لا يمكن شد الشمس بالوثاق

iranafgan*حسن محمودي

بُعد الزمن ومر الأيام لا يقدران أبدا أن يزيلا بعض المشاهد والأحداث عن الذاكرة، فتلعب هكذا أحداث ومشاهد دورا نافذا وعظيما حقا في الثقافة الاجتماعية وفي شخصية كل فرد بالمجتمع.
عام 1978، سحقت الثورة ضد الملكية بساط الظلم والطغيان والدكتاتورية، لفترة وجيزة في المجتمع الإيراني، وضخت روح الحرية والسرور في جثة المجتمع ولكن لاحقا وقعت أحداث واختُلقت مشاهد تمخضت عنها نقلات نوعية ورؤيات حديثة وكذلك تهديدات للسلام والأمن للبشرية.
أتذكر يوم 7 ديسمبر عام 1980، حيث كنت أمر من أمام جامعة طهران، وكان هكذا يوم يعيد للذاكرة هدير الاعتراضات الطلابية ومقاومتهم في إيران بوجه دكتاتورية الشاه، عقب إنقلاب 19 أب/أغسطس 1953 المخزي ضد حكومة الدكتور محمد مصدق الوطنية. ذاك اليوم، اجتمع الكثير من الطلاب الجامعيين أمام الجامعة حيث لاحظتُ طالبة كانت تتكلم بحماس وبملئ قلبها وسط حلقة من الطلبة كانوا يستمعون إليها بكل دقة وهي تدافع عن مواقف منظمة مجاهدي خلق. وبعد ذلك بساعات، ولما كنت راجعا في الطريق نفسها، رأيتها مرة ثانية ظلت تتكلم وسط حلقة أخرى من طلاب المدارس، فاقتربت من الحلقة شيئا فشيئا وتقدمت نحوها، فكنت أتوق إلى معرفتها وهي تتحدث في غاية شوق وحماس بكلامها البليغة الجذابة، عن وقوف الطلاب الجامعيين أمام الدكتاتورية عام 1953 وكذلك عن المقاومة الطلابية بوجه المتطرفين والبلطجة، طيلة العامين الاثنين اللذين مضيا من الثورة ضد الملكية، مبشرة بقضية الحرية ومجتمع حديث.ومحاولتها للتثقيف والتوعية وإفهام الأحداث للمستمعين كانت مثيرة للغاية. والحقيقة أن كلامها آنذاك كان توصيفا وتحذيرا بشأن التهديد الذي ستتعرض له البشرية بعد مرور عقدين أو ثلاثة عقود ألا وهو التطرف الديني، تلك الظاهرة المشؤومة التي أخذت تتفشى في العالم كله وظهرت بصورة تهديد عالمي محدق بثماره الخبيثة، الإرهاب ومعاداة المرأة والدمار والنهب والذبح و…
كانت الفتاة تُدعى ”بوران نجفي“ التي تعرضت هي في ما بعد لأحداث مروعة للغاية من تعذيب وسجن ووقائع مؤلمة. وكتبتْ ذكرياتها عن فترة قضائها وراء قضبان السجن في كتاب بعنوان ” لا يمكن شد الشمس بالوثاق“ وذلك بعد تجاوزها كل تلك الكم الهائل من المشاكل والابتلاءات، رافعة الرأس، وبعد أن كانت انضمت إلى قافلة مقاتلي درب الحرية في مدينة أشرف. واستأثرت ذكرياتها بعد مرور عقدين باهتمام كبير من قبل شخصيات دولية.
في مستهل الكتاب، وفي تمهيد مطول وحماسي منها، وصفت سيدة الأدب الإيطالي ”داتشا ميرايني“ التي تأثرت بشجاعة المرأة الإيرانية في سجون الملالي المخيفة تأثرا عميقا، وأصحبت منجذبة لها إلى حد كبير، محاولة البنات والأبناء الإيرانيين، هؤلاء اللائي خطو خطوات للدخول في ميدان السياسة لكي يبنو الوطن، وكتبت عن العنف المفرط في سجون الملالي وعن مقاومة السجناء العظيمة وقاستها بمقاومة أول المؤمنين للمسيح قبل ألفين سنة، معتبرة أن مقاومة المرأة الإيرانية في سجون الملالي بأنها نموذج من المرأة الإيرانية ذات عشق عميق للحرية ممن دفعهن حماسهن لحرية الشعب ولتحرير بلادهن إلى طريق النضال والمقاومة، مؤكدة أنه وفي هذا الكتاب ومن خلال ذكريات السجن، يمكن ملاحظة كيف أن غير التطرف الديني تاريخ إيران والعالم.
وبدوره يؤكد مترجم الكتاب إسماعيل محدث إن قصة مقاومة المرأة الإيرانية، حكاية نضال كل منا من أجل الحرية. فيجب ألا ننس أننا 99% ومن يريدون أن يشدونا بالوثاق في كل أرجاء العالم يشكلون 1% فقط لذلك فلا شك أنهم سيُهزمون لا محالة.
نُقلتْ بوران نجفي عام 2011 ومعها رفقاء ورفيقات دربها قسرا، من أشرف إلى ليبرتي.
أقطعُ دَرْج الزمن وأوصل نفسي إلى مقربة الزمن الراهن وإلى ليلة من الليالي الصافية والمزدانة بالنجوم من شهر يونيو- حزيران 2012، لكن قلبي لا تتحمل بعد استذكار تلك اللحظات المؤلمة التي سقطت فيها بوران نجفي شهيدة، في الهجوم الصاروخي على مخيم ليبرتي بيد عملاء النظام الإيراني.
فكانت قد كتبتْ في كتابها ”كلما زدتُ صلابة وايمانا بقضيتي، قضية الحرية، كلما زدت أحساسا بأنني أتعرض لأحداث أكثر صعوبة ومصيرة حافلة بالابتلاءات، ولكني ما وهنت ولم اتردد لحظة وكنت أرحب بها بحلاوة وهذه هي سر بقائي وبقاء سائر أصدقائي“.
*كاتب ايراني

About حسن محمودي

منظمة مجاهدي خلق الايرانية, ناشط و معارض ايراني
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.