والغضب الفيروزى كتوم!

مفيد فوزيfayroz

لم أعرف أو أصادف طيلة نصف قرن، أحمل تجاربه فوق ظهرى، فناناً لديه تلك القدرة أو المقدرة على كتمان الغضب مثل جارة القمر.. فيروز. كانت- بالمناسبة- أم كلثوم إذا غضبت أفصحت وصاحت، وكان الغضب الكلثومى عنيفاً، غضبت مرة من عبدالحليم حافظ واستحال الصلح لأن الأمر كان صداماً بين كرامة كل منهما وصعوبة التراجع أوالتسامح! وقد وصل غضب الست إلى درجة أن طلبت من عبدالحميد الحديدى، مدير الإذاعة فى ذلك الوقت، منع إذاعة أغانيها فى إذاعة الشرق الأوسط رغم صداقتها بآمال فهمى، رئيسة الشرق الأوسط، وذلك عقاباً على برنامج قصير من برامج رمضان الساخنة جاءت فيه وجهات نظر اعتبرتها كوكب الشرق تطاولاً عليها.

وكان الموسيقار عبدالوهاب إذا غضب صرف غضبه فى مكالمات تليفونية مطولة مع موسى صبرى أو د. مصطفى محمود، وكانت ليلى مراد إذا غضبت واجهت الغضب بالبكاء الحاد أو الذهاب إلى صديقات من خارج الوسط الفنى، لا تخجل أمامهن من دموعها، وكان رشدى أباظة إذا مر بلحظات غضب حطم ما أمامه من مرايا أو ڤازات ثمينة، أما السيدة فيروز فإنها إذا غضبت أغلقت عليها غرفة نومها ولا ترد على تليفونات من أعز الناس فى حياتها، حتى لو كانوا من صداقات العمر الأولى أو سياسيين لبنانيين، إنها تكتم غضبها إلى حد الانفجار، تواجه الأمور الصعبة بالصمت، وما جلست مرة مع محاميها تشكو له هجوماً مدبراً عليها وتسمع حجته القانونية، وكثيراً ما كنت أشعر بانزعاج حقيقى على فيروز حين تكتم غضبها الداخلى الذى يؤثر بلا شك على صحتها العامة. مرة- وأنا فى بيروت- أرسلت لها وردة فى مزهرية ومعها جملة واحدة: أنت لست ملك نفسك فقط، أنت ثروة بساتين الغناء، نشترك فى الحفاظ عليك ست نهاد حداد «اسمها الحقيقى»، ولم أتلق أى استجابة ولم أغضب، فتلك فيروز التى تصاحبنى بصوتها رحلة العمر، واعتادت بصوتها- كقيثارة من السماء- أن تعتذر عن أصوات رديئة وسلوكيات أكثر رداءة فى الحياة.

(2)

لا أحد يتخيل أن هذه السيدة الغضوب تملك هذا القدر الهائل من خفة الدم، ورغم أن عموم الناس لا يرحبون بخفة الظل الشامى، إلا أن فيروز تملك مواهب شخصية، منها السخرية والقفشة والنكتة الذكية والتعليق الفورى الصاروخى، لقد جربت السهر مع فيروز عدة مرات، مرة فى بيت قصاب حسن، المحامى الدمشقى الأشهر فى دمشق، بعد اشتراكها بالغناء فى معرض دمشق الدولى، ومرة فى بيت رئيس وزراء لبنان السابق د. أمين الحافظ وزوجته الأديبة ليلى عسران، ومرة فى حديقة فندق مينا هاوس فى الهرم ليلة أن غنت فى مصر منذ سنوات، ولم أستطع أن أوقف الضحك المتواصل وهى تسخر وتنتقد وتقلد شخصيات عامة، كنت أضحك من قلبى، فكيف إذا غضبت «ست نهاد» تملك «ها الدرجة من الكتمان»، وأنا هنا لا أتدخل فيما لا يخصنى، لأن فيروز «لبنانية الجنسية» لكنها عربية، صحيح أنها بإجماع اللبنانيين رمز للبنان الموحد، ولقبت بأرزة لبنان، والعمود السابع لهياكل بعلبك، لكن هناك حزباً فيروزياً بامتداد الوطن العربى، يحبها إلى حد العشق ويقف خلفها، وقد تخرج مظاهرات تناصرها فى بيروت تتقدمها فنانات مصريات، هذه المقدمة ضرورية قبل «عتاب» بعض الأقلام فى الصحافة اللبنانية دأبوا على «تحطيم معنوياتها» و«كسر أنفها».

لا تستحق جارة القمر من بعض صحافة بلادها هذه المطاردة الظالمة، ولو عاش الصحفى الكبير سعيد فريحة إلى الآن لبكى من أجل فيروز التى غضبت وكتمت غضبها، مرة قلت لها بعد أن غنت فى مهرجان جرش الأردنى «الغضب الساطع آت»، وفاجأتنى وهى تقول «بعيشه كل يوم»، يومها أدركت أن فيروز فى قلبها جروح لا تفصح عنها، منها من يصفها بطعم الحقد أنها «ظاهرة رحبانية وأنها صوت بلا عقل، وأن يكمن العقل فى أدمغة الرحبانية دون فيروز»!! كان دأب بعض الأقلام اللبنانية- للأسف- هو إحداث الوقيعة بينها وبين زوجها عاصى وشقيقه منصور رحبانى، الغريب والمثير حقاً أن موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب كان يقول إن «فيروز لها عقل وحنجرة متصالحان وضفيرة واحدة»، وذات مرة سأل كمال الملاخ سيدة الغناء أم كلثوم عن فيروز فقالت «تراتيل حلوة فيها روحانية»، وقال السنباطى بعد اتفاقه مع فيروز على غناء أحد ألحانه إنها «متذوقة للكلمة وتستثمر عقلها فى إدارة صوتها».

ولما لم يجد الهجوم على فيروز العقل الذى يدير صوتها صدى عند محبيها ومريديها، قالوا إنها «مادية» يهمها المكاسب المادية لحفلاتها، وقال لى أحمد بهاد الدين، كاتب مصر المستنير، وأحد الفيروزيين الكبار: «إن حفلات فيروز فى أوروبا وأمريكا تستهوى العرب وغير العرب»، وأكثر من هذا قال بعض النقاد الموسيقيين الدارسين «إن النصوص المسرحية الرحبانية رغم ضعفها حققت نجاحاً مذهلاً بفضل القيمة الفنية والتاريخية لصوت فيروز، وبين الاتهامات لفيروز والدفاع عنها ظلت جارة القمر صامتة شامخة لا تهزها العواصف، كتمت غضبها بكبرياء يصعب وصفه، لم ترفع سماعة تليفون لتعاتب كاتباً على هجومه، وبالمثل لم تشكر كاتباً دافع عنها. قلت لها مرة فى إحدى شرفات مينا هاوس المطلة على الأهرامات «فضفضى»، قالت «ما.. بدى»، قلت لها «وصحتك؟».. قالت «أنا.. هيك»!

(3)

فى أواخر السبعينيات من القرن الماضى وقع الانفصال بين فيروز والرحبانية، كان «زلزال المدينة» غير المتوقع، ولكنه وقع، وكان كلما ظهر ألبوم جديد لرمز لبنان فيروز يجدَّد الهجوم، فيأتى بنتيجة عكسية وتنفد الأشرطة خلال ساعات، كان الحب الذى يحيط فيروز ويستوعب غضبها المكتوم أكبر من الحيل الشيطانية، حتى وصل الأمر إلى اتهامات فى حياتها الخاصة، مثلاً، اتهموها بأنها غدرت بأستاذها عاصى الرحبانى، اتهموها بأنها ظلت اثنى عشر عاماً على خصام مع شقيقتها المطربة هدى حداد، واختلقوا «على حد قول سياسيين لبنانيين» زورا أن مطربة لبنان الأولى تتبرع بمبالغ مالية لبعض الميليشيات اللبنانية المسلحة إبان الحرب الأهلية!! ولم يصدق مخلوق عربى أو لبنانى هذه الافتراءات، عادوا يقولون إن فيروز لم تمش فى جنازة منصور رحبانى واكتفت بإرسال الزهور، وتناسوا أن فيروز لا تسير فى الجنازات لظروف صحية، وحين توفى الشاعر الكبير سعيد عقل كانت بطاقتها المرسلة مع الزهور تخاطب روحه «بالغار كللت»، وحين توفى أنسى الحاج كتبت «أنسى وداعاً»، وحين توفيت المطربة صباح كتبت «شمسك لن تغيب».

إن إعجابى ومحبتى لفيروز يحرضاننى أحياناً أن أطلب منها الرد على الهجوم الضارى، وهى إن تكلمت- وإن كان هذا مستبعداً- لا تفضل إلا من تستريح له، ولكن غضبها المكتوم تفضله مكتوما على تداوله على الألسنة مع إضافة سيناريوهات، تلك هى تجربتها مع الإعلام العربى واللبنانى خاصة، ما عادت تفضل الكلام للصحف أو المواقع أو التليفزيون، أصيبت بعقدة من أى إيضاح إعلامى، وقالت لى أكثر من مرة «إن فنى يعبر عنى»، وقالت «مال الناس ومال مشاكلى»، وقالت «قررت ألا أفتح فمى إلا بالغناء». رشحت لها ذات مرة الصديق الشاعر والمحاور زاهى وهبى الذى جعل من مقطع أغنية لها عنوان برنامجه «خليك بالبيت»، هزت رأسها ولم تحسم الأمر وفضلت الصمت بكبرياء.

وحين فوجئت فيروز بالقضية المشهورة المرفوعة عليها من ورثة منصور رحبانى، وكان يعنى هذا منع جارة القمر من الغناء، استشاط العالم العربى غضباً، بينما كان تعليق فيروز لأقرب الأصدقاء «هادا متوقع يا عيونى». كانت الفنانة اللبنانية الكبيرة تعرف أنها تواجه جبلاً من الأحقاد، ولكنها صممت أن تحتمى بملايين فى شتى بقاع الأرض فى بيوتهم يصدح صوت فيروز، كان شعوراً نبيلاً من رمز لبنان أنها ما سعت للكلام عن ورثة منصور بأى إساءة، رغم الإساءة الكبيرة يوم قال الحاقدون إن فيروز تغنى للقضية الفلسطينية لأسباب تجارية، وكأنهم شقوا قلبها الكبير لمعرفة نياتها المخبوءة بين الأوردة والشرايين..!

حين حان عيد ميلاد جارة القمر «نهاد وديع رزق حداد المولودة فى 21 نوفمبر عام 1935» هبت عاصفة ترابية فى بعض صحافة لبنان لتنال من الفنانة الكبيرة «رمز لبنان الموحد»، التى نالت بلا جدال احترام وتقدير العالم العربى، كل هذا الهجوم والقصف وزياد الرحبانى، الفنان الكبير، صامت وابنتها ريما رحبانى لم تنفذ تهديدها بملاحقة المهاجمين قضائياً! لقد كنت دائماً أحسد الصحافة اللبنانية على اهتمامها بالمواهب الناشئة وتشجيعها بدلاً من ضربها وتقزيمها، كنت أستشعر أنها صحافة تعتز بكل نبتة لبنانية مهما كان حجم هذه الموهبة، فكيف يستقيم الأمر مع أيقونة لبنان فيروز، ما هاجس «القصف» الدائم عليها؟ ما هدف محاولات التجريح والتشويه؟ لقد كنت أكتب ذات يوم بتكليف من جورج إبراهيم الخورى فى الشبكة، وكتبت فى «الصياد» وتعرفت على مؤسس الوطن العربى هشام أبوظهر، الذى كان سبباً فى التعرف على أيقونة لبنان فيروز، وكان لى بعض الإسهامات، عرفت زملاء الصحافة اللبنانية بمهاراتهم المهنية و«انحيازهم لفنانيهم» بلا حدود.

(4)

إن فيروز القمة والقامة والقيمة ليست فوق النقد، ولكن يجب أن تكون فوق الهدم!

حقاًَ «لا كرامة لنبى فى وطنه»!

ولكن «إيه فيه أمل» كما تشدو الفيروزة!

هم- يا سيدتى- يرمونك بالطوب وأنا أرشقك بالزهور.

* نقلا عن “المصري اليوم”

This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.