من ذاكرة القهر … ( كنا عايشين … ).

Bassam Yousef
عشت في العشارة ثلاثة أشهر، أكلت من خبزها، وشربت من نهرها، وشربت شايا في مقاهيها، وعبرت جسرها الحديدي الواصل بين الشامية والجزيرة مرات كثيرة.
على ضفة النهر التي تتبع “الجزيرة” كانت البيوت التي تقيم فيها بعثة الآثار، ومقابلها على ضفة “الشامية” كانت كولبة الأمن العسكري.
في أول عبور لي لجسرها استوقفني عنصر الأمن العسكري، أخذ هويتي ودخل بها إلى داخل المفرزة ، ليعود بعد قليل ومعه من يبدو أنه أكثر أهمية.
ولأننا كنا اثنان فقد سألنا الشخص المهم:
– من منكما بسام يوسف ؟.
قلت له : أنا، فابتسم قائلا :
– بس تخلصوا مشواركم مر علي عايزك .
اكملنا طريقنا، نسينا النهر والجسر ومتعة الاستكشاف وغرقنا في كابوس احتمالات طلب عنصر المخابرات.
في العودة كنا قد اتفقنا أن أدخل الى الكولبة ويواصل هو، وإذا تأخرت أن يبادر للاتصال برقم أعطيته اياه ، يومها لم يكن هناك الا الهواتف الارضية.
على باب المفرزة افترقنا، وعندما دخلت نهض عنصرا المفرزة، رحب بي الشخص الذي يبدو أنه رئيس هذه المفرزة ( سأسميه القائد في ماتبقى من القصة ) بينما بقي الآخر صامتا.
طلب مني الجلوس على كرسي معدني فشكرته مبررا بأنني مستعجل فاستنكر قائلا:
– لا والله مارح تروح ..اليوم عطلة والنهار لسا بأوله.
جلست ، فسارع بالقول الى العنصر الثاني:
انت روح ع البيت بس بطريقك مر على أبو فلان وقلو عندي ضيوف.
ما إن غادر العنصر حتى بادرني بترحيب من نوع آخر وبلهجة أخرى:
– لك أهلاااا بابن البلد ، شو جابك لهون ؟.
قلت أنني مدرس وأنني عينت هنا في العشارة.
المهم عرفت أنه من قرية مجاورة لقريتي، وأنه رقيب مجند في الأمن العسكري، وهو المسؤول عن هذه المفرزة الصغيرة.
لم يطل الوقت حتى دخل شخص يحمل “صينية” ألمنيوم كبيرة ممتلئة بالطعام، وضعها ثم سأل بارتباك ان كنا نحتاج شيئا آخر، فرد عليه بنبرة استعلاء واضحة :
– لا … بعد ساعتين تعا خود الصينية.
اعترضت كما تقتضي اللباقة على هذا الاسراف غير المبرر فقال ساخرا:
– ماعم ندفع شي من جيبتنا… هاد من عند صاحب استراحة على طريق الدير البوكمال..
سكتت.
عندما نهضت لأغسل يدي في المغسلة الموجودة في الزاوية الداخلية للغرفة فوجئت بوجود إطارات سيارات، وعصي، وكبلات وعندما سألته عن سبب وجود هذه الأشياء هنا ضحك قائلا :
– ولووو هي للشغل، ما بتسمع بالدولاب ؟؟.
قلت له : طبعا بسمع، في مواطن سوري مابيسمع فيه، بس بصراحة لهلا مابعرف كيف بيحطوا الشخص بالدولاب، ( لاحقا عرفت الدولاب وما هو أكثر من الدولاب )
ضحك ..اقترب من الزاوية ثم راح يشرح لي كيف يتم وضع المتهم في الدولاب، وعندما شعر أنني لم أتخيل الوضع تماما قال انتظر، خرج إلى خارج الكولبة وبعد قليل عاد ومعه شخص عابر.
كان الشخص رجلا في عقده الخامس، كان وجهه ممتقعا من الخوف، يسأل بصوت متلعثم وخائف:
– خير سيدي … والله انا ما الي علاقة بشي.
نهره “القائد ” :
اخرس مارح اضربك بس بدي شوفو كيف منحط الشخص بالدولاب .
أمسكت الرجل من يده وسحبته خارجا…. كنت أغص بقهري وأنا أقول له :
– الله يخليك لاتواخذني … الله معك .
ابتعد الرجل واتجهت الى حيث اسكن …
كان القائد يقف على باب المفرزة يضحك قائلا:
– ولوووه كلو تمثيل بتمثيل ما بتستاهل … لوين رايح بدنا نشرب شاي.
كنت أبتعد واحساس بالعار يجتاحني.
البارحة قصفت العشارة ودمر جسرها المعدني واستشهد العشرات من ابنائها ….
يا إله السماوات إلى متى ؟؟!!.

This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.