يمكن أن نتخيل بشار أسد سعيداً بالجرعة الجديدة من الحياة التي منحته إياها تصريحات المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هايلي وتصريحات رئيسها وزير الخارجية ريكس تيلرسون. الوزير يريد للشعب السوري أن يقرر مستقبل رئيسه. والسفيرة لا ترى أن إزاحة الأسد عن السلطة يجب أن تكون أولوية أميركية. بل الأولوية، في رأيها هي «لمكافحة الإرهاب».
في الحالتين يستطيع الأسد أن يعتبر نفسه منتصراً. فهو يعرف أن الشعب السوري الذي يتحدث عنه وزير خارجية أميركا ويريده أن يقرر مستقبل رئيسه لم يعد موجوداً. لا بد أن وزير خارجية الدولة العظمى سمع أن نصف هذا الشعب بات في القبور أو في المنافي، أو واقفاً على حدود الدول يستعطي كوب ماء أو لقمة خبز. أما النصف الآخر فهو يتقاتل في الداخل، منقسماً إلى صفوف طائفية ومذهبية، بعد أن نجح بشار أسد في تحويل الانتفاضة السلمية ضد حكمه إلى حرب أهلية.
أما حديث السفيرة عن محاربة الإرهاب، باعتباره أولوية تسبق من حيث الأهمية مطلب إبعاد الأسد عن السلطة، فهو يغفل أيضاً حقيقتين:
الأولى أن الإرهاب الذي يجري الحديث الآن عن محاربته في سورية هو من صنع النظام نفسه. هذا النظام هو الذي استورد الإرهابيين من العراق حيث أشرف على تدريبهم وتمويلهم لمحاربة القوات الأميركية، ثم قام بإطلاق الباقين من سجونه، وكل ذلك لهدف واحد، هو تغطية حربه على السوريين بشعار مكافحة الإرهاب، لأنه شعار يسهل تسويقه في الغرب. وهو ما نجح فيه الأسد مع إدارة أوباما أولاً، والآن مع إدارة ترامب.
أما الحقيقة الثانية التي يغفلها كلام السفيرة هايلي فهي أن مكافحة الإرهاب لا تستقيم في سورية من دون القضاء على حكم الأسد. فالممارسات الإجرامية التي يرتكبها النظام لا تقل إرهاباً عن جرائم «داعش» أو «النصرة» أو سواهما. إذ ماذا يسمى قتل الناس بالأسلحة الكيماوية وإلقاء المعارضين أحياء من سطوح المنازل، وذبح المدنيين ونزع حناجرهم؟ وبماذا يختلف هذا عن إحراق الأبرياء وقطع الرؤوس الذي ترتكبه عصابات البغدادي؟ الحقيقة البسيطة هي أن جرائم الجزّارين العاملين في صفوف النظام هي التي شرّعت الأبواب لكل أنواع الاستباحات في الحرب الدائرة في سورية.
ليس الجهل هو الصفة الوحيدة التي يمكن إطلاقها على تصريحات المسؤولين الأميركيين، في ما يتعلق بمستقبل سورية. هناك فوق ذلك التناقض الفاضح بين هذه التصريحات وبين الهدف المعلن لإدارة ترامب، والذي يركز على محاربة النفوذ الإيراني في سورية وفي المنطقة. نيكي هايلي نفسها تقول إن «من الضروري أن نُخرج إيران ومن يحاربون عنها بالوكالة من سورية». حسناً. ألا تعرف هايلي أن هؤلاء الذين تريد إخراجهم من سورية هم الذين يحاربون هناك من أجل إبقاء الأسد في الحكم؟ ألم تقرأ تصريحات المسؤولين الإيرانيين أنفسهم وتصريحات الميليشيات العاملة في ظلهم، والتي تؤكد أن قتال هؤلاء في سورية هو الذي يحمي النظام ويمدّه بأسباب البقاء؟ وهل يبقى أي دور للشعب السوري لتقرير مستقبل رئيسه بعد كل هذه التدخلات الخارجية التي قدمت إلى سورية لمحاربة هذا الشعب ومنعه من عزل رئيسه عن الحكم؟
باراك أوباما وصف المعارضين السوريين في السابق بأنهم مجموعة من المهندسين والأكاديميين والأساتذة الذين لا يملكون القدرة ولا القوة لإسقاط بشار الأسد. وها هو دونالد ترامب الآن يعلن أن هدف هؤلاء المعارضين المتمثل بإسقاط الأسد لا يستحق الدعم، لأن الحرب على الإرهاب تحتل الأولوية. وفي الحالتين، يطغى الاستخفاف بأرواح السوريين وبتضحياتهم الكبيرة، والتي يجب أن تكون وحدها دافعاً لتشكيل ائتلاف دولي ينقذ السوريين والمنطقة من هذا النظام ومن أي نظام مماثل يرتكب ما ارتكبه بشار أسد بحق شعبه.
-
بحث موقع مفكر حر
-
أحدث المقالات
-
- #زياد_الصوفي يفتح ملف #سامر_فوز لمن يهمه الامربقلم زياد الصوفي
- ** هَل سيفعلها الرئيس #ترامب … ويحرر #العراق من قبضة #نظام_الملالي **بقلم سرسبيندار السندي
- ** ما علاقة حبوب الكبتاغون … بانتصارات نعيم قاسم وحزبه **بقلم سرسبيندار السندي
- ** فوز عون وسلام … صفعة أخرى لمحور المتعة والكبتاغون **بقلم سرسبيندار السندي
- ** هل جحيم كاليفورنيا … عقاب رباني وما الدليل **بقلم سرسبيندار السندي
- #سورية الثورة وتحديات المرحلة.. وخطر #ملالي_طهرانبقلم مفكر حر
- #خامنئي يتخبط في مستنقع الهزيمة الفاضحة في #سوريابقلم مفكر حر
- العد التنازلي والمصير المتوقع لنظام الكهنة في #إيران؛ رأس الأفعى في إيران؟بقلم مفكر حر
- #ملالي_طهران وحُلم إمبراطورية #ولاية_الفقيه في المنطقة؟بقلم مفكر حر
- بصيص ضوء على كتاب موجز تاريخ الأدب الآشوري الحديثبقلم آدم دانيال هومه
- آشور بانيبال يوقد جذوة الشمسبقلم آدم دانيال هومه
- المرأة العراقية لا يختزل دورها بثلة من الفاشينيستاتبقلم مفكر حر
- أفكار شاردة من هنا هناك/60بقلم مفكر حر
- اصل الحياةبقلم صباح ابراهيم
- سوء الظّن و كارثة الحكم على المظاهر…بقلم مفكر حر
- مشاعل الطهارة والخلاصبقلم آدم دانيال هومه
- كلمة #السفير_البابوي خلال اللقاء الذي جمع #رؤوساء_الطوائف_المسيحية مع #المبعوث_الأممي.بقلم مفكر حر
- #تركيا تُسقِط #الأسد؛ وتقطع أذرع #الملالي في #سوريا و #لبنان…!!! وماذا بعدك يا سوريا؟بقلم مفكر حر
- نشاط #الموساد_الإسرائيلي في #إيرانبقلم صباح ابراهيم
- #الثورة_السورية وضرورات المرحلةبقلم مفكر حر
- #زياد_الصوفي يفتح ملف #سامر_فوز لمن يهمه الامر
أحدث التعليقات
- Saleh on شاهد كيف يحاول اغتصابها و هي تصرخ: ما عندكش اخت
- س . السندي on #زياد_الصوفي يفتح ملف #سامر_فوز لمن يهمه الامر
- س . السندي on الايمان المسيحي وصناعة النبؤات من العهد القديم!
- تنثن on الايمان المسيحي وصناعة النبؤات من العهد القديم!
- Hdsh b on الايمان المسيحي وصناعة النبؤات من العهد القديم!
- عبد يهوه on اسم الله الأعظم في القرآن بالسريانية יהוה\ܝܗܘܗ سنابات لؤي الشريف
- عبد يهوه on اسم الله الأعظم في القرآن بالسريانية יהוה\ܝܗܘܗ سنابات لؤي الشريف
- منصور سناطي on من نحن
- مفكر حر on الإنحراف الجنسي عند روح الله الخميني
- معتز العتيبي on الإنحراف الجنسي عند روح الله الخميني
- James Derani on ** صدقوا أو لا تصدقو … من يرعبهم فوز ترامب وراء محاولة إغتياله وإليكم ألأدلة **
- جابر on مقارنة بين سيدنا محمد في القرآن وسيدنا محمد في السنة.
- صباح ابراهيم on قراءة الفاتحة بالسريانية: قبل الاسلام
- س . السندي on ** هل تخلت الدولةٍ العميقة عن باْيدن … ولماذا ألأن وما الدليل **
- الفيروذي اسبيق on مقارنة بين سيدنا محمد في القرآن وسيدنا محمد في السنة.
- س . السندي on مقارنة بين سيدنا محمد في القرآن وسيدنا محمد في السنة.
- عبد الحفيظ كنعان on يا عيد عذراً فأهل الحيِّ قد راحوا.. عبد الحفيظ كنعان
- محمد القرشي الهاشمي on ** لماذا الصعاليك الجدد يثيرون الشفقة … قبل الاشمزاز والسخرية وبالدليل **
- عزيز الخزرجي فيلسوف كونيّ on أفضلية الإمام عليّ (ع) على آلرُّسل :
- عزيز الخزرجي فيلسوف كونيّ on أفضلية الإمام عليّ (ع) على آلرُّسل :
- عزيز الخزرجي فيلسوف كونيّ on أفضلية الإمام عليّ (ع) على آلرُّسل :
- س . السندي on رواية #هكذا_صرخ_المجنون #إيهاب_عدلان كتبت بأقبية #المخابرات_الروسية
- صباح ابراهيم on ** جدلية وجود ألله … في ضوء علم الرياضيات **
- س . السندي on الفيلم الألماني ” حمى الأسرة”
- Sene on اختلاف القرآن مع التوراة والإنجيل
- شراحبيل الكرتوس on اسطورة الإسراء والمعراج
- Ali on قرارات سياسية تاريخية خاطئة اتخذها #المسلمون اثرت على ما يجري اليوم في #سوريا و #العالم_العربي
- ابو ازهر الشامي on الرد على مقال شامل عبد العزيز هل هناك دين مسالم ؟
- س . السندي on ** هل سينجو ملالي إيران بفروة رؤوس … بعد مجزرة طوفان الاقصى وغزة والمنطقة**
- مسلم on قراءة الفاتحة بالسريانية: قبل الاسلام