرُ هذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ لِنَأْكُلَ؟» ٥٣ فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. ٥٤ مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، ٥٥ لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌّ. ٥٦ مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ. ٥٧ كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي. ٥٨ هذَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. لَيْسَ كَمَا أَكَلَ آبَاؤُكُمُ الْمَنَّ وَمَاتُوا. مَنْ يَأْكُلْ هذَا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ»… ” ( يوحنا 6 : 48 – 58 ) …

فالمائدة التى نزلت من السماء كانت رمز لشخص المسيح خبز الحياة الذى أعطانا الغني والكرامة والشفاء من داء الخطية وأمراض الجسد …

وهذه الأمور كلها قد عرفتها ورأيتها وفهمتها عندما تركت الإسلام وذهبت إلى الكنيسة فى يوم الأحد ورأيت مايحوط بسر المائدة أو مايطلق عليه ( سر الشركة أو التناول أو الأفخارستيا أو سر القربان المقدس .. ) .

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

لاعب “الكشتبان” السوري

السوريون من أبرع أهل اﻷرض في التجارة، يكفي التسكع لساعات قلائل في أي من أسواق الشام وسيجد المرء نفسه يشتري ما يحتاجه وما لايحتاجه بعد “مفاصلات” طويلة ما كان لها أن تبدأ أصلاً.

من سوء حظ السوريين أن السياسة الدولية تختلف جذرياً عن “سوق الحميدية” وأن الشارين الدوليين لثورتهم ليسوا من السواح مرتاحي البال الذين كانت تغص بهم حارات الشام العتيقة. ولكي تكتمل المأساة السورية، أتى ٳلى البيت اﻷبيض رجل أسمر “لايبيع ولايشتري ولايريد حتى أن يحضر البازار…”.

هذا الحديث بمناسبة مبادرة الشيخ “معاذ الخطيب” الذي قابل اثنين من سفاحي الشعب السوري في “ميونيخ” وأتبعها بمقابلة السيد “جو بايدن” المشهور بزلاته الكلامية والذي “لايحل ولا يربط..”.

مبادرة الشيخ “معاذ الخطيب” تبدو شبيهة ب “مفاصلة” مع اﻷسد و”محور الشر” من جهة ومع من يدعّون أنهم “أصدقاء سوريا” من جهة أخرى. خطوة السيد “الخطيب” وعرضه مبادلة “الحوار مع من لم تتلوث أيديهم بالدماء من النظام” مقابل ٳطلاق سراح 160 ألف معتقل وتجديد جوازات سفر المعارضين في الخارج أتت لتحرك بعض المياه الراكدة في المستنقع السوري في غياب تطورات ٳيجابية على اﻷرض.

المبادرة ليست سيئة في المطلق، فهي تفضح همجية النظام وتخاذل أصدقاء الثورة. هذه المبادرة تبدو موجهة للطرفين معاً. من المفهوم التوجه ٳلى النظام ﻹطلاق سراح المعتقلين، أما تجديد الجوازات فيتعلق “بأصدقاء سوريا” الذين يكفيهم تسليم سفارات النظام للائتلاف الذي اعترفوا به وتكلييفه بتجديد وٳصدار وثائق السوريين في الخارج، أقله من يتواجدون في دول الخليج “صديقة الشعب والثورة السوريين”. لنلاحظ أن هؤلاء “اﻷصدقاء” هم من بدؤوا بفتح النار على السيد “الخطيب” انطلاقاً من السيد “داوود اوغلو” الذي تساءل عن جدوى هكذا حوار؟ انتهاء “بالمدفعية اﻹعلامية ” لقناتي الجزيرة والعربية.

المشكلة مع المعارضة السورية أعمق بكثير من مجرد الالتزام بوثائق الدوحة أو في وجود “آراء شخصية” لدي رئيس الائتلاف، مشكلة المعارضة السورية أن لاشيء ملموساً لديها لتقدمه في بازار الدم السوري المفتوح على مصراعيه، لا شيء غير المطالبة برحيل النظام و”بعدها لكل حادث حديث…”.

المعارضة السورية تبدو كمن يبيع سمكاً في الماء، فالسيد “معاذ الخطيب” والمعارضة السورية كلها عاجزة عن تأمين “دخول آمن” ﻷفرادها ٳلى اﻷراضي السورية المحررة، فكيف لها أن تعرض “خروجاً آمناً” للأسد ؟ المعارضة السورية المتواجدة في الخارج “لاتمون” على كتيبة واحدة في الداخل تؤمن لها الحماية ٳن هي عادت ٳلى سوريا، فوق ذلك، شيوخ المعارضة كلهم “ما شاء الله” زعماء ورؤساء ووجهاء ولا أحد بينهم “يحطها واطية” لغيره لدرجة مطالبة الشيخ “معاذ” بالاستقالة فوراً لمجرد أنه خرج عن حالة الموت السريري الذي ترتع فيه المعارضة السورية بقضها وقضيضها.

المعارضة السورية تبدو وكأنها تريد من العالم الخارجي أن يعيدها لدمشق “سالمة وغانمة” ودون مقابل سوى “بوس اللحى”. خلال عامين انهكتنا هذه المعارضة بلقاءاتها ومؤتمراتها ومزاوداتها التلفزيونية مع القليل النادر من الخطاب المتزن والعقلاني. لسان حال هذه المعارضة يقول : “أسقطوا لنا هذا النظام أو ساعدونا على ٳسقاطه وبعدها نعدكم، والله علينا شهيد، اننا سنعمل ديمقراطية أفضل من السويد ولن يكون هناك مشكلة أقليات ولا تطرف ولا تعصب ومصالح الجميع ستكون بالحفظ والصون، حتى جبهة النصرة ستصبح جمعية رعاية طفولة…”.

هذه البضاعة لم تجد من يشتريها منذ أكثر من عام ومع ذلك، لم تعمل عليها المعارضة “اوكازيون” ولا حتى ٳعادة نظر. 

ماذا تقدر هذه المعارضة أن تفعل و ماذا يريد العالم من المعارضة السورية ولا تستطيع هذه المعارضة تقديمه ؟ وماذا يقدم اﻷسد لهذا العالم بالمقابل ؟

المعارضة السورية متواجدة في الخارج وبعيداً عن الحدود وهي مشتتة ولا صلة تنظيمية لها مع المسلحين في الداخل. اﻷسد من جهته موجود في دمشق وهو مصدر القرار، ولو بٳيحاء ٳيراني، وقواته تبقى منضبطة لحد ما وتعمل بشكل منسق.

المعارضة السورية “تعِد” بالمحافظة على مصالح روسيا في حين يقوم اﻷسد بالخضوع بشكل كامل لكل طلبات “بوتين” بغض النظر عن السيادة السورية ومصالح السوريين.

المعارضة السورية تريد “علاقات سليمة” مع طهران في حين يتعامل الثوار السوريون مع اﻹيرانيين “كعدو مجوسي”. أما اﻷسد فهو يخضع تماماً ﻹملاءات “الولي الفقيه” لدرجة العمالة الكاملة.

يبقى السلاح اﻷمضى في يد اﻷسد وهو “تفاهماته ” مع ٳسرائيل. هذا هو “جوكر” اﻷسد الذي ضمن حدود ٳسرائيل الشمالية ﻷربعين عاماً وخلصها من كل التهديدات القادمة من جهة المقاومة الفلسطينية في لبنان وحتى خارجه. اﻷسدان اﻷب ثم الابن هما “رجلا المهمات القذرة” ﻹسرائيل ابتداء من سحق المقاومة اللبنانية اليسارية والفلسطينية وانتهاء بتحييد سوريا وشعبها ثم تدميرهما مروراً بتفخيخ الوضع الفلسطيني الداخلى عبر حماس وغيرها.

هل تستطيع المعارضة السورية أن تقدم للعالم الخارجي شيئاً لم يتنازل عنه اﻷسد سلفاً ؟ مهما فعلت المعارضة السورية فهي لن تتوصل بأي شكل من اﻷشكال ﻹتقان “بهلوانيات” التنازلات الدولية بما يضارع مهارات نظام الشبيحة.

هل تظن المعارضة السورية أنه يكفي تسمية مسيحي على رأس مجلس ٳخواني لطمأنة اﻷقليات ؟ وهل تكفي تسمية علوي معارض كممثل للائتلاف في فرنسا من أجل أن تنشق الطائفة العلوية وتعود لضميرها ووطنها ؟ 

هل يعتقد جهابذة الائتلاف الوطني أن من الممكن التوافق على “رئيس” للائتلاف ثم تكبيله بحيث لا يرأس شيئاً ولايقدر على أخذ زمام المبادرة في أي مضمار، ثم ٳقناع العالم أن هذه المعارضة مسؤولة ومنضبطة ؟

كيف للمعارضة السورية أن تتوجه بخطاب تصالحي للأكراد والآشوريين والتركمان وهي تجأر “بعروبتها” كأن هذه العروبة قدمت شيئاً للثورة ؟ المعارضة السورية تصر على “العروبة والقومجية” الصحيحتان، لدرجة استعمال مصطلح “العربي السوري” البعثي اﻷصل ؟! يكاد خطاب هذه المعارضة أن يكون أكثر “عروبة وربما بعثية” من النظام اﻷسدي ذاته…

في الموضوع اﻹسرائيلي، يبقى خطاب المعارضة غائماً وضبابياً، فمن جهة تتجنب المعارضة التطرق للمسألة اﻷولى في المنطقة ومن جهة أخري يؤنب السيد “معاذ الخطيب” ٳسرائيل بعد غارتها على “جمرايا” ويطالبها “بالبقاء خارج الوضع السوري الداخلي..” متناسياً أن ٳسرائيل هي الرقم اﻷصعب في الشأن السوري.

ما هو موقف المعارضة السورية من وجود ٳسرائيل وحدودها وماهو رأي أساطين هذه المعارضة فيما يخص الجولان ونازحيه واللاجئين الفلسطينيين ؟ أي “سوريا” مستقبلية تريد هذه المعارضة ؟ هل هي “سوريا ممانعة ومقاومة” لكن هذه المرة “عن جد” أو أن هذه المعارضة تريد الخروج من الورطة “الاورويلية” التي خلقها التفاهم اﻷسدي مع ٳسرائيل منذ 1974 والتي تكبل الشعبين السوري واﻹسرائيلي ؟ هذه المعادلة قوامها دوام حالة الحرب، دون حرب، وهي في صالح عصابة اﻷسد في سوريا والطغمة الاستيطانية والعسكرية في ٳسرائيل التي تحكمها ذات النخبة والعقلية العنصرية منذ عقود. 

بالمناسبة، السيد “معاذ الخطيب” الذي التقي باثنين من سفاحي سوريا المباشرين، لافروف وصالحي، ما الذي منعه من التوجه بخطاب واضح ٳلى “العدو اﻹسرائيلي” الذي لم يسفك منذ قيامه واحداً في المئة من الدماء السورية التي سفكها اﻷسدان بدعم من روسيا على الدوام وبدعم ٳيراني وروسي منذ بداية الثورة ؟ هل من المقبول الالتقاء بممثل “الاورثوذوكسية” الروسي والولي الفقيه “الشيعي” لكن الالتقاء بيهودي لم يسفك دم السوريين حرام ما بعده حرام ؟

ٳن كانت المشكلة أن “ٳسرائيل” تحتل جزءاً من اﻷرض السورية فٳيران وروسيا “تحتلان” سوريا كلها بمعية جند اﻷسد.

من غير المقبول أن تستمر المعارضة السورية في تجنب المواقف الواضحة وعليها حسم موقفها في قضايا حقوق اﻹنسان، اﻷقليات، حقوق الجوار، مستقبل المنطقة والتعاون الاقتصادي. لا تستطيع هذه المعارضة الاستمرار في تجاهل كون “جبهة النصرة” ٳرهابية “ولو قالت واشنطن أنها كذلك” على حد قول أستاذنا “حازم صاغية”. هذه الجبهة “أباحت دم” اﻷستاذ “معاذ الخطيب” على لسان ٳمام ليبي في حلب، لمجرد أن الرجل طرح موضوع الحوار مع النظام ! من يريد مثالاً أوضح على الطبيعة الظلامية العميقة لهذه الجماعة التي “تكفّر” الناس بالجملة ؟ 

أين الخطاب اﻷخلاقي واﻹنساني

humanist and universal))

 للمعارضة السورية ؟ ليس كافيا الحديث في العموميات واجترار ذات الخطاب المعلب والمكرور

 حول “غياب الطائفية” في سوريا ما قبل اﻷسد وحول “الشعب السوري الواحد” الموروث من الخطابين البعثي واﻷسدي، أما آن أوان تبني خطاب ٳنساني وحقوقي مختلف جذرياً عن البلاغات اللفظية الموروثة من الحقبة القومجية؟ 

باختصار، ٳلى متى تستمر المعارضة السورية في ممارسة السياسة على مبدأ “لاعبي الكشاتبين”؟

أحمد الشامي فرنسا  ahmadshami29@yahoo.com

 نشرت في بيروت اوبسرفر في السادس من شباط 2013

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

إلى أي صندوق إقتراع نحتكم؟

المحامي ادوار حشوة : كلنا شركاء

السيد الرئيس يدعو الى الاحتكام الى صندوق الاقتراع بمواجهة الذين يطالبونه بالتنحي او الرحيل ) 

كلنا نعرف هذا الصندوق الديمقراطي الذي يدعونا إليه والذي يستند الى حالة فريدة في الديمقراطية الشعبية أسمها

( التعيين بالأنتخاب) حيث يسمي النظام أسماء من يريدهم سواء لمجلس الشعب او الادارة المحلية او أي نقابة مهنية ثم

يكلف وزير الداخلية والمخابرات بتنفيذ ذلك كما أي مخرج سينمائي يفعل . 

الأ نتخابات السورية معدة للا ستهلاك الخارجي تعبيرا عن وجود ديمقراطية موجودة فعلا على الورق …فهل

على هذه الديمقراطية ندعى لمسابقة انتخابية تعددية بحماية المخابرات واجهزة القمع وبقضاة سبق تعينيهم من الاجهزة 

ليحققوا ارادة النظام .؟

كيف يمكن اجراء انتخابات حرة في ظل الاحكام العرفية التي تطبق على البلد منذ نصف قرن والتي تمكن الاجهزة من 

فبركةالانتخابات و إخراجها وفق المطلوب ؟

وكيف تجري الانتخابات التنافسية ولم يعد الجيش الى ثكناته ويتوقف عن القصف والتدمير وتتوقف الاجهزة عن القتل 

وتتوقف عصابات الشبيحة وما يماثلها بالمقابل عن الذبح والخطف والسرقة وكيف الانتخابات او الاستفتاء ونصف

الشعب بين مهجر ومعتقل ومقتول وخائف ؟ 

قبل كل شئ ولكي يكون التنافس حرا يجب الغاء النظام الرئاسي واعادة العمل بدستور 1950 لان الثورةقامت اصلا

للخلاص من النظام الرئاسي الديكتاتوري ولا نريد نظاما مماثلا و عندما يتحقق كل ذلك يكون للتنافس الانتخابي الاهمية 

التي تؤهل الفائز أن يدعي ان الشعب اختاره رئيسا او نائبا وما عدا ذلك ليس الا شعارات للا ستهلاك الخارجي

ولكسب الوقت وللالتفاف على الشعار الاساسي اسقاط النظام.. 

منذ 2005 استشعرنا الخطر القادم وفي مقالنا (التحديات الحقيقية للاصلاح السياسي في سورية) قدمنا الحلول ولم تكن

الثورة قد بدأت ولكن لاأحد يريد اصلاحا لأن مرض ال99% ما يزال ينخر جسم النظام. 

وفي 30-4-2011 وقبل أن تتحول التظاهرات الى الصدامات الخطرة طلبنا في مقال وزع على نطاق واسع ودعونا

رئيس النظام أن يقود رغبة الشباب في التغيير بان يعيد دستور 1950 وقانوني الاحزاب والانتخابات بموجب مرسوم تشريعي من مادة واحدة تقول ( يعاد العمل بدستور 1950 وقانوني الاحزاب الانتخاب السارية في ظله )ويحدد موعدالانتخاب مجلس نيابي حقيقي بعد ان يطلق سراح المعتقلين ويسمح بعودة المبعدين ويصدر عفوا عن السياسيين فتتوقف على الفور التظاهرات التي تطالب باسقاط النظام وبدلا من ان يكون الرئيس هدفا يتحول الى مصلح وقد يشايعه الكثيرون وربما يحصل على أكثرية نيابية تسمح بالتجديد له لمرة واحدة.

هذا العرض الاصلاحي رفضه النظام وذهب للحل الامني والقمع والاعتقالات وانتهى الى القصف بالطائرات وا لمدافع والدبابات ثم الصواريخ ولسنتين فشل في تحقيق الاستقرار وعرض استقلال سورية للخطر لأن القرار السوري المستقل صار مرهونا بموافقة الروس والايرانيين وصارت سورية ورقة من اوراقهما وعاد الصراع على سورية الذي توقف ايام الرئيس حافظ وهذا التوقف كان من انجازاته التي بعثرها النظام الحالي .

.لم يعد بعد هذا القمع الذي اخذ شكلا طائفيا في ادوات القمع واخذ الشكل المضاد في بعض تنظيمات المعارضةا

لمسلحة للأسف الشديد لم يعد سهلا المراهنة على حل سياسي ولا بد من تفكيك مخاطر هذا الشكل لكي 

تتمكن الحلول السياسية من تحقيق الانتقال السياسي لحكم ديمقراطي جديد تنبع فيه السلطة من صناديق اقتراع

حقيقية ولا تنبع من فوهات البنادق وهذا التفكيك لايتم بدون تنازلات متبادلة لا تؤدي الى تبادل الادوار بين ظالم 

ومظلوم بل الى الاتفاق على شكل و طن جديد لا يخترقه ظلم آخر ويتحول الجميع من توابع طائفية او دينية الى

توابع وطنية تأخذ حقوقها السياسية من صناديق الاقتراع . 

خلال سنتين لم تستطع السلطة مع كل قوة الجيش والمخابرات والشبيحة أن تهزم معارضة مسلحة هي الأخرى لم

تتمكن من إسقاط النظام وإن بعثرت قوا ه وكلاهما يعانيان لأن الخارج الذي دخل الساحة يريد إضعافهما معا لكي 

يقبلا بحل دولي جاهز ومطلوب يربط السلام الداخلي بمصالح الدول التي حولت الازمة السورية الى مسألة شرقية جديدة

يتأخر حلهاالى أن تتفق هذه الدول على إقتسام المصالح فيها والشعب يعاني ويموت ولا من يهتم في العالم بصراخ أطفاله.

يا أهلنا في سورية تعالوا الى ميثاق حياة جديد نتفق عليه نحن ويقوم على ديمقراطية لا يحذف منها أحدولا يقهر وجمهورية 

برلمانية وجيش لا يركب السياسة ولا يحتكرها ووطن يعطي لكل شرائحه الحق في الا عتزاز بأصولها وأديانها وطوائفها

على أن يكون الولاء للوطن أولا وهذا هو الصندوق الوطني الذي ندعو الجميع اليه بديلا عن الذبح والتدمير والتقسيم 

والتدخل الخارجي فهل إليه نذهب أم الى صندوق يحتكم اليه النظام وأجهزته والذي حول البلد الى مزارع طائفية

والى وحشية يرفضها الناس.. ؟ هذا هو السؤال .

20-1- 2013

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

حكمها في شريعة الله القتل

Egyptian Salafi Cleric Mahmoud Shaaban Calls to Kill Leaders of the National Salvation Front

Posted in English, ربيع سوريا, فكر حر | 1 Comment

التجاذب الإيراني والمصري الإخواني

عزيز الحاج

سبق زيارة أحمدي نجاد للقاهرة زيارة السيد مرسي لطهران بمناسبة قمة دول ” حركة عدم الانحياز”، وهي الحركة التي فقدت معنى وجودها منذ انتهاء الحرب الباردة. ورغم أن مرسي ألقى كلمة تندد علنا بالرئيس السوري، فإن هذا التصريح لم يكن مبررا لكي يقوم هو شخصيا بالمشاركة بدلا من وزير الخارجية أو سواه. وكان بإمكانه قول الشيء نفسه عن الوضع السوري من القاهرة أو في تصريح مبعوثه في طهران.

كما هو معروف، فإن علاقات الإخوان المصريين بخميني والخمينية تعود لقيام الثورة الإيرانية وإرسال وفد إخواني كبير لطهران لمباركة خميني بعد النجاح، وتمجيده كإمام للمسلمين. نعيد أيضا ذكر مشاركة الإخوان المسلمين في المنظمة الدولية الأصولية التي أسسها مهدي كروبي في أواخر الثمانينيات.

إن المغازلة بين مرسي ونظام الفقيه جاءت من الطرفين منذ انتهاء عهد مبارك. وفي تموز العام المنصرم أدلى مرسي لمنظومة فارس الإعلامية بتصريحات عن نية التنسيق مع إيران. ومع إنكار مرسي لما نسب إليه، فإن الإنكار نفسه جاء بصيغة ملتوية. ومعروف أن زيارات الوفود المصرية إخوانية وغيرها لإيران، راحت تتوالى قبل ذلك. ونعرف كذلك تعاطف إخوان المنطقة مع نظام الفقيه باسم القضية الفلسطينية وما شابه من لافتات.

لقد كان الأولى بالرئيس المصري، بدلا من زيارة طهران، أن يبدأ عهده بشجب التدخل الإيراني في الدول العربية، وتهديدات إيران المتكررة بغلق مضيق هرمز والمطالبة بوقف هذا النهج كأحد شروط تطبيع العلاقات مع مصر.

قبل زيارة أحمدي نجاد، كانت زيارة الجنرال قاسم سليماني السرية بدعوة من القيادات الأمنية المصرية العليا [ اقرأ من الرئيس المصري شخصيا]، وهي الزيارة التي انكشف أمرها رغم محاولات التعتيم عليها. وسليماني هو قائد فيلق القدس الإرهابي الذي يزرع خلاياه وجواسيسه وعناصر تخريبه في أرجاء المنطقة والعالم. وقد ذهب العديد من المراقبين إلى أن هدف دعوة زيارة قاسم سليماني كان في نقل التجربة الخمينية عن بناء المليشيات الرادعة والفعالة على نمط الحرس الثوري وباسدران وتهميش السلك الرسمي للشرطة والجيش. وهو ما فعله خميني في إيران بعد قيام نظامه الشمولي الطائفي التوسعي.

في هذه الظروف يرى الطرفان أن كلا منهما بحاجة للآخر. فالشارع المصري يعود غليانا، والسلطة الإخوانية تواجه صعوبات كبرى، وهي تريد الاستعانة بالخبر الإيرانية لاحتواء الموقف الداخلي وتصفية قوى المعارضة. كما تواجه مصر ضائقة مالية كبرى. وهذا ما دفع بأحمدي نجاد لعرض مساعدة مالية سخية برغم أن إيران نفسها في أزمة اقتصادية ومالية ضخمة بسبب العقوبات. فنظام الفقيه يحاول التمدد حيثما أمكن كالبكتيريا على حد وصف أحد الكتاب. وهو ينتهج مختلف الوسائل، من ترغيب وإغراءات ومن ضغوط وترهيب وتخريب، ويستهدف كسب مصر في حساباته وصراعاته الإقليمية والدولية، والتخفيف من عزلته الدولية بسبب النووي والاستعراضات التسلحية والعسكرية اليومية والتهديدات. ولعله أيضا يشعر بأن نظام الأسد يترنح فيسعى لموطئ قدم آخر كمصر، فضلا عن العراق، وهو المستباح أصلا إيرانيا.

كل من الطرفين منجذب للآخر. وإيران مستعجلة جدا. أما مرسي، فثمة من عوائق كالعلاقات مع الخليج ومراعاة الولايات المتحدة. ولكن من السابق لأوانه الحديث عن فشل مساعي أحمدي نجاد وعرضه بقيام تحالف إستراتيجي مصري – إيراني. فالطرفان يشتركان في العقلية والنهج والممارسة الشمولية والاستبدادية، المناوئة للديمقراطية. والطرفان مشتركان في اللعب بالورقة الفلسطينية ورفض الوجود الإسرائيلي برغم كل مناورات مرسي التمويهية في هذا الشأن حاليا. والطرفان، ولاسيما إيران، يثيران المخاوف في أكثر دول الخليج. فإيران تسلط خطر السلاح النووي، وتتدخل علنا في أنحاء شتى من الخليج كالبحرين والكويت وغيرهما. والإخوان ينشطون في عدد من دول الخليج، ولاسيما الإمارات والكويت، لزعزعة استقرارها ولنشر الطائفية.

إن ما كان على مرسي قوله لأحمدي نجاد قد قاله شيخ الأزهر حين طالب إيران علنا وبحضور رئيسها بالتوقف عن التدخل في الخليج وإنهاء اضطهاد سنة إيران والكف عن نشر الفتن الطائفية في المنطقة.

هذا بعض ما يمكن أن نقوله في هذه اللحظة. والتطورات القادمة ستكون كشافة. ومن جانبنا، فإننا نرى أن ما يجمع نظام الفقيه والسلطة الإخوانية المصرية أكثر مما يفرق. وحتى بالنسبة للقضية السورية، فإن الصيغة التوفيقية المهلهلة والمطاطة عن “الحوار الجدي” ستزيل أي خلاف بينهما على ما نخمن. والكثير أيضا يعتمد على التطورات السورية والمصرية القادمة، وعلى السياسات الأميركية. 

المصدر ايلاف

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | 1 Comment

انحسار الدور الأميركي يقلق الحلفاء

راغدة درغام :الحياة اللندنية

معروف أن الظاهر والخفي في السياسة الخارجية الأميركية ليسا وليدَي اليوم، بل كلٌّ منهما تقليد قديم وحجر أساسي للاستراتيجية البعيدة المدى للولايات المتحدة. الإدارة المنتخبة تضع بصماتها لجهة العلاقة بين القطبين، ولجهة هويتها إن كانت «انعزالية» أو «تدخلية» أو مزيجاً من الاثنين. إدارة أوباما الثانية لها تصوّرها، الذي يجوز وصفه بأنه التدخل الخفي الحديث الذي لا ترافقه الأساطيل ولا القوات الأميركية، وإنما التكنولوجيا المتفوقة وأدوات الطائرة بلا طيار والحروب «التخيلية»

Cyber wars.

لذلك نشهد ما نراه انحساراً في الأدوار الأميركية الإقليمية التقليدية وتحولاً استراتيجياً ظاهرياً من منطقة الشرق الأوسط إلى آسيا. هذا يقلق الدول الخليجية الشريكة للولايات المتحدة، بل الحليفة لها منذ عقود، إضافة إلى القلق من غموض سياسة الرئيس باراك أوباما في إطار الصراع الإقليمي على موازين القوى، حيث ايران وتركيا ومصر والعراق وسورية والدول الخليجية تتنافس وتتموضع وعيونها على واشنطن. وبدلاً من أن يتملك الخوف والقلق سياسات هذه الدول إزاء الانحسار الأميركي في عهد أوباما، يشكل هذا التراجع فرصة مفيدة لقيادات الدول العربية المعنية للعودة إلى طاولة رسم السياسات الاستراتيجية، لتكون فاعلاً إقليمياً حقاً، بدلاً من السقوط في دوامة استيراد أمنها من الولايات المتحدة، أو التهاوي على نغم العلاقة الأميركية–الإيرانية، أو علاقة تركيا بحلف شمال الأطلسي (ناتو)، فالمنطقة العربية تشهد اليوم أهم مرحلة انتقالية وأخطرها، وهي مرحلة ستدوم لسنوات، وستكون مصيرية بكل معنى الكلمة، لأن معاركها محلية وإقليمية، والدور الأميركي فيها سيكون خفياً إنما ليس مركزياً.

الرئيس باراك أوباما سيلقي قريباً الخطاب التقليدي المسمى «حال الاتحاد»، والذي سيدرج فيه الأولويات الداخلية والخارجية للإدارة الحاكمة. واضح أن الأولوية ستعطى للأمور الداخلية التي تعنى بحال الفرد الأميركي، التي ترتبط ليس فقط بالسياسة المحلية وإنما بالدور الأميركي عالمياً. والفرد الأميركي يحبذ الانحسار والتراجع عن الانخراط في مشاكل العالم، وهذا ما يلبيه له الرئيس الأميركي، أقله ظاهرياً.

ما عكفت عليه إدارة أوباما الأولى هو «استعادة»، أو «ترميم» القوة الأميركية والنفوذ الأميركي في العالم على الطريقة «الأوبامية»: الانحسار، وليس التوسع والتدخل اللذين ميّزا سياسة سلفه جورج دبليو بوش، وأثارا استياء الأكثرية الشعبية ولكن بعد فوات الأوان وليس عند مناقشة جدوى التدخل. وعكفت إدارة أوباما أيضاً على الاستثمار في القوى الصاعدة، مثل الصين والهند والبرازيل، وخطت نحو علاقة جيدة مع الدول الكبرى المهمة، مثل الصين، وتجنبت المواجهة الجدية مع روسيا، بالرغم من الخلافات الجذرية وحروب «الفيتو» في مجلس الأمن في شأن سورية، وشددت على أهمية الانسحاب من العراق وأفغانستان في سعيها وراء إسدال الستار على الحروب «التدخلية» التي ميّزت إدارة بوش.

ووفق تعبير أحد كبار الأعمدة في صنع السياسة القومية في الإدارة السابقة والإدارة الحالية: «لقد أعدنا ترميم أرضيتنا»

We have restored our Foundation.

والآن أيضاً، في الولاية الثانية، ستكون لإدارة أوباما أولويات، منها ما هو استمراري جذرياً ومنها ما هو مختلف ظاهرياً.

ستستمر الإدارة في التركيز على الشفاء الاقتصادي، وزيادة القدرة على التصدير، وتوسيع أجندة التجارة العالمية بالذات، عبر مبادرات مع دول الاتحاد الأوروبي، بما يؤدي إلى التكامل الاقتصادي وليس فقط إلى علاقة عسكرية عبر حلف شمال الأطلسي.

وبين الأولويات الجديدة والمستجدة، السعي لأن تصبح الولايات المتحدة مع حلول 2020 أكبر مصدِّر للنفط في العالم، وهذا يعني -وفق تفكير المسؤولين الأميركيين- أن هناك فرص عمل جديدة لأكثر من نصف مليون أميركي. هذا إلى جانب نوعية النفوذ الأميركي في الأسواق النفطية، وتأثير ذلك -مثلاً- على مصير «أوبك» (مجموعة الدول المصدرة للنفط) وأهمها دول عربية، أي أن مصير النفوذ النفطي سيتحول من الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة إلى آسيا، مع أن ذلك لن يكون انسحاباً أميركياَ كاملاً من تلك البقعة النفطية الشرق أوسطية المهمة، لأنها تبقى مصدراًَ للدول الصاعدة، وبالذات الصين، التي تحتل منصب المنافس الأول للولايات المتحدة.

أما من الناحية الجغرافية–السياسية، فإن القدرة الأميركية على إنتاج النفط بهذا القدر الضخم وتصدير الغاز سيكون لهما أثر عميق في السياسة الأميركية نحو الأصدقاء، وكذلك الأعداء. فمثلاً، ستتمكن الولايات المتحدة من فرض عقوبات على إيران تدخل في صميم المعادلة النفطية من دون أن تقلق عمّن سيقوم بتغطية النقص من النفط الإيراني نتيجة العقوبات.

ما سيبقى ثابتاً في العلاقة الأميركية بمنطقة الشرق الأوسط هو التحالف مع إسرائيل، وهذا جزء من الاعتبارات التي جعلت الرئيس الأميركي يقرر أن تكون إسرائيل أول محطة زيارة له للمنطقة في ولايته الثانية، علماً أنه لم يزرها في ولايته الأولى، وأن زياراته الأولى كانت إلى تركيا ومصر في إطار تواصله مع الإسلام المعتدل لصد الإسلام المتطرف واحتوائه.

الأمور اختلفت اليوم، فزيارة الرئيس أوباما إلى إسرائيل سيكون هدفها ترميم العلاقة التي تشنجت في الولاية الأولى، بسبب الأولوية التي رفعها رئيس الولاية الأولى للنزاع الإسرائيلي–الفلسطيني وحل الدولتين.

المسألة الفلسطينية المطروحة في الزيارة المقبلة قد لا تكون تحقيق حل الدولتين، وإنما احتواء الأدوات الفلسطينية الجديدة التي أسفر عنها تصنيف فلسطين دولة غير عضو في الأمم المتحدة. هذه الأدوات تشمل أداة التحاقها بالوكالات التابعة للأمم المتحدة كدولة عضو، مما قد يؤدي إلى قطع الكونغرس الأميركي الأموال عن تلك الوكالات الدولية، كما حصل مع اليونيسكو. وما تخشاه إسرائيل والولايات المتحدة معاً أيضاً، هو التحاق دولة فلسطين بنظام روما، الذي يخوِّلها أن تتوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية لترفع دعوى ضد الاحتلال والمستوطنات بصفتهما يقومان بـ «جرائم حرب» ضد الفلسطينيين.

لذلك، ستكون زيارة الرئيس أوباما إلى إسرائيل ورام الله، حيث سيلتقي الرئيس الفلسطيني محمود عباس، زيارةَ «منْعٍ» أكثر منها زيارةَ «ترميم» أو «احتواء»، والسبب أنّ توجه الفلسطينيين كدولة إلى الوكالات التابعة للأمم المتحدة أو إلى المحكمة الجنائية الدولية، سيكون سيفاً ذا حدين، حدٍّ موجَّه إلى السلطة الفلسطينية، متمثِّل في حجب الأموال الأميركية عنها بقرار من الكونغرس، وآخر محرج للولايات المتحدة، بسبب أنها قد تضطر لحجب أموالها عن الوكالات الدولية، ما سيجعلها أيضاً شريكاً لإسرائيل ضد القانون الدولي.

كيف ستتجاوب السلطة الفلسطينية مع هذه الضغوط، علماً أن عدم توجهها إلى المحكمة الجنائية لرفع دعوى ضد استمرار الاستيطان الإسرائيلي سيقضي بدوره عملياً على خيار الدولتين؟ هوذا السؤال الذي ستكون الإجابة عليه مصيرية. ماذا ستطلب السلطة الفلسطينية من الرئيس الأميركي بالمقابل؟ وكذلك ماذا ستطلب من الأمم المتحدة ووكالاتها الدولية؟ هذه أسئلة مهمة لمصير المسألة الفلسطينية ومصير النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي.

«المنع» لن يكون سياسةً للرئيس الأميركي في ولايته الثانية مع السلطة الفلسطينية فقط، وإنما سيكون «منع» إيران، أثناء زيارته إسرائيل، من أن تصبح دولة نووية أساساً لمحادثاته فيها، فقد تعهد أوباما أثناء الحملة الانتخابية أن السياسة الأميركية لم تعد «احتواء» إيران وإنما «منع» إيران من امتلاك القدرة النووية العسكرية.

رأي كبار الفاعلين في الإدارة الأميركية أن مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم يتخذ قراراً جدياً بالتوجه إلى طاولة المفاوضات للتباحث في الشأن النووي أو الدور الإقليمي الذي تلعبه ايران وتطمح أن تحصل على تصديق أميركي عليه، فمن الدور الذي تلعبه إيران في اليمن، إلى مساندتها الملموسة للنظام في دمشق، إلى نشاطاتها المباشرة وغير المباشرة في العمليات الإرهابية، يرى هذا المسؤول الكبير أن طهران غير جدية في وقف طموحاتها النووية ودورها الإقليمي.

وهو يرى أيضاً أن لا مناص من انهيار إيران اقتصادياً، بسبب سياسة العقوبات والعزل التي تفرضها الولايات المتحدة وحلفاؤها، فالصادرات النفطية تبلغ النصف الآن، والبطالة عالية جدياً، والعملة في انهيار، وليس لدى طهران القدرة على التجارة بالعملة الصعبة، وهي الأدوات التي ستستمر الإدارة الجديدة في استخدامها، إلى جانب استنزاف إيران في سورية لتصبح «فيتنامها»، إذ إنها مقتنعة بأن لا مصير للنظام في دمشق سوى الانهيار أيضاً، ففي سورية تبدو إدارة أوباما ماضية في سياسة الإنهاك المتبادل، ليس فقط بين النظام والجماعات المسلحة المتطرفة المعارضة، وإنما أيضاً بين إيران وتلك الجماعات المنشقة عن «القاعدة».

إدارة أوباما، كما أوضح أحد كبار أركانها، تشعر «أننا في نزاع مسلح مع القاعدة ومشتقاتها». هذه المعركة لا تدور فقط في سورية وانما تستعر في منطقة شمال أفريقيا بالدرجة الأولى. في هذه المعركة، سيكون «التدخل الخفي» الحديث هو العنوان الأساسي لسياسة أوباما، وليس الشراكة العلنية الظاهرة. هذه المعركة تشكل ركناً أساسياً في الحسابات الخارجية للولاية الثانية لإدارة أوباما، وبأدوات التقنية المتطورة، من الطائرات بلا طيار

drones

الى أدوات حروب الـ

Cyber،

الى أدوات الاستخبارات التقليدية والحديثة… فما تفعله فرنسا في مالي من تدخل مباشر ستتجنبه الولايات المتحدة في مختلف البقع التي تشن فيها حروبها الخفية الباطنة، بما سيترافق وما يسمى «وطأة القدم الخفيفة» في السياسة العلنية الظاهرة.

ما يجدر باللاعبين في الساحة العربية، التي تمر بمرحلة انتقالية مصيرية، إدراكه هو أن الحروب بين المسلمين هي حروبهم، أكانت الحروب بين السنة والشيعة أم بين جماعة الإخوان المسلمين والجماعات السلفية. بالطبع هناك أدوار خارجية، لكن هذه الأدوار تنمو بقدر الاستعداد المحلي لتقبلها وتنفيذها، فما يحدث اليوم بين الإسلاميين في السلطة وبين المدنيين والحداثيين، هو صراع على الدستور وعلى الحريات الشخصية والحقوق المدنية.

جريمة اغتيال المدافع عن حقوق الإنسان في تونس معارض «النهضة» الإسلامية شكري بلعيد، تشكل وصمة على جبين الإسلاميين لدى صعودهم إلى السلطة، الذي ترافق مع احتكار واستفراد وإبعاد واستبعاد للحداثيين والعلمانيين. قد يلام الغرب على تلهفه لاحتضان صعود الإسلاميين إلى الحكم بمجرد انتخابات تمت الهرولة إليها، لكن مصير المنطقة لا يأتي بقرارات وأخطاء غربية أو اميركية حصراً، إنه مسؤولية محلية.

كذلك الأمر في ما يتعلق بمصير المنطقة العربية، والخليجية بالذات، في أعقاب انسحاب الاهتمام الأميركي بها وانحسار الدور الأميركي في تأمين أمنها أو في الدخول طرفاً في المعادلة الخليجية-الإيرانية. هذه فرصة لصياغة بديل من الاتكالية، والمساهمة الفعلية في صنع المستقبل، وفي الاستثمار الجدي في المرحلة الانتقالية المصيرية.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | 1 Comment