هل العلمانية تعني محاربة الدين؟

بقلم بابكر فيصل بابكر/
أكاد أجزم أنه لا يوجد مفهوم تعرض للتشويش في أذهان الشعوب العربية والإسلامية مثل مفهوم العلمانية الذي أضحى بفضل الدعاية الكثيفة والمضللة والتمويه المتعمد من قبل تنظيمات الإسلام السياسي، وعلى وجه الخصوص الجماعات السلفية والإخوان المسلمين، يعني الإلحاد ومحاربة الدين.
في سياق تعليقه على توقيع المعارضة السودانية مؤخرا لإعلان سياسي يدعو لإسقاط نظام الحكم بالوسائل السلمية، قال أحد خطباء المساجد من مناصري حكومة الإخوان المسلمين إنه يتوجب على الشعب السوداني التمسك بالحكومة التي “طبقت فيهم شرع الله”، وعدم الإنصات لأحزاب المعارضة “والعلمانيين الذين يسعون لإقصاء الدين عن الحياة ونشر الإلحاد والمفاهيم الغربية بين المسلمين”.
وكان الزعيم السابق للجماعة الوهابية “جماعة أنصار السنة المحمدية” في السودان، أبوزيد محمد حمزة، قد قال بعد انفصال جنوب السودان إن “كل المسلمين أجمعوا على أن يحكم السودان الشمالي بالشريعة الإسلامية. هذه مطالبتنا نحن، ونسعى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية” وأضاف “ما دايرين حاجة علمانية (أي لا نريد شيئا علمانيا) فنحن لسنا كفارا، نحن مسلمون ومطالبتنا بالإجماع على تطبيق الشريعة الإسلامية”.
الموقف من العلمانية يعتبر في المقام الأول موقفا من إعمال العقل في تفسير الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية
من المؤكد أن الحديث أعلاه ليس معزولا عن خطاب جماعات الإسلام السياسي التي تقول بأن الإسلام “دين ودولة”، وإن حل جميع مشكلات المجتمعات الإسلامية، بل جميع مجتمعات العالم، يكمن في تطبيق الشريعة الإسلامية، وهي أقوال لا شك تتعارض مع الأسس المنطقية والتاريخية والسياسية التي تنبني عليها الفكرة العلمانية، والتي قامت على أساسها الدولة الحديثة.
اقرأ للكاتب أيضا: السودان: مأساة التعليم في ظل الحكم الإسلاموي
فالعلمانية من الناحية الفلسفية تعني أن المعارف المطلوبة لتنظيم شؤون المجتمع السياسية والاقتصادية والقانونية ليست بالضرورة نابعة من الدين، وهي من الجانب السياسي تدعو لأن تقف الدولة على مسافة واحدة من جميع الأديان، وفي التجربة التاريخية رفضت العلمانية تغول الكنيسة (الدين) في شؤون السياسة.


إن الزعم بأن العلمانية تعني إقصاء الدين عن الحياة هو في حقيقته ـ كما يقول عبد الله النعيم ـ قول ضال ومضلل وغير عملي حيث يستحيل إقصاء الدين عن الحياة وذلك لأن الناس يتصرفون تجاه مختلف القضايا الاجتماعية من نظرة أخلاقية هي لدى الكثيرين منهم نابعة من الدين ولهذا فإن الدين يتخلل جميع جوانب الحياة العامة للمجتمع.
ومن ناحية أخرى، لا يجدر بنا النظر إلى مفهوم العلمانية كنسق واحد نهائي، فهي تنشأ متأثرة بمعطيات كل مجتمع وتختلف باختلاف السياقات الاجتماعية والتجربة التاريخية وبالتالي فإن خصائصها تختلف من بلد لآخر.
فعلى سبيل المثال، إذا كانت اللائكية الفرنسية قد نشأت في تضاد مع الكنيسة بسبب سلطة الأخيرة الكبيرة وبسبب وقوفها ضد الثورة، ففي العلمانية البريطانية لم تدخل الدولة المدنية في صراع مع الكنيسة بل أن الملك في بريطانيا يظل رمزيا رأسا للكنيسة. أما في الولايات المتحدة الأميركية فإن الدولة المدنية حرصت على حماية الدين من أي عدوان عليه.
وعلى الرغم من علمانية الدولة الأميركية فإن المجتمع الأميركي ـ على سبيل المثال ـ يعتبر مجتمعا متدينا، وربما كان أكثر تدينا من العديد من المجتمعات الإسلامية حيث يعتبر 82 في المئة من الأميركيين أنفسهم متدينين، والذين يؤدون الصلوات الأسبوعية في الكنائس يمثلون 45 في المئة من المتدينين.
إن الموقف من العلمانية يعتبر في المقام الأول موقفا من إعمال العقل في تفسير الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وفي التراث الإسلامي ـ كما يقول رفعت السعيد ـ كان الخلاف دوما موجودا بين عقليتين إحداهما علمانية والأخرى غيبية وفي المثال التالي توضيح لما نقول.
يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه “المغني” في تعريفه وتفسيره لغلاء الأسعار “قلة الشيء مع شدة الحاجة إليه، أو كثرة المحتاجين بالنسبة إلى ما هو موجود. وإن ما يجري من الغلو في التسعير إنما أنشأه بعض الظلمة ويؤدي إلى فساد يعم الفقراء، وعلى الحاكم التدخل لتسعير السلع تسعيرا ييسر على الفقراء معاشهم”.
الزعم بأن العلمانية تعني إقصاء الدين عن الحياة هو في حقيقته قول ضال ومضلل وغير عملي
نحن هنا بإزاء عقل يفسر ظاهرة ارتفاع الأسعار وفقا لنظرية العرض والطلب، ويضفي عليها مسحة من العدالة الاجتماعية تدعو لتدخل الحاكم لإنصاف الفقراء والتسهيل عليهم. وهذا، لا ريب، تفسير علماني عقلاني.
أما الإمام الباقلاني الأشعري فإنه يقول في كتابه “التمهيد” عن ذات الموضوع إن “الغلاء والرخص في الأسعار إنما يرجعان إلى الرغائب والدواعي، فإن جميع الأسعار من الله سبحانه وتعالى لأنه هو الذي خلق الرغائب في الشراء ووفر الدواعي إلى الاحتكار”.
إن تفسير الباقلاني لغلاء الأسعار يعكس تفكيرا غيبيا لا ينحو للنظر العقلاني للظاهرة ومحاولة إيجاد أسباب منطقية لتفسيرها بل يرجعها لأسباب ما ورائية ترتبط بالمشيئة الإلهية. وهذا بلا شك يخالف التفكير العلماني.
اقرأ للكاتب أيضا: ما يزال هدم الكنائس مستمرا في السودان
غير أن هناك أمرا مهما يجب التنبيه إليه بخصوص موقف جماعات الإسلام السياسي من العلمانية، ويتمثل ذلك الأمر في التعامل الانتهازي مع قضية العلمانية بحسب الموقف الأيديولوجي وليس المبدأ الفكري الصارم، وهو ما تبدى بوضوح من خلال رد فعل الإخوان المسلمين على تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول موضوع العلمانية.
إذ سبق لأردوغان أن قال في مقابلة تلفزيونية إن “العلمانية تعني التسامح مع كافة المعتقدات من قبل الدولة، والدولة تقف من نفس المسافة تجاه كافة الأديان والمعتقدات”.
هنا يتبدى التناقض الصارخ في شعارات وأقوال أهل تيار الإسلام السياسي، فهم من ناحية يقولون إن العلمانية تعني التخلي عن الدين وإبعاده عن الحياة، ومن ناحية أخرى يقبلونها من أردوغان الذي يصفونه بأنه نور الله وأنه سيبقى في الحكم ويتمدد لأنه “ينصر الله!”.
شبكة الشرق الأوسط للإرسال

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.