كيف يتعامل الكفار مع مسلم متشدد؟

الشيخ أنجم شودري رجل دين مسلم عاطل عن العمل وأب لاربعة اطفال يعيش في منزل قيمته التجارية 320 الف جنيه استرليني (نصف مليون دولار) تابع للمجلس البلدي المحلي في احد مناطق شرق لندن. ويتقاضى 25 الف جنيه استرليني سنويا من دائرة الضمان الاجتماعي كمساعدة حكومية لكي يستطيع العيش بكرامة.

هدد مرة بتعطيل ونشر الفوضى اثناء دقيقة الصمت التي تعقد سنويا يوم الأحد الأقرب لتاريخ 11 نوفمبر وهو يوم الذكرى السنوي لضحايا الحرب العالمية الأولى والثانية. كما أنه وصف البريطانين المثابرين في عملهم بأنهم عبيد. كما انه قال ان الاسلام سيكتسح اوروبا والعالم.

التحريض على القتل والكره:

قامت احد الصحف البريطانية مؤخرا بتسجيل فيديو سرّي اثناء القاءه خطاب أمام ثلاثين من اتباعه المتشددين وتقول الصحيفة انه في هذا الخطاب وصف ملكة بريطانيا بالقبيحة وطالب بقتل رئيس الوزاراء البريطاني ديفيد كاميرون والرئيس الأميركي باراك اوباما. وبرر في خطابه استغلال الكفار ماليا واطلق على معونات الضمان الاجتماعي اسم “مال دعم الجهاديين” لذا فهو مال حلال. وقال في خطابه التي تم تسجيله “لا تهتموا كثيرا كونكم عاطلين عن العمل فاقبضوا اموال الضمان الاجتماعي من الكفار ولا عيب في ذلك فهذا اموال لمساعدة الجهاديين وأضاف ضاحكا ارجو ان لا أحد من دائرة الشؤون الاجتماعية يستمع لما أقول. ثم طالب باغتيال قادة اميركا وبريطانيا والباكستان ومصر لأنهم شياطين. ثم اشاد بأحداث 11 ايلول 2001 وطالب اتباعه بتعبئة قلوبهم بالحقد والكره لكل المفاهيم البريطانية مثل الديمقراطية والحرية وحرية العبادة. وقال ان الحقيقة على الأرض تتغير بسبب المد الاسلامي ثم رفع ورقة عملة قيمتها 10 استرليني واشار الى صورة الملكة البريطانية ووصفها بالقبيحة.

ومن الجدير بالذكر ان مجموعة المهاجرين التي كان يديرها أنجم شودري قد ادرجت في قائمة الأحزاب المحظورة تحت قانون منع الارهاب عام 2010.

النفي والانكار والتهرب:

وعندما واجهته الصحيفة بالتسجيلات تراجع الشيخ شودري عن اقواله متحججا انها نكت هزلية وقال انه لم يطلب من اتباعه قتل أي احد مضيفا ” رغم ان ديفيد كاميرون يقوم بأعمال شيطانية لم اطلب من أحد ان يقتله. نريد الجميع ان يعتنقوا الاسلام ونطلب من كاميرون والملكة اعتناق الاسلام وهذه هو الوضع المثالي.” 

وتطبيق الأحكام الشرعية في لندن:

أعلن شودري عن مخطط لتخليص لندن من الدعارة والكحول وفرض الحكم الشرعي في مقاطعة تاور هاملتس وفعلا قام عدد من اتباعه بملاحقة شبان وشابات وصرخوا عليكم مغادرة هذه المنطقة لأنها منطقة اسلامية. لا تزال الشرطة تحقق في هذا الموضوع.

وسخر بعض المسلمين في بريطانيا من تعليمات الشيخ أنجم شودري واعتبروه ناكرا للجميل.

وتعليقي السريع أنه يأتي جائعا ومضطهدا من بلاده وبعد أن يصل الى بريطانيا ويتم استيعابه ومنحه مأوى كريم ومعاش يبدأ بالتآمر لزعزعة الاستقرار ويطالب بخلافة اسلامية وتطبيق القوانين الشرعية.

السؤال الذي يطرح ذاته اذا لا يعجبه الوضع في بريطانيا فلماذا لا يذهب الى بلد اسلامي ويعيش هناك؟

لماذا لا يذهب للباكستان او الصومال او السودان او ليبيا او مصر أو العراق أو ايران ويروج لحكم الشرعية والخلافة الاسلامية؟

واذا وصل الى أي من تلك البلدان هل سيحصل على أمان ومسكن كريم وراتب من الضمان الاجتماعي ليعيش حياة كريمة على حساب الحكومة ام ينتهي به الأمر متسولا ومنبوذا؟

لندن

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

فضائح الفاتيكان… ماذا عن الفضيحة اللبنانية؟

تكشف استقالة البابا بنديكتوس السادس عشر عمق الازمة التي تعيشها الكنيسة الكاثوليكية. الازمة ازمة كنيسة وليست ازمة بابا تقدّم به العمر فقرر الاستسلام امام المشاكل المعقدة التي وجد نفسه امامها.

أنها ازمة على كلّ المستويات اكتشف البابا المستقيل أنه عاجز عن التعاطي معها او المباشرة في معالجتها. فضّل بكل بساطة الانسحاب لعلّ وعسى يستطيع خليفته ايجاد مخارج تعيد الحياة الى الكنسية والى الفاتيكان دوره بعد تراكم كلّ الفضائح دفعة واحدة.

ما هي طبيعة الفضائح التي جعلت بنديكتوس السادس عشر ينكفئ؟ اللائحة طويلة. معروف اين تبدأ وليس معروفا اين تنتهي او هل من فضيحة تنتهي عندها؟ اما بالنسبة الى طبيعة تلك الفضائح التي لا يستطيع رجل دين كاثوليكي متزمت من اصول المانية يعاني مشاكل صحيّة تحملّها، فهي متنوعة جدا. انها من النوع الذي تعاني منه دول عادية وحتى دول من العالم الثالث وليس دولة اسمها دولة الفاتيكان يفترض ان تكون نموذجا. اكثر من ذلك، انّ مهمة هذه الدولة في الاساس نشر الفضيلة في العالم واعطاء دروس في الاخلاق والتدين والاحسان فضلا بالطبع عن نشر تعاليم الديانة المسيحية التي في اساسها والتواضع والابتعاد عن المادة وكلّ القيم المرتبطة بها.

في السنوات الاخيرة، تبيّن أن الفاتيكان مجرّد دولة تعاني من كلّ امراض الدول الفاشلة. هناك قبل كلّ شيء صراعات داخلية، خصوصا بعدما تبيّن ان الحبر الاعظم، الذي تقدّم به العمر، لم يحسن اختيار مستشاريه ومساعديه الذين كانوا مسؤولين عن ملفات على علاقة بالكنيسة او بالسياسة الخارجية للفاتيكان الذي لديه عدد كبير من السفراء في مختلف انحاء العالم. على العكس من ذلك، تمسّك البابا بعدد من هؤلاء المستشارين والمساعدين على الرغم من اخطاء كثيرة ارتكبوها في مجالات كثيرة.

كانت هناك فضائح مالية عبقت اروقة الفاتيكان بروائحها وكانت هناك عمليات تبييض اموال عبر “مصرف الفاتيكان” ادت الى فتح السلطات الايطالية المختصة تحقيقا فيها. على سبيل المثال وليس الحصر، حصل في العام 2010، بعد ايام من عودة بنديكتوس السادس عشر من زيارة لبريطانيا قابل خلالها الملكة اليزابت وسعى الى اعادة مدّ الجسور مع الكنيسة الانغليكانية، ان تحرّك المدعي العام في روما وحجز ثلاثين مليون دولار من اموال “مصرف الفاتيكان” بعد اتهامه بتبييض الاموال.

لم تكن تلك المرّة الاولى التي يكون فيها “مصرف الفاتيكان” موضع شبهات وتحقيقات، الاّ أنّ الجديد في الامر أنّ حجز مبلغ الثلاثين مليون دولار، جاء في وقت زاد فيه الكلام عن فضائح مالية ورشاوى ارتبط بها مساعدون للبابا ومسؤولون يتولون ملفات في غاية الاهمية والدقّة!

يمكن تعداد عشرات الفضائح التي عانت منها الكنيسة وتكتّمت عليها لفترات طويلة، بعضها مرتبط بالجنس ومنها التعدي على قصر، ان في الولايات المتحدة او ايرلندا او اوستراليا… وبعضها الاخر مرتبط بالخادم الشخصي للبابا الذي سرق وثائق مهمّة خاصة بالحبر الاعظم. نشرت الوثائق لاحقا في كتاب عما يدور داخل اسوار الفاتيكان.

وهناك تصرّفات مشينة لرجل دين مكسيكي اسمه مارسيال ماسييل ديغولادو توفى في العام 2008. كان ديغولادو، مؤسس “الوية المسيح” في المكسيك على علاقة وثيقة بالفاتيكان ايام البابا يوحنا بولس الثاني. وتبيّن بعد وفاته ان الويته التي كانت تدعو الى الفضيلة والتمسك بتعاليم الكنيسة الكاثوليكية شيء وما كان يمارسه يوميا على ارض الواقع شيء آخر. فالرجل متهم بجرائم اغتصاب راهبات وبأن لديه عددا لا بأس به من الاولاد غير الشرعيين اضافة الى ارتباطه بعصابات تهريب المخدرات. واثار ذلك ردود فعل غاضبة في المكسيك اثناء زيارة بنديكتوس لها قبل سنة تقريبا، خصوصا أنّ البابا فشل الذهاب الى النهاية في كشف حقيقة ما قام به مؤسس “الوية المسيح” وادانة ممارساته تمهيدا لمواساة ضحاياه الكثر.

كان ملفتا أنّ الصحف ووسائل الاعلام العالمية تناولت، في مناسبة استقالة بنديكتوس السادس عشر، آلاف الفضائح المرتبطة بالفاتيكان. لكنّها لم تتطرق الى الظروف التي ادّت الى انتخاب المطران بشارة الراعي بطريركا للموارنة في لبنان.

تجاهلت وسائل الاعلام والصحف الكبرى الاسئلة الكثيرة المتعلقة بوصول الراعي الى كرسي البطريركية ثم تعيينه كاردينالا في وقت يتخذ رأس الكنيسة المارونية مواقف سياسية أقلّ ما يمكن أن توصف به أنها مثيرة للجدل ولا تخدم المسيحيين لا في لبنان ولا في سوريا. هذا على الاقلّ ما يقوله بطريقة او بأخرى عدد كبير من المسيحيين وحتى اللبنانيين.

من عادة البطاركة الموارنة التزام الحذر وتفادي الكلام الكثير، على طريقة بعض السياسيين. من عادتهم ايضا، منذ استقلال لبنان، تفادي الذهاب الى دمشق في وقت هناك آلاف اللبنانيين من كلّ الطوائف والمناطق في السجون السورية. اكثر من ذلك، من عادة البطاركة الموارنة النأي بالنفس عن كلّ ما يمكن أن يثير الحساسيات، بما في ذلك التصفيق في قدّاس دمشقي لدى ورود اسم الرئيس السوري بشّار الاسد الذي يواجه ثورة شعبية يشارك فيها معظم السنّة الذين يشكلون ثلاثة ارباع سكّان سوريا.

كيف يمكن أن يوافق الفاتيكان على تشجيع حلف الاقليّات في منطقة تمرّ بمرحلة انتقالية؟

كان الاتيان بالراعي بطريركا للموارنة في لبنان دليلا على فقدان الفاتيكان البوصلة. كان ذلك دليلا على أن هناك عجزا عن استيعاب ما يدور في الشرق الاوسط وطبيعة المخاطر المحدقة بالمسيحيين العرب. كان هناك ضياع فاتيكاني بلغ حدّ التغاضي عن مرافقة لبنانيين مشبوهين، من ناحية طريقة تكوين ثرواتهم الضخمة، للبطريرك الماروني لدى زيارته الفاتيكان في مناسبة دخوله مجمع الكرادلة. والسؤال الذي تثيره المناسبة مرتبط بدور هؤلاء في مرحلة ما قبل انتخاب الراعي بطريركا والظروف التي سمحت لهم بأن يكونوا في الفاتيكان وبأن تكون لديهم كلمة مسموعة فيه؟

في كلّ الاحوال، لن يكون حديث عن هذه الفضيحة اللبنانية التي تبدو مرشّحة للغرق في مستنقع الفضائح الاخرى التي يعاني منها الفاتيكان. ولكن من يدري؟ سيأتي اليوم الذي تلقى فيه هذه الفضيحة الاهميّة التي تستحقها. وقد لا يكون هذا اليوم بعيدا.

المصدر ايلاف

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | 1 Comment

وداع

قفي ، لا تخجلي مني فما أشقاك أشقاني 

كلانا مرَّ بالنعمى مرور المُتعَبِ الواني 

وغادرها .. كومض الشوق في أحداق سكرانِ 

قفي ، لن تسمعي مني عتاب المُدْنَفِ العاني 

فبعد اليوم ، لن أسأل عن كأسي وندماني 

خذي ما سطرتْ كفاكِ من وجدٍ وأشجانِ 

صحائفُ … طالما هزتْ بوحيٍ منك ألحاني

خلعتُ بها على قدميك حُلم العالم الفاني! 

لنطوٍ الأمسَ ، ولنسدلْ عليه ذيل نسيانِ 

فإن أبصرتني ابتسمي وحييني بتحنانِ

وسيري ، سير حالمةٍ وقولي …. كان يهواني!

‎عمر ابو ريشة – مفكر حر‎

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

فلسفة عدم النكاح وعدم السماح للآخرين بالنكاح

هناك طرفة يتندر بها السوريون تقول: أن أحد الرجال فاجئ زوجته مع عشيقها بالفراش, فأستل العصى الكبيرة المتوفرة بمنزله وأخذ يضرب العشيق ضرباً مبرحاً, فوقفت الزوجة الى جانب رجلها الذي هو معه العصى وبموقع القوة قائلة له:” أحسنت يا حبيبي, اضربه ولا تقصر به, لكي يتربى ويتعلم عدم معاشرة زوجات الآخرين وانتهاك اعراضهم”, فعندما رأى العشيق موقف الزوجة الفاسقة والتي كان يركبها للتو, تدفق الدم بعروقه وانتفض على الزوج وخلصه العصى الكبيرة من يده وأخذ يضربه ضرباً مبرحاً وأقسى من ضرب الزوج له, وهنا ادركت الزوجة بأن عشيقها هو الذي بموقع القوة الآن, فوقفت إلي جانب عشيقها قائلة:” أحسنت يا حبيبي, اضربه ولا ترحمه, فهذا الخرقة لا يريد ان ينكح ولا يدع الآخرين ينكحون”.

بالواقع هذه الطرفة هي ملخص لمسرحية شكسبير “هاملت “, حيث تقف الزوجة مع الرجل الذي بيده القوة بغض النظر عن اي شئ آخر, وأيضاً هناك امثال سورية تعبر عن نفس المعنى ومنها المثل القائل:” الذي يتزوج من أمي أناديه يا عمي” والمثل القائل:” القادم نهلل له, والذاهب نبعص له”.

للأسف, فإن هذه الطرفة والأمثال يعبرون بشكل واقعي عن مشكلاتنا مع الاسلاميين واليساريين العرب! فمن المعروف بأن الإسلاميون كانوا يقفون مع الطغاة المستبدين ويدعمونهم بالفتاوي الإلهية على نمط:” اطع ولي الامر ولو جلد ظهرك” وغيرها من الفتاوي والإجتهادات التي لا تعد ولا تحصى, ولكن عندما سقط اولياء امورهم وفقدوا قوتهم لصالح ثورات الشباب العربي , تحولوا مباشرة واصطفوا الى جانب الثورة بنفس الطريقة التي وقفت بها الزوجة الفاسقة مع عشيقها الذي اصبحت العصى بيده وهي رمز السلطة في الطرفة!  لا بل كان الاسلاميون اكثر فسقاً من الزوجة, حيث سرقوا الثورة والسلطة من يد اصحابها,..! ولكن هيهات…. نعم نجح الاسلاميون بسرقة السلطة…. ولكن التاريخ يعلمنا بأن الشعوب حية, وستستعيد ما سرقه الاسلاميون منها عاجلاً ام أجلاً, وما يحدث الأن بمصر وتونس ما هو إلا دليل على توق الشعوب لاستعادة ثورتها وتصحيح مسارها, بعد أن انكشف الاسلاميون شعبياً على حقيقتهم البغيضة.

هذا من جهة, ومن جهة اخرى هناك اليساريون العرب والذين كانوا ينظرون لنا على مدى عقود كثيرة عن الثورة والعدالة الاجتماعية, ولكن من دون ان يكون لديهم اي خطة عملية غير النظريات الغيبية والتي آمنوا بها عن آلهتهم اليسارية مثل لينين وستالين وماركس… الخ … ولكن ولسوء الحظ بعد ان تفجرت ثورات الربيع العربي بفضل الانفتاح الذي امنه عصر التكنولوجيا وثورة الانترنت والشبكات الاجتماعية, تقاعس هؤلاء اليساريون  ووقفوا ضد هذه الثورات ونعتوها بشتى الصفات المشينة وكأنهم يريدون ثورة تفصيل على قياسهم, وإلا فهم ضدها؟؟ ونحن نقول لهكذا يساريين:” طلما أنه لديكم مواصفات للثورة الحقيقية, فلماذا لم تثورا على مدى عقود كثيرة, وتضربوا لنا مثلاً رائعا عن كيفية القيام بالثورات الحقيقية؟؟

بالفعل, ينطبق على بعض اليساريين العرب المعارضين للثورات العربية القول بأنهم يتفقهون بفلسفة:” عدم النكاح وعدم السماح للآخرين بالنكاح”.

نعم هذا صحيح بأن الثورات في البداية قد تؤدي الى الكثير من السقطات وحتى إلى انهيار بعض البلدان وانتشار الفوضى , ولكن هذا شئ صحي وصحيح ودليل على ان الثورة تسير على الطريق الصحيح والذي سيؤدي بالنهاية الى الوصول للأهداف المنشودة من حرية وديمقراطية حقيقية وكرامة, ولا يمكن بأي حال من الاحوال الانتقال من الوضع المزري الذي كان سائداُ بالسابق الى وضع مستقر من دون سقطات هنا وهناك, وانهيارات هنا وهناك, ولكن على الاقل نحن نتجه ونسير على الطريق الصحيح والذي سيثمر بالنهاية الى ما نصبو اليه,  بدلا من الوضع الساكن والصامت مثل القبور والذي كان سائداً ايام الطواغيت الساقطة, والتي كانت تسرق اقتصاد البلدان وتحكم حكما امنيا بقوة السلاح والعسكر.

إن من اهم الاسباب التي تؤدي الى بعض النكسات في الفترة الانتقالية بعد الثورة هو ان المفسدين والذين ورثتهم الثورة من الحكم البائد قبل الثورة حيث يسعوا دائماً الى عرقلة التقدم، وخير مثال على ذلك الاقتتال الداخلي الذي يجري في ليبيا.

لقد مرت الكثير من البلدان بفترات انتقالية بعد القيام بثورة ديمقراطية, ولم تكن هذه المراحل الانتقالية سريعة أو سلسة, فعلى سبيل المثال, فان انجلترا استغرقت مدة طويلة بعد ثورتها المجيدة لكي تتقدم نحو الديمقراطية الكاملة، حيث مهدت الثورة التي شهدتها البلاد عام 1688 الطريق نحو توسعات تدريجية في الحقوق الدستورية في 1832 و1867 و1884، والتي أدت في النهاية إلى الاقتراع العام عام 1928

والاكثر من هذا فقد تواجه الفترات الانتقالية عددا من العقبات الحتمية، ولن يكون من المستبعد حدوث حالات من التتابع بين الديمقراطية والديكتاتورية، كما حدث في كل من الأرجنتين وفرنسا وبيرو وتايلاند ويستمر هذا التتابع حتى الوصول في النهاية الى الديمقراطية الحقيقية الكاملة.

نعم ان الاصلاح والتحول الى دول حضارية له اثمان غالية وعلى الشعوب ان تدفعها اذا قررت ان تنشد الحرية والكرامة, ويجب ان لا تلتفت الى الانتكاسات مهما كبرت ويجب على الشعوب العربية ان تستمر في ضغطها على الاسلاميين الذين لديهم قدرات ومواهب هائلة على خطف التطلعات الديمقراطية للشعوب.

 
Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

داعية منتصف الليل

ما كان اسمك؟ نسيت اسمك. تفرغك لوصفى فاق اهتمامك بكتابة اسمك. أحرفك متشابكة والرسمة المرفقة لا دلالة لها، هكذا تقدم نفسك فى صفحات حرية التعبير الخالية من المسؤولية والرقابة والعقاب.

أرفض الفضاء المسؤول والإعلام المقنن وكل اختراعات تقويض الرأى تحت ستار حماية الكاتب من التشويه وحماية المعلومة وأعذار حكومية وقحة. يا سادة هذه أجمل فرصة نتعرف بها على الجانب المعتم من المجتمع والزوايا الحقيقية بعيداً عن مسرحيات الديمقراطية.

فى تلك الزوايا المخبأة، حيث يؤمن الفرد بحق إبداء المخالف رأيه، فيشتم ويتمرد حماية لحريته الشخصية ولتسقط كل حرية أخرى.

وأرفض البذاءة والتشهير. لكننى أعرف أن معادلة التوازن بين حرية الرأى وتقدير الآخر مستحيلة جدا. هكذا تربينا.

أحاول معرفة اسمك أو ملامح وجهك لكن عبثاً، فحروفك ورسومك المجهولة هوية جديدة لبعض حماة الالتزام.

مرات كثيرة لا أذكر عددها خرج بها صوتك من مخبئك دون هويتك الحقيقية.

آخرها قبل أيام. اتصال أقلقنى رنينه بعد الثانية فجراً. ترددت ورددت أخيراً: ألو. نادين؟ نعم، من معى؟ ودون اعتذار منك على الوقت المتأخر قلت: لا يهمك اسمى، اتصلت لأقول: اتقى الله وأطيعيه ولا تعصيه، هذا كله لن ينفعك يوم القبر يوم لا ندم ولا رجعة.

الثانية فجراً! ربما كان سماع «صوتى العورة» ضمن أدوات تهجدك الليلى.

وفى مرات عديدة تبعنى وقتاً طويلاً ليقول لى: سأتزوجك لأهديك للصراط المستقيم. كل هذه التضحية من أجلى؟ هل تتزوج كل النساء اللواتى تريد هدايتهن؟

أهناك لبس؟ إذا كان هذا ما يقوله للكاتبة فبمَ يخبر الراقصة؟ أعرف أنه يصفق للعرى الجسدى. طالما أن المتعرية ليست من بلده، وطالما أن المكان خارج الحدود ومخفى عن العيون، وطالما – والأهم – أن الحجاب يغلّف عقلها، فتتمايل أعضاؤها برأس ثابت دون أن تتناثر منه فكرة تنسف معتقد المتفرج الملتزم فتثير غضبه على الشىء الوحيد الذى يفقهه.

بالطبع مع تقديرى للراقصات واحترامى لظهورهن بهوياتهن الحقيقية أكثر من مدعى إيمان يخشى أن أكشف اسمه. يخشى منّى أنا الأنثى. المخلوقة من ضلع أعوج.

وللأمانة لم يحدث أن هاتفتنى جهات مسؤولة ولا أزعجتنى السطات العليا باتصال أو تحقيق. علاقتهم الرقابية معى تقتصر على القص والمنع من النشر. ولو حدث مثل هذا الأمر لكنت قصصته فى مقال أو لقاء وذكرت اسم صاحبه. لكن المسألة أخطر على الحرية من غضب مسؤول. خطورة الرقيب الغليظ المقصود فى سلطة أعلنها لنفسه ومنحته إياها جماعة لا هدف لها ولا غاية.

جهاز الرقابة ضخم، بل ارتفعت ضخامته مع الثورات.. فمع الاحتفاظ بدور المباحث المستمر، ودور المؤسسات الدينية، ووزارة الإعلام، ورقيب الصحيفة (طبعاً أنا محظوظة للكتابة فى هذه المساحة الحرة النادرة)، ينضم رقيب جديد أشرس وأقسى من صورته القديمة هو المجتمع. الرجال والنساء. الجمعيات. الدعاة. الشيوخ… ويبرز بساحة التخويف ثائر غادر. فالشعوب تطالب الصحفى بأن ينافقها. بعدما ظن أنه انتهى من عهد النفاق للديكتاتور الصغير خرج عليه الديكتاتور الأكبر. الشعب.

المواطن العربى لم يعد يخاف، لكنه تحول لممارسة التخويف. مثل كل حاكم سبقه. هذه جيناتنا.

ويصل للطباعة مقال لكاتب بكلمات لا تنتمى لهويته الحقيقية محتفظاً بحقيقته لمجالسه الخاصة. هل نلومه؟ لا. فكلٌّ بحسب استطاعته. ولمن يكتب؟ إن كانت الجهات العليا والقاعدة الشعبية فى حالة تنافس على قلمه وتصريحاته إرضاء لهما لا رغبة بمعرفة الحقيقة. فلمن يكتب؟ من يريد سماع الحقيقة.

اليوم، تلاحقنى عبر تويتر رسائل تحمل عناوين مقالات قديمة. عمرها سنوات. تلاحقنى بشكل مقرف فى انتظار أن أعلن ندمى.

هل ندم شخص أعلن حريته بجرأة قبل ظهور صفحات الإباحة الفكرية وقبل خروج المد الثورى؟ متابع (بلا اسم) يرسل لى عناوين الحرية فى حياتى. أقرأها بفخر. إذ كانت أجمل لحظات ثورتى.

تعرفون ما أجمل لحظات حريتى أيضاً. لقاءاتى والتواصل بينى وبين فئة جليلة من شيوخ تمكنوا بجدارة من موازنة المعادلة المستحيلة عربياً، فجمعوا بين الحرية والدين واحترام الآخر. ومن تلك الفئة القدير الشيخ الحبيب الجفرى، صاحب رسالات السلام وعزيزى الشيخ حسن المالكى عبقرى القرآن.

لمَ لا تفسح لهم المنابر مثل غيرهم؟ لاتزال المنابر حكراً على أصحاب الشتائم والدعوات والتحريض على القتل والتنكيل بالآخر. والآخر ليس العدو الإسرائيلى، كما اعتدنا زمان. الآخر زمن التحرر هو العربى المسلم.

ما كان اسمك؟ لا يهم. ضغطت على

(Block)

 ومحوتك من الصفحة.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

وطن الانسان

بينما تستمر دوامة القتل و الدمار في مجتمعات الثورات العربية… رأى احد المواطنين حلما غريبا فذهب إلى العرافة يسألها تفسير..

قال له.. رأيت حلم.. فهل تفسرين..؟؟..

قالت.. دعني اسمع…يا حلمان..

قال..انه حلم .. غريب.. انه حلم عن أحلام الانسان..

حلم ..عن شيء اسمه وطن الانسان…

وطن ليس فيه حرب… لا دبابات.. لا طائرات.. لا قاذفات… لا مدافع..لا سيوف و لا خناجر.. لا ذبح و لا قربان..

وطن.. ليس فيه جيوش… لا عسكر.. لا شرطة.. لا عسكريتاري… لا ميلشيا و لا مافيات.. و لا قتلة و لا قطعان..

وطن لا تنابذ فيه بالالقاب…و لا ايديولوجي… ولا اعلام.. ولا قبلية…و لا عشائرية.. ولا احزاب.. و ل..( أما ذئاب أو خرفان)..

و طن لا أغنياء فيه… و لا فقراء… و لا مساكين.. و لا أمهات ثكالى.. و لا نساء مغتصبات ولا أطفال مشردون.. نعم .. هكذ..لا ضعفاء و لا حيتان …

وطن.. لا طائفية فيه… و لا شعبوية… و لا مذهبية …و لا إثنية … و لا تفريق و لا عنصرية … و ليس لاحد فيه سلطان…

احلم بوطن… لكل شيء قيمة يحترمها الجميع…حتى الذباب و الصراصير و الجرذان..

قالت.. أيها الحلمان..

ما حلمت به .. ليس من هذا الزمان..

و لكن لا تخف.. هو ليس مس الشيطان..

انه دوار عشقك.. و حبك الذي تملؤه الآمال و تخنقه الأحزان ..

ما حلمت به أيها الحلمان..

هو ذاك الذي ينشده الثوار… هو وطن الانسان..

و لكن.. هيهات … هيهات.. فالإنسان يأبى الا ان يهين الانسان… أكرم هواس (مفكر حر)؟

Posted in الأدب والفن, فكر حر | Leave a comment

أبطال وتماثيل

جوكوف

بنيت «المدينة المحرمة» في قلب بكين في النصف الأول من القرن الخامس عشر كدليل على عظمة السلالة الحاكمة (منغ). ألف مبنى بأيدي مليون عامل، لا أسماء لهم. جيء بالحجارة والمواد من جميع إرجاء الصين. مضت الإمبراطورية وبقيت الحجارة شاهدة على تاريخها. وبنى الفراعنة الأهرامات وظلت شاهدة على حضارتهم. وبنى الرومان الجسور والحلبات والقلاع. وبنى الفرنسيون الأقواس والمتاحف. وبنى الألمان برلين. وبنى البريطانيون البرلمان. ورفع جل الحكام العرب تماثيلهم وملصقاتهم، على كل الطرقات، في كل الساحات، وعلى شرفات المنازل، ولم ترفع صور وتماثيل الرئيس حافظ الأسد ونجله باسل في كل سوريا فحسب بل في لبنان أيضا، وفي قلب مطار بيروت.

وكان القذافي إذا قرر زيارة بلد أفريقي سبقته فرقة رفع الملصقات. وكان يحرص على أن يكون حجمها ضعف حجم صورة رئيس الدولة المضيفة، ولا قواعد ولا روادع ولا من يتأدبون. كما كان يجلس في خيمته على كرسي أعلى كثيرا من كرسي ضيفه، تحقيرا له.

ألغى ستالين من الذاكرة اسم بطل ستالينغراد وبطل معركة برلين، المارشال جوكوف. وبعد وفاته لم يبق زعيم إلا ورفع له تمثالا أو نصبا، وصولا إلى بوتين. لقد شعر كل روسي أن بطله الحقيقي كان ذلك الرجل السمين الضاحك المزواج، الذي رد عنه الإهانة وقاده إلى الانتصار على المحتل. كان غيورغي جوكوف قصة نجاح سوفياتية نادرة، صعد من صفوف الجيش إلى القمة، ومارس دوره وحياته كعسكري.

النصب الحقيقي كان في قلوب الروس. العسكريون والمدنيون العرب بالبزات العسكرية، لم يربحوا معركة واحدة، وعلى الرغم من جميع التماثيل لم يقنعوا أحدا بأضراب البطولة.

ثمة سيرة جديدة (جيفري روبرتس) عن المارشال الذي كان يلف صدره بالأوسمة والأنواط. كلها حقيقية ومن الميدان. ولم تكن هناك معركة سوفياتية فيها انتصار إلا وهو على رأسها. حاول هتلر عبثا دخول موسكو، لكن جوكوف، ابن الإسكافي، دخل برلين وترك هتلر ينتحر قبل أن يصل إلى مخبئه.

مهما احتفى الروس به فلن يفوه حقه على تاريخهم، القديم والمعاصر. الناس لا تحب المدعين ولا المعتدين ولا المهزومين. والحجارة مجرد تذكير للأجيال التالية. وما من أحد يعرف اسم أحد من الملايين الذين بنوا الأهرامات وشقوا قناة السويس وبنوا المدينة المحرمة وقصور فرنسا. البطل يحصد جميع الجوائز.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | 1 Comment

هل حان وقت التدخل العسكري في سوريا؟

الشرق الاوسط

12 ردا على 12 ذريعة تبرر الوقوف مكتوفي الأيدي أمام معاناة شعب وانهيار مجتمع

على الرغم من كل الجهود المبذولة في عدة عواصم عالمية للتمويه على السؤال البسيط: «هل حان وقت التدخل العسكري في سوريا؟»، وإبعاده عن التداول، فإنه ما زال يفرض نفسه على أي بحث أو نقاش يتعلق بالمأساة السورية.

وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ قال مؤخرا لا مجال لقبول الـ«لا خيار»، وهي عبارة ترمز إلى جاهزية البحث في التدخل العسكري. ونقلت عن مسؤولين أميركيين وفرنسيين رفيعي الرتبة آراء مشابهة، وإن بدرجات متفاوتة من الغموض والتورية.

ولكن بشكل من الأشكال يبدو أن هذا السؤال سبقته الأحداث وما عاد – بالتالي – يستحق الطرح، لأنه يوجد حقا تدخل عسكري فعلي بصور متعددة. ذلك أن إيران وروسيا تمدان نظام بشار الأسد بالسلاح والمشورة العسكرية، ويبدو أن عناصر من الفرع اللبناني من حزب الله تشارك فعليا في المواجهات ضد وحدات المعارضة السورية المناوئة للأسد. وفي الجانب المقابل، فإن تركيا وعددا من الدول العربية منخرطة في مساعدة جماعات الثوار في الحصول على السلاح والمال منذ اندلاع القتال. ووجود مقاتلين غير سوريين يحاربون تحت رايات الثوار يمكن أن ينظر إليه على أنه تدخل عسكري أجنبي، ولو كان عفويا وغير نظامي.

مع هذا يبقى الجدال الحقيقي متمحورا حول ما إذا كان حصيفا أم عبثيا التفكير بالتدخل كخيار حاسم يقلب طبيعة ما هو حاصل. وهذا يعني أنه لا بد أن يكون من الجدية والحجم إلى درجة قلب ميزان القوى لمصلحة الثوار، ومن ثم تسريع سقوط الأسد.

الجهات التي ترفض التدخل تمثل طيفا من الآراء. منها، مثلا، «السلاميون» أو دعاة السلام المزمنون الذين يناوئون أي حرب في أي وقت ولأي مبرر كان. ثم هناك من يمكن النظر إليهم على أنهم «أيتام الحرب الباردة» الذين يناصرون بشار الأسد لأنهم يرون فيه جزءا من كتلة متنامية معادية للغرب تضم اليوم روسيا وإيران. غير أن غالبية معارضي التدخل يقدمون تشكيلة من الذرائع السياسية والعملية التي لا يجوز تجاهلها. ولدى التمعن بكل التصريحات والآراء المنشورة في هذا السياق حول موضوع التدخل ورفضه، يمكننا مناقشة الذرائع والمبررات التالية:

الذريعة الأولى تقوم على أساس أن لا وجود لاستراتيجية واضحة للتدخل. فهل المطلوب من الجيوش الأجنبية المتدخلة تدمير الآلة العسكرية للأسد ومن ثم الزحف على دمشق؟

الإجابة يجب أن تكون: «لا». إذ يجب أن يسعى التدخل المطلوب إلى تحقيق ثلاثة أهداف محددة: الهدف الأول يتمثل بفرض تطبيق حظر التسلح الذي أقرته أصلا أكثر من 100 دولة، وهو يستوجب حصارا بحريا تدعمه عمليات رصد ومراقبة جوية وبرية لكل طرق تهريب السلاح المحتملة عبر العراق ولبنان. والهدف الثاني يجب أن يتضمن إنشاء «ملاذات آمنة» وحماية هذه الملاذات من الغارات الجوية لطيران الأسد الحربي ووحدات قواته البرية المؤللة. ويذكر أنه يوجد راهنا ثلاثة «ملاذات آمنة» ولو في أطوارها المبكرة مباشرة عبر الحدود السورية مع الأردن وتركيا والعراق. وخلال الأسبوع الفائت أفلحت الأمم المتحدة في نقل إعانات إغاثية لأحد هذه الملاذات لأول مرة من دون المرور عبر أقنية نظام الأسد ومؤسساته.

الذريعة الثانية مؤداها أن الحظر المفروض من جانب القوى الغربية، وبالأخص بحرا، قد يثير معارضة روسية وإيرانية شديدة قد تشعل فتيل نزاع أخطر وأوسع نطاقا. غير أن الاحتمال ضعيف جدا، ذلك أن إيران تفتقر إلى القوة العسكرية التي تتيح لها التأثير على مجريات الأمور في حوض المتوسط وإن كان بمقدورها تحريك الفرع اللبناني من حزب الله لتنفيذ عمليات إرهابية. أما عن روسيا فهي وإن كانت قوة انتهازية تنتهج سياسة خارجية واقعية. وحتى إبان سطوة الاتحاد السوفياتي كانت روسيا تدرك تماما حدود المجازفة بمجابهة مفتوحة، كما حصل أيام الأزمة الكوبية عام 1962. وفي مطلق الأحوال تفتقر روسيا إلى القوة البحرية الكفيلة بتحدي حصار يفرضه حلف شمال الأطلسي (ناتو) في مياه المتوسط. روسيا ستدعم الأسد ما دام الثمن الذي عليها دفعه يتجاوز أي مكافآت محتملة مستقبلا.

الذريعة الثالثة هي أنه لا توجد أرضية قانونية للتدخل لأن «الفيتو» الروسي يمنع صدور قرارات عن مجلس الأمن الدولي، إلا أن غياب أي موافقة معلنة من الأمم المتحدة لا يجعل من التدخل تصرفا «لا قانونيا». في الواقع، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية شهدنا عشرات الحروب التي شنت من دون موافقة أو ترخيص رسمي من الأمم المتحدة، بل كانت الحروب التي أجازتها المنظمة الدولية هي الاستثناء لا القاعدة، وأبرزها الحرب الكورية عام 1951 وحرب العراق عام 1991. وعبر العقود فإن «واجب التدخل»، لدرء خطر جرائم الإبادة الجماعية مثلا، غدا جزءا من ثقافة العدالة الدولية. ففي عام 1978 غزت قوات فيتنام المسلحة أراضي كمبوديا لإطاحة حكم الخمير الحمر ووقف جرائم الإبادة. وبعدها ببضعة أشهر دخل الجيش التنزاني أوغندا لإسقاط حكم عيدي أمين العسكري. ثم في عام 1983 اجتاحت قوات أميركية على رأس قوات حليفة جزيرة غرينادا في البحر الكاريبي بهدف تحرير مئات الرهائن وتغيير النظام القائم هناك. في أي من هذه الحالات ما كان هناك ترخيص من الأمم المتحدة للتحرك. والمبدأ نفسه طبق لتبرير التدخل في البوسنة والهرسك، ثم لاحقا في كوسوفو لوقف المجازر والإبادة الجماعية، وفي هاتين الحالتين شل تهديد «الفيتو» الروسي مساعي الأمم المتحدة. وفي كلمة أمام الجمعية العامة عام 1999 تحمل كوفي أنان، أمين عام الأمم المتحدة آنذاك، علانية المسؤولية الأخلاقية في مجازر رواندا، عندما قال: «حبذا لو كان ثمة تحالف دولي، في تلك الأيام والساعات السوداء المفضية بنا إلى المجزرة الكبرى، جاهزا للتحرك بهدف الدفاع عن السكان من شعب التوتسي من دون تفويض من مجلس الأمن. هل كان ذلك التحالف سيقف مكتوف الأيدي أمام الفظائع التي تكشفت أمامنا فصولا؟». ومن ثم أكد أنه لا يجوز للعالم أن يقف متفرجا عندما تقع انتهاكات جسيمة وممنهجة ضد حقوق الإنسان، وتحدى المجتمع الدولي لتبني فكرة «التدخل الإنساني» كمبدأ شرعي وشامل.

الذريعة الرابعة هي أن الواقع الجغرافي لسوريا يجعل من التدخل أكثر صعوبة من التدخل في ليبيا. ولكن العكس، حقا، صحيح، فليبيا هي الدولة الـ17 في قائمة الدول الأكبر مساحة في العالم بينما تحتل سوريا المرتبة الـ89. وحصار ليبيا كان يعني عزل واجهة ساحلية طولها 1770 كلم، في حين لا يزيد طول الساحل السوري عن 193 كلم. ثم إن حدود ليبيا البرية ضعفا طول حدود سوريا، ناهيك بأن أربعة من جيران سوريا الخمسة ليسوا متحمسين لبقاء نظام الأسد أو ليس لديهم الاستعداد لدعمه.

الذريعة الخامسة هي أنه نظرا للتكلفة العالية للتدخل بات من الصعوبة الترويج لفكرة التدخل في الدول الغربية التي تعاني من المديونية والانحدار الاقتصادي. ولكن حتى إذا كان سلمنا أن الحروب حقا مكلفة، فإن السماح بتحول سوريا إلى أرض «مستعصية على الحكم»، وبالتالي بؤرة للإرهاب والجريمة مطلة على البحر المتوسط، سيكون أمرا أعلى تكلفة بكثير على المدى الطويل. ثم إن «السيناريو» الأسوأ هو أن تتحول الحرب الأهلية السورية إلى مقدمة لحرب إقليمية أوسع نطاقا على غرار ما حدث مع الحرب الأهلية الإسبانية بين 1936 و1939. إن الرأي العام الغربي قد لا يؤيد تدخلا عسكريا اليوم، لكن السبب في ذلك أنه لم يُفتح نقاش جدي حول الموضوع، ولم يطلع الرأي العام بما فيه الكفاية على الحجج والحجج المضادة في هذا الشأن. وعليه فإن نقاشا صريحا وجيدا كفيل بتجييش الرأي العام لصالح تدخل إنساني.

الذريعة السادسة هي أنه بخلاف ليبيا، التي هي مجتمع متجانس، فإن سوريا عبارة عن فسيفساء دينية ومذهبية وعرقية، وهذا ما قد يعني أن التدخل العسكري لن يثمر حقبة انتقالية سلسة. غير أن الواقع غير ذاك، فليبيا أيضا بلد له تعدديته، فالعرب والأمازيغ والأفارقة السود يشكلون جماعات مختلفة جمعها تحت كيان واحد الحكمان الاستعماريان الإيطالي والبريطاني، واستمرا تحت قبضة ديكتاتورية العقيد معمر القذافي. وشرق ليبيا (برقة) وغرب ليبيا (طرابلس) كانا إقليمين منفصلين ومتميزين منذ العهد الروماني. وحتى على صعيد الدين، تضم ليبيا عشرات الجماعات والطوائف الإسلامية، ومنها ما تأثر بالثقافات الشعبية القبلية. وبناء عليه، صحيح أن سوريا أغنى من ليبيا على صعيد التعددية الفئوية، غير أن الصحيح أيضا أن 70% من سكانها على الأقل هم من العرب المسلمين السنة. وأخيرا، من قال إن التنوع يجب أن يكون حائلا دون توق دولة ما إلى الحرية؟

الذريعة السابعة هي أننا، كمراقبين، لا نعرف ما يمكن أن يحدث في حال إسقاط النظام. وأنه لا وجود لـ«ديمقراطيين» في سوريا، ما يعني أن ما سينتج عن التدخل الأجنبي سيكون إما الفوضى وإما ديكتاتورية جديدة بديلة. ولكن هذا الكلام مردود عليه بالقول إنه، وإن كان التشاؤم خيارا حكيما وحصيفا لدى التعامل مع سياسات الشرق الأوسط، من الخطأ القبول باستمرار المجازر لا لشيء إلا الخشية من بديل أسوأ. لا وجود لـ«ديمقراطيين» في سوريا لأنه لم يتَح للديمقراطية بأن تزهر وتثمر، ومحاولة تحميل المسؤولية في هذا أشبه بأحجية «أيهما سبق الآخر وأيهما تسبب عنه.. الدجاجة أم البيضة؟».

الذريعة الثامنة هي أنه يستحيل فرض الديمقراطية بالقوة. هذا كلام صحيح. ولكن بالإمكان استخدام القوة لإزالة ما يعيق تحقيق الديمقراطية كما حدث في حالة الحرب العالمية الثانية مع ألمانيا واليابان. وعلى أي حال، يظل الهدف الحيوي العاجل من أي تدخل وقف قتل الشعب السوري لا إرساء الديمقراطية في سوريا. ولا بد أن تكون الخطوة الأولى منح الشعب السوري الحق في تقرير مصيره بنفسه، وما سيفعله الشعب لاحقا بمسائل مثل السيادة وطبيعة النظام السياسي الذي يفضلون تأسيسه فسيكون من شأنه لا شأن الآخرين.

الذريعة التاسعة هي أنه بعكس معمر القذافي، الذي تخلى عن أسلحة الدمار الشامل، ما زال لدى بشار الأسد كميات كبيرة من الأسلحة الكيماوية التي قد يقرر استخدامها ضد شعبه كخيار أخير يائس. إن احتمال استخدام الأسد السلاح الكيماوي احتمال لا يجوز الاستخفاف به، وكما نذكر سبق للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وهو بعثي مثل الأسد، أن استخدم السلاح الكيماوي لقتل آلاف الأكراد في حلبجة. ولكن من غير المسموح إطلاقا للأسد ابتزاز شعبه والإنسانية جمعاء بترسانته الكيماوية، بل إن القلق من إمكانية وقوع مجازر أفظع لا يجوز أن يبرر تجاهل مسلسل القتل اليومي.

الذريعة العاشرة هي أن الأسد عندما يجد نفسه أمام خطر تدخل عسكري كبير تشنه القوى الغربية، قد يقرر أن يهدد أو يهاجم إسرائيل بالتعاون مع حزب الله، ومنظمة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، وكلاهما تحت إمرة إيران. غير أن هذا الاحتمال أبعد ما يكون عن الواقع. ذلك أن نظام الأسد – في عهدي الأب والابن – استغل القضية الفلسطينية على الدوام ذريعة مفيدة تبرر الحكم التسلطي المطلق، ولكن مع الحرص على تجنب أي مواجهة مباشرة مع إسرائيل. وعلى أي حال، من غير الجائز القبول باستمرار قتل الشعب السوري باعتباره ثمنا يدفعه العالم للأسد لقاء تعهده بالامتناع عن تهديد إسرائيل. لقد كانت القضية الفلسطينية المهرب الأخير لكثرة من المحتالين على امتداد أكثر من ستة عقود، وفي وقت من الأوقات استخدم صدام حسين القضية الفلسطينية لتبرير ارتكابات نظامه القاتل.

الذريعة الحادية عشرة هي أن التدخل العسكري قد يدمر أي أمل في حل سياسي، وبالتالي لماذا لا يتاح للدبلوماسية لاستخدام كل وسائطها وتدابيرها قبل التفكير بخيارات أخرى؟ هذا حقا كلام طيب، وحتما يجب أن يكون اللجوء إلى القوة الخيار الأخير، وإذا كان بالإمكان فك عقد الحبل باستخدام الأصابع فلماذا يعجل المرء باللجوء إلى السيف لقطعه؟ ولكن في المقابل لا يصح جعل الدبلوماسية «ورقة توت» تستر الشلل والتواطؤ. فعلى امتداد أكثر من سنتين أطلقت مبادرات دبلوماسية كثيرة، بينها مهمتان تولاهما كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي، وهما من أبرز دبلوماسيي العالم. ومن المعلومات التي أمكننا الحصول عليها عرض الإبراهيمي خطط تسوية غاية في الإنصاف والواقعية. ثم بالأمس، ذهب معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض إلى أبعد من هذا، عارضا مفاوضات مباشرة مع النظام مع ما في هذا من تعريض نفسه لتهم يصل بعضها إلى خيانة القضية، ولكن مع كل هذا اصطدمت كل محاولات تطبيق استراتيجية سلمية برفض مطلق من نظام الأسد. وهكذا يمكن اتخاذ القرار بالتدخل بعد تحديد مهلة أخيرة للأسد لكي يراجع نفسه ورهاناته.

الذريعة الثانية عشرة مستقاة من الحسابات المكيافيللية، ومضمونها التساؤل: لماذا لا تحمل إيران وروسيا معا لفترة أطول أعباء إطالة عمر نظام الأسد المحكوم بالزوال على أي حال؟ أساسا كلفت سوريا لتاريخه إيران أكثر من عشرة مليارات دولار، وهذا في فترة يتهدد فيه إيران انهيار اقتصادي كبير، كما أضحت سوريا بالنسبة إلى إيران حليفا بشعا ومكلفا. وبالتالي لو تركت الأمور على ما هي عليه لفترة أطول قد تجر سوريا إيران معها إلى الهاوية. أما في ما يخص روسيا، فلماذا لا يترك فلاديمير بوتين يرسخ صورته في العقل العربي كضامن للطغاة؟ لقد سمينا هذه الجدلية بأنها «ماكيافيللية»، ولكن ربما كانت صفة «شيطانية» أوفق وأقرب إلى الحقيقة. فهل من المقبول التضحية بالشعب السوري فقط لتركيع إيران وعزل روسيا، كعدو، عن العالم العربي؟ إننا بينما نتفكر بسؤال كهذا هناك أناس يموتون في سوريا.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | 1 Comment

في أعقاب الثورة

مايكل ألبيرتوس وفيكتور مينالدو

ألقى اغتيال شخصية علمانية بارزة في المعارضة التونسية في الآونة الأخيرة بظلاله القاتمة على ما كان يأمل كثيرون أن يكون نموذجا للتحول الديمقراطي في البلدان التي اجتاحها الربيع العربي. وتكمن الحقيقة المحزنة في أن العديد من الثورات تؤدي في نهاية المطاف إلى تجدد الديكتاتوريات، ولكن الشيء الجيد هو أن الفترات الانتقالية المعقدة وطويلة الأمد قد تؤدي إلى ديمقراطية مستقرة في نهاية الأمر.

وقد انتشرت الثورات والاحتجاجات الشعبية، التي بدأت في تونس عام 2010 وباتت تعرف باسم الربيع العربي، في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بصورة سريعة للغاية، مما يشكل تحديا للأنظمة الديكتاتورية ويجعل البعض يقارنها بسقوط سور برلين. ويبدو للكثيرين أن انتشار الحرية والديمقراطية بات شيئا لا مفر منه. وبينما تستمر الحرب الأهلية الدامية في سوريا، يحاول الرئيس المصري محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين إعادة إنتاج النظام القديم. وفي تونس، يضرب حزب النهضة الإسلامي الحاكم عرض الحائط بأي آراء أو مقترحات من جانب العلمانيين. وفي العاشر من فبراير (شباط) الماضي، وفي أعقاب احتجاجات عارمة، انسحب حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي ينتمي إليه الرئيس التونسي المنصف المرزوقي، وهو حزب يساري وسطي، من الحكومة الائتلافية التونسية.

وللأسف، هناك سابقة خطيرة لكل هذه النكسات، وهي أن معظم الثورات قد استبدلت الحكومات الاستبدادية بحكومات استبدادية أخرى، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شهد العالم نحو 50 ثورة كبرى، إما أطاحت بالأنظمة الاستبدادية أو أدت إلى إصلاح سياسي جذري في الديمقراطيات «المعيبة». ولم يحدث تحول نحو الديمقراطية إلا في ثلث الثورات التي حدثت في ظل حكومات استبدادية.

وثمة تجربتان شائكتان تدقان أجراس الخطر لمنطقة الشرق الأوسط في الوقت الحالي، وهما الدولة الدينية التي تلت الثورة الإيرانية عام 1979 والديكتاتوريات «الجمهورية» في مصر عقب ثورة يوليو 1952. وبالمثل، فإن التواريخ السياسية المتقلبة في أعقاب الثورات في الصين وكوبا والمكسيك وروسيا قد تجعل أكثر المتحمسين للثورات يتوقفون قليلا قبل الإقدام عليها.

ومع ذلك، تمثل الديمقراطيات القليلة التي نجحت في الظهور في أعقاب الثورات مصدر تفاؤل، ولا سيما وأن عدد التحولات الديمقراطية التي عادت للديكتاتورية مرة ثانية لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. وإذا كانت قيرغيزستان قد ارتدت مرة أخرى إلى الاستبدادية بعد ثورة توليب، فهناك عشرات الأمثلة من الديمقراطيات التي تأسست في أعقاب الثورات، بما في ذلك بعض النماذج المدهشة مثل الفلبين.

وعلى الرغم من أن الديمقراطيات التي تظهر في أعقاب الثورات كانت تتميز بالاستقرار، فهذا لا يعني أن المرحة الانتقالية دائما ما تكون سريعة أو سلسة. وكما تظهر الفترة التي شهدتها إنجلترا بعد الثورة المجيدة، فإن التقدم نحو الديمقراطية الكاملة يستغرق وقتا طويلا، حيث مهدت الثورة التي شهدتها البلاد عام 1688 الطريق نحو توسعات تدريجية في الحقوق الدستورية في 1832 و1867 و1884، والتي أدت في النهاية إلى الاقتراع العام عام 1928.

وعلاوة على ذلك، قد تواجه الفترات الانتقالية عددا من العقبات المحتملة، ولن يكون من المستبعد حدوث حالة من التتابع بين الديمقراطية والديكتاتورية، بالشكل الذي شهدته البلدان التي شهدت مراحل انتقالية تتسم بالمنازعات، مثل الأرجنتين وفرنسا وبيرو وتايلاند.

ويتمثل السيناريو الأسوأ في العودة إلى الأنظمة الديكتاتورية بشكل كامل، كما حدث بعد الثورة الفرنسية، أو في السودان بعد فترة قصيرة من الاستقلال.

وهناك سيناريو أقل ضررا يتمثل في طول الفترة الانتقالية بسبب بعض العراقيل بالشكل الذي يعطي فرصة لـ«المفسدين» لعرقلة التقدم، وخير مثال على ذلك الاقتتال الداخلي في ليبيا. وأخيرا، فإن الاعتماد على المؤسسات الديمقراطية كمجرد أسماء دون مضمون حقيقي قد يفشل في خدمة غالبية المواطنين ويزيد من حكم الحزب الواحد، وهي النتيجة التي تواجهها جنوب أفريقيا اليوم.

وتندرج النماذج الأكثر تفاؤلا لبلدان الربيع العربي، مثل تونس ومصر، تحت هذه الفئة الأخيرة، حيث يشهد كلا البلدين صراعا بين النخب التي كانت تتسم بالقوة في السابق والنخب الجديدة الصاعدة للسيطرة على اللعبة السياسية بهدف حماية مصالحها، وهو ما يؤدي إلى تأجيل وضع السياسات التي كان من المفترض أن تخدم الغالبية العظمى من المواطنين.

في مصر، حصل الجيش على حصانة من الملاحقة القضائية وعلى استقلال ميزانيته، بينما عاد مرسي في بعض الأحيان إلى حكم الطوارئ الذي كانت تعيش فيه البلاد في عهد مبارك لمواجهة الاضطرابات الشعبية. وفي تونس، ظلت أجهزة الأمن الموجودة منذ عهد زين العابدين بن علي راسخة في الحكومة، في حين يقوم حزب النهضة الحاكم بالتصدي للاحتجاجات التي لا يريدها في الوقت الذي يغض فيه الطرف عن الجرائم التي يرتكبها الإسلاميون المتشددون ضد الطبقة الوسطى العلمانية في تونس.

وحتى يتم تجنب الارتداد إلى الاستبداد أو تعثر المرحلة الانتقالية النزيهة، يجب على البلدان في مثل الظروف التي تمر بها تونس أو مصر أن تتجه نحو اختيارين أحلاهما مر، فإما تقليل نفوذ المسؤولين الاستبداديين السابقين أو الاعتماد على الجهات الفاعلة الجديدة التي تسعى للقيام بدور في النظام الجديد. وكما هو الحال مع جميع الثورات، فإن البقاء على مسار الديمقراطية يتطلب استمرار الضغط الشعبي ضد أولئك الذين لديهم القدرة على خطف التطلعات الديمقراطية، وهو ما يعني أن الاحتجاجات في هذه البلدان لا تزال بعيدة كل البعد عن الانتهاء قريبا. وعلى المدى الطويل، قد يتحول عدم الاستقرار الحالي إلى شكل من أشكال الديمقراطية.

* مايكل ألبيرتوس: أستاذ مساعد للعلوم السياسية بجامعة شيكاغو. ومينالدو أستاذ مساعد للعلوم السياسية بجامعة واشنطن.

* خدمة «نيويورك تايمز»

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

استقالة البابا تحمل لنا درسا عظيما

الشرق الاوسط

فاجأ البابا بنديكتوس السادس عشر، وهو بابا الفاتيكان رقم 265 في تاريخ الكنيسة الطويل، والزعيم الروحي لـ1.2 مليار مسيحي من الروم الكاثوليك، العالم أجمع يوم الاثنين الموافق 11 فبراير (شباط) بإعلانه استقالته من المنصب نهاية الشهر الحالي، وبالتحديد في الثامن والعشرين من فبراير، الساعة الثامنة، نظرًا «لتقدمه في العمر».

وتعد هذه هي المرة الأولى التي يتخلى فيها بابا عن منصبه منذ 600 عام. ومنذ نحو ستة قرون استقال البابا غريغوري الثاني عشر في الرابع من يوليو (تموز) عام 1415، بعد أن شغل هذا المنصب لمدة ثمانية أعوام و216 يوما. كان الوضع آنذاك مختلفا تماما، فقد كان خطر الانشقاق يحدق بالكنيسة، فساعدت استقالته في وضع حد لذلك الانشقاق. وظل المنصب شاغرا بعد الاستقالة لمدة عامين تقريبا حتى عام 1417. مع ذلك هذه المرة لم يتم إجبار البابا على الاستقالة، فقد كان هذا قراره الذي اتخذه بمحض إرادته من دون أي تأثير خارجي. وقال بنديكتوس، الذي يبلغ من العمر 85 عاما، بحسب تصريحات الفاتيكان: «قوة العقل والجسد ضرورية، وقد خارت قوتي خلال الأشهر القليلة الماضية، إلى الحد الذي جعل لزاما عليّ الاعتراف بعدم قدرتي على القيام بالخدمة على الوجه الأكمل».

وأعتقد أن استقالة البابا بنديكتوس السادس عشر خطوة عظيمة نحو الأمام، وحدث جلل، ليس فقط بالنسبة إلى رجال الكهنوت ورجال الدين، بل أيضا بالنسبة إلى قادة العالم كله. وقد قال الله في كتابه العزيز: «بل الإنسان على نفسه بصيرة». وأود هنا التركيز على ثلاثة أمور أساسية تتعلق باستقالة البابا؛ الأمر الأول هو أن البابا بنديكتوس السادس عشر سوف يغادر منصبه كزعيم روحي بارز، لكنه يترك لنا أيضا ذكرى خطاب مثير للجدل ألقاه في 12 سبتمبر (أيلول) عام 2006. من غير الواضح السبب الذي دفع البابا خلال السنوات الأولى من زعامته الروحية للروم الكاثوليك إلى تدمير جسر الحوار بين المسلمين والمسيحيين. إنه يقتبس أقوال الإمبراطور مانويل الثاني باليولوغ، ورجل فارسي مثقف، عند حديثه عن المسيحية والإسلام وحقيقة كل منهما. كان هذا الخطاب بداية فتور العلاقة بين البابا والشخصيات القيادية الإسلامية. على سبيل المثال، قال الشيخ يوسف القرضاوي إن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين قاطع البابا بنديكتوس منذ تعليقاته عام 2006. وقال القرضاوي: «إن إرادة الله شاءت أن نستأنف الحوار بعد انتخاب بابا جديد»، مؤكدًا تفاؤله. ويبدو لنا نحن المسلمين أننا في موضع القوة لأننا نؤمن بموسى وعيسى، وبأنهما رسولان عظيمان. نحن نؤمن بأن اليهودية والمسيحية من الديانات السماوية، ونحترم الكتاب المقدس (العهد القديم والجديد). ويمكننا أن نجد في كل الدول العربية الكثير من العائلات التي تطلق على أبنائها أسماء مثل موسى وعيسى ومريم. إن هذا عائق كبير أمام المسيحية واليهودية لأن أتباع الديانتين لا يعترفون بمحمد (صلى الله عليه وسلم) كرسول من الله. وأتفق تماما مع الأستاذ هانز كونغ، عالم اللاهوت الكاثوليكي، ومؤلف الثلاثية العظيمة عن اليهودية والمسيحية والإسلام. وهو يقول في توطئة كتابه الثالث «Islam, past, present and future» (الإسلام: الماضي والحاضر والمستقبل): «لن يكون هناك سلام بين الأمم من دون سلام بين الأديان. ولن يكون هناك سلام بين الأديان من دون حوار بين الأديان. ولن يكون هناك حوار بين الأديان من دون التحقق من أسس وأركان الأديان».

المذهل هو كون هانز كونغ والبابا بنديكتوس زميليّ دراسة، مع ذلك يحق لكل منهما اعتناق ما يشاء من أفكار. وينتقد هانز كونغ صراحة الكنيسة، ويسألها عن سبب عدم اعترافها بسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) كرسول من الله. وهنا يظهر سؤال مهم جدًا: «أي شخص يضع الإنجيل والقرآن جنبا إلى جنب ويقرأهما سوف يدرك أن الأديان السماوية الثلاثة التي تشترك في الأصل السامي، اليهودية والمسيحية والإسلام، وعلى وجه الخصوص التوراة والقرآن، تشترك في الأساس نفسه. من ثم، ألا يحتمل أن يكون هذا مجرد تحيز عقائدي للمسيحيين للاعتراف بعاموس وهوشع وأشعياء وأرميا، وإيليا المفرط في العنف، كرسل، مع عدم الاعتراف بمحمد عليه الصلاة والسلام كرسول؟» («الإسلام»، ص 123). يبدو لي أن البابا بنديكتوس السادس عشر، من خلاله عزلته ولكونه محظوظا بصورة مناسبة لإعادة التفكير في شأن الإسلام والمسيحية؛ يمكن أن يبني جسرا ثانيا. من سيكون البابا القادم؟ وما دور البابا بنديكتوس السادس عشر في عملية انتخاب البابا القادم؟ لقد شدد البابا بنديكتوس السادس عشر على أنه لن يلعب أي دور في تعيين خليفته. كما نعلم، قام البابا بنديكتوس السادس عشر بتعيين 90 كاردينالا بخمسة مجمعات كرادلة. يوجد بكنيسة الروم الكاثوليك 127 كاردينالا، وعليهم أن يقوموا بانتخاب البابا الجديد. سوف يخسر اثنان من الكرادلة صوتيهما، نظرا لأن هناك أكثر من ثمانين. علاوة على ذلك، فإن سنهما تجعلهما غير مؤهلين للإدلاء بصوتهما من بداية مارس (آذار). وفيما لن يشارك بنديكتوس بشكل مباشر في اختيار خليفته، فسوف يكون تأثيره ملموسا بلا شك. ومن المنتظر أن يفتح البابا الجديد نافذة جديدة لدخول الهواء النقي، وأن يقيم جسرا جديدا للحوار بين المسيحية والإسلام.

أما عن النقطة المحورية الثالثة والأخيرة التي أرغب في تناولها، فهي قضية فضيحة التجاوزات الجنسية في الكنيسة. طرح البابا بنديكتوس السادس عشر أقوى تصريحاته العامة عن الاعتداءات الجنسية على القُصر من قبل الرهبان الروم الكاثوليك، معتذرا للضحايا، وواصفا التجاوزات بأنها «مشينة». وجاء الاعتذار أثناء تجمع في سيدني بأستراليا، وأسهب في تناول تعليقات أدلى بها البابا في زيارة في أبريل (نيسان) 2008 للولايات المتحدة، والتي أقر فيها علنا بالألم الذي أحدثته فضيحة التجاوزات الجنسية من جانب الكنيسة، والتقى بشكل خاص مع الضحايا. وقال في كنيسة سانت ماري في سيدني: «في واقع الأمر، أشعر بأسف شديد للألم والمعاناة اللذين لحقا بالضحايا، وأطمئنهم بوصفي راعي الأبرشية إلى أنني أيضا أشاركهم في معاناتهم».

أعتقد أن الإدلاء ببيان وتقديم الاعتذار ليس هو الحل. فالزواج هو السبيل الوحيد الآمن والمنطقي بالنسبة لهؤلاء القساوسة ورعاة الأبرشية، بل وحتى الكرادلة.. هؤلاء الذين لا يمكنهم التضحية بحياتهم الخاصة واختيار طريق الرهبنة. إن الزواج علاقة رائعة حبانا إياها الخالق. جاء في «سفر التكوين» (2:24): «لذلك، يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا».

وجاء في إنجيل متى (أصحاح 8:14): «ولما جاء يسوع إلى بيت بطرس رأى حماته مطروحة ومحمومة». كان لدى بطرس حماة، ومن ثم، من الواضح أنه كان متزوجا. قال بولس أول بابا ومؤسس الكنيسة، في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس، إنه ربما تكون لديه زوجة. حينما لا يستطيع شخص ما اختيار حياة الرهبنة والتضحية بحياته الشخصية، فعليه بالزواج. وعبر تقديم بديل مناسب، يجب أن يحول البابا والكنيسة دون حدوث مثل تلك الكوارث مجددا في كنيسة الروم الكاثوليك.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment