لاستعادة المصريين العالقين في ستوكهولم

mf61الإخوان المسلمون يفاجئون المتابعين كل صباح بما يصدمهم ويثير دهشتهم، لا يوجد مصري واحد خارج دوائر نظام مبارك الأمنية كان يجرؤ قبل عامين وبعض العام علي مجرد التفكير في وهن الجماعة من الداخل إلي هذا الحد، ولا علي أن يصدق أن الوضع الطبقي داخل الجماعة هو الصيغة الجدلية لمسلك أعضائها وضابط إيقاع المسافة بين مواقفهم وبين الولاء للآباء المؤسسين!

لقد كسرت الأزمة بهاء أفكار الآخرين السابقة عن الجماعة وفضحت هشاشة هيكلها التنظيمي بصورة شديدة الفجاجة، وباتساع رقعة المشاحنات في الوقت غير المناسب يبدو أن كوادرها قد عقدوا العزم علي تعزيز تلك الصورة!

لقد أصبح في حكم المرجح أن ديكتاتورية أخري داخل الجماعة كانت تنمو بالتوازي مع ديكتاتورية دولة جمال عبد الناصر تواظب علي اعتراض كل محاولة لانتقال الجماعة من أفق الفرد إلي أفق الجميع وفقاً لآلية تدفع بفكرة “حسن البنا” إلي مركز الثقل لا بالأشخاص، كما يحب جنرالات الجماعة المديح ويكرهون الصوت الآخر كجنرالات عبد الناصر تمامًا، الفارق الأكثر وضوحًا بين الديكتاتوريتين هو قدرة جنرالات عبد الناصر المذهلة على الالتئام وترميم جراحهم، علي النقيض من جنرالات الجماعة الذين صاروا عندما ضربتهم أزمة هي الأولي من نوعها ضراوة أشبه بمواليد برج الحوت في مثل هذه الظروف شقاقاً وارتباكاً وتخبطاً وقلة حيلة وبكاءًا علي الأطلال، برغم أن الأزمة، بحكم شهرتها في التأسيس دائمًا لوعي جديد، كان من الممكن أن تضخ المزيد من نقاط الدم في جسد الجماعة الذي لم يكن ذات يوم شاحبًا أكثر مما هو الآن، غير أن هذا لم يحدث، وهذا اكتشاف صالحٌ لتنبيه الحسرة في كل قلب غير مؤدلج، ذلك أن انهيار جزء كبير من ذاكرة الوطن ولون أساسي من ألوان فسيفسائه خسارة فادحة للجميع!

نزق البدايات في هذا السياق لتبرير مآلات الجماعة مهجور تمامًا، فالجماعة أقدم عمرًا من عدة دول مجاورة، إنما، مع الأخذ في الاعتبار أن معظم جيوش الشرق لم تصل بعد إلي قدر من ثقافة الجندية أو أي لون من ألوان الثقافة يكفي لضبط إيقاع شغف جنرالاتها بالسلطة وإقناعهم بأن بوصلة السلاح تشير دائمًا إلي خارج الحدود، تصبح سلطوية الجماعة هي التفسير الأكثر عدالة لنجاح الاسلاميين في تركيا ليس في إنهاء تغريبة الإسلام فحسب، بل في التهام الأفق السياسي وامتصاصه وتدويره بما يتماشي مع استراتيجيتهم من جهة، ولفشل الإخوان المسلمين وعجزهم عن الاحتفاظ بلحظةٍ حلموا باصطيادها لعقود طويلة من جهة أخري!

لا يصلح الانقلاب متهمًا بمفرده، لكنه التبرير الذي يأكل مع الجماعة في نفس الطبق، ويسرق يوميات أعضائها، ذلك أن رعاة الانقلاب ما كان باستطاعتهم التسلل إلي أي رحم يربّون فيه المؤامرة لولا اختيارات الجماعة وترددها وسفه انحيازاتها وارتجالية مساقط ثقتها، هذا السياق لابد أن يفرض اسمًا واحدًا علي الأقل ممن استحوذوا علي مساحة من الضوء دفع اتساعها وتمددها المتصل بعضُ الناقمين إلي التندر بأن المصريين ما خرجوا في يناير إلا ليطالبوا بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية و “نادر بكار”، وبتفقد مواطئ قدميه الآن وتحديق النظر في كل مواقفه قبل وبعد العصف بـ “د.مرسي” سندرك لمن كان النصيب الأوفر في صناعة المشهد الردئ الذي انزلقت إليه مصر الثورة، لا أقول هذا إيقاظاً لجراح الماضي إنما حرصًا علي تجاوزه، مع ذلك، لنكأ الجراح فوائده أحياناً..

من الجدير بالذكر أن الإسلاميين في تركيا نجحوا في استعادة الإسلام إلي مرتفعاته الأولي أو كادوا لأنهم لا ينتمون إلي الإخوان المسلمين، ولا يرون في “حسن البنا” أكثر من مجدد أضاف إلي المكتبة الإسلامية شيئاً يستحق التوقف عنده ومطالعته، فمرجعية هؤلاء هي مزيج خرافي من فكر بديع الزمان “سعيد النورسي”، ومن ذلك السمو والشطح الصوفي وتلك الروحانية المذهلة في تراث مولانا “جلال الدين الرومي” الذي تساقط غباره علي كل القارات وبكل اللغات، ومن أصداء لأجمل قيم العلمانية وأكثرها إيجابية، لا أكثر ولا أقل!

لا حزب العدالة والتنمية ولا أي من الحركات الإسلامية في تركيا تنتمي فكريًا إلي مدرسة الإخوان المسلمين في مصر، ربما يتعاطفون مع منهجها الإصلاحي فحسب، لذلك، ربما، تمكن هؤلاء من الانخراط في الكون أو انسجموا معه علي الأقل، بينما واظب الإخوان المسلمون علي حراسة جذور فكر الآباء المؤسسين دون أدني محاولة للحذف أو الإضافة أو إعادة التأويل، علي الرغم من أن الأفكار كالأحذية في نهاية المطاف، ومتي أردت قتل فكرة ما عليك سوي المبالغة في تقديسها، ذلك أن الفكر بالأساس هو تركيز للواقع وتقطيره إلي خلاصة مكثقة لا تنطلق من خلال صيغ سابقة، وما من شك أن الواقع متحرك، وأن واقع حقبة “البنا” ليس كواقع حقبة “سيد قطب” وليس كواقع الجماعة الآن، الإسلام نفسه اضطر مع الأيام إلي التماهي مع أفكار مستوردة بهدف كبح تقدمها، وغابة الفرق الإسلامية التي الآن نعرفها دلالة واضحة علي مرونة الاسلام وقدرته علي الامتصاص والهضم والتجاوز!

مياه كثيرة جرت في النهر تلو النهر وما زال الإخوان لا يصدقون أن “الشيخ وقت” هو خصم البنا الأكثر شراسة لا الجنرالات..

ولو تمسك أردوغان بتقديس “رسائل النور” دون أن يقيم لدرجات الزمن وتحولاته وزناً لأساء للشيخ سعيد النورسي ولنفسه، ولما تكهن بالمؤامرة علي الإخوان المسلمين مبكرًا، ولما فتح لهم، عن عمدٍ ربما، بوابة بحجم عذابات المصريين لإجهاض المؤامرة، غير أنهم رفضوا الدخول تحسبًا ربما لغضب (حزب النور)، ذلك التنظيم الذي صنع حتمًا بالتوازي مع تنظيم البلطجية الشهير وادُّخرَ كأخيه لأبيه الذي في المخابرات لوقت الحاجة، لا يمكن أن يكون منتج بهذه الجودة حديث الميلاد، لم يعد في مصر سر ننتظر أن يكشفه لنا أحد!

ذلك أن أردوغان حين زار مصر عقب الثورة فاجأ الجميع بحجره الشهير الذي ألقاه بجامعة القاهرة في وجوه المنحازين إلي إيقاظ جثة الماضي بأمانة، وبغض النظر عن اكتظاظه بالسلبيات المدمرة والقيم الحوشية، لقد دعا المصريين إلى العلمانية، أي، بناء دولة مسلمة ذات حكومة صماء تقف علي مسافةٍ واحدةٍ من جميع الأطياف لا أكثر ولا أقل، كان مثل صوت آتٍ من المطلق!

ذلك التصريح المعتني به تمامًا أثار حتمًا غضب المخابرات، فإذا حدث ذلك من شأنه أن ينسف حلمهم بالعودة، كان ترهيب المصريين بما ينتظرهم من قطع الأيدي والأرجل من خلاف والرجم هو جوهر المؤامرة، علي هذه الخلفية، سرعان ما انتقل غضبها بأمانة شديدة إلي صدور الذين باشرت تربيتهم من الإسلاميين في أعشاشها، واعتبر هؤلاء تصريحه تدخلاً في الشئون المصرية، وتماهي معهم القلائل من الإخوان المسلمين بحسن نية، كانوا يندفعون في التعبير عن ترحيبهم بزيارته أولاً فاستنكارهم لتصريحاته والهتاف ضده بنبرات عالية جدًا لا تخلو من المسرحية بعد ذلك، في مساء ذلك اليوم ربما، بدأ “إبراهيم عيسي” العزف علي ذلك الوتر بخبث شديد لجني المزيد من الجزر المنعزلة، ما زلت أتذكر أنه قال:

– نريد إسلام “أردوغان” لا إسلام “أسامة بن لادن”!

كانت هذه واحدة من أهم اللحظات التي طفت فيها المؤامرة علي السطح دون تدبر أو حذر، لا توازيها أهمية من حيث الوضوح كلحظة تصريح “ياسر برهامي” في بهجة شديدة علي إحدي الفضائيات بأنهم خدعوا شيخ الأزهر وأنهم حرصوا علي أن يكون الدستور مقيدًا للحريات بقدر الإمكان، ولك أن تتخيل ملامح ذلك الشعور الذي لابد أن يضرب أعماق شاب نزل ميدان التحرير من أجل أن تكتشف الحرية وطنه في وقت كان “برهامي” فيه يشاهد طقوس التحرير علي الشاشات، عندما اكتشف ذلك الشاب أنه ما تجاوز خوفه ونزل التحرير إلا لاستبدال نظام مبارك بنظام برهامي، وليظلّ الوطن أرضًا للكوابيس؟

في ذلك الوقت أيضًا، ربما لمس “د.عصام العريان” شيئاً مريبًا يتحرك في الظلال، فنفي بوضوح تبعية الاسلاميين في تركيا إلي الجماعة، وحسناً فعل، فلقد كانت هذه التهمة من أهم القطرات الأولي في موجة يونيو التي أضفت علي جرف الإخوان المسلمين بقوة السلاح مظهرًا ثوريًا!

لقد ارتكبت الجماعة خطأ لا يستوعبه الصمت بعجزها عن استيعاب الحالة المصرية عقب الثورة، وعن تحرير مضامين الصناديق إلي رؤية ثورية أكثر اتساعًا ومرونة لانتشال مصر من مفترق الصراع بين ماضٍ ما زال محتفظاً بقوته وحيويته وقدرته علي استعادة ما انتزع منه في يناير، وحاضر شديد الهشاشة لا يملك من أدوات الصراع إلا شرعية ممنوحة من شعبٍ شديد البساطة من السهل تحريف ميوله بحملة إعلامية لا تستغرق أكثر من أسبوع، لكنهم، بدلاً من ذلك، حولوا لغة الصناديق إلي وثن هم دون غيرهم كهنته لا لشئ سوي أنهم حصلوا علي أعلي الأصوات في انتخابات نزيهة، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد، لولا أن هذه الحقيقة عقب الثورات تتحد تمامًا بتعريف الباطل!

كل هذا الكلام مصدره إطار انتشار مصطلح جديد في أوساط الإسلاميين وهو “نفايات 30 يونيو” تعقيبًا علي إعلان أحدهم توبته وطلبه اللجوء إلي يوتوبيا الإسلاميين علي الهواء، ولأن الرجل لا هو تورط في إراقة دم ولا امتلك ذات يوم سلاحًا سوي الرجم بكلام لا تتجاوز سعة موجته مئات القراء أو المشاهدين كان هذا المصطلح موجعًا وصادمًا لسيول من المتريثين، وهدية مجانية للنظام!

تلك الشوفينية بالنظر إلي مصدرها غير مبررة ومحرضة علي الغيظ، فالإخوان المسلمون ضالعون في الدم أيضًا، عندما يكون الولد للفراش وللعاهر الحجر فنحن أمام حالة زنا مؤكدة، يبقي ألا نتجاهل الضلع الثالث الذي لا يمكن أن تتم صناعة الولد في غيبته، وإذا أصروا علي برائتهم الكلية من استدراج مصر إلي هذا المشهد فهذا شأنهم، غير أن التاريخ سجل يوميات مصر خلال عام “د.مرسي” وقبله وانتهي الأمر، جوجل أيضًا لديه ذاكرة قوية يمكن أن تفضح بضغطة زر إصرارهم علي إغلاق كل ممر لعبور شركائهم إلا إلي 30 يونيو!

أحب أن أسجل أيضًا أن تلاقح الأفكار وتكاثرها ضرورة صحية متي توافرت الوحدة الموضوعية ووحدة الضيف الموضوعية أيضًا وبياض ماضيه قبل يناير، لا توجد ثورة نقية، وإن وجدت فنسب نجاحها هزيلة جدًا، كما لا يوجد فصيل يستطيع التغيير بعد ثورة نقية بمفرده، ولقد وُضِع الجميع في التجربة وحصدوا النتائج البائسة!

مع ذلك، لست مع استضافة توجهين متناقضين علي شاشة ثورية في فترة زمنية واحدة، فهذا من شأنه أن يربك أفق التلقي بصورة لا تسعها حُمَّي الخلاف، وهذا تصرف يليق بأوقات المعارضة لا الثورة، فالثورة ليست حمالة ايدلوجيات، وإذا كانت الإيدولوجيا مفسدة السياسة فهي بعرقلة الثورة أولي!

ومع ذلك أيضًا، بصفة شخصية لا أري في استضافة الأستاذ “مجدي حمدان” ما يستحق أن يكون أبرز هموم الاسلاميين، كما أن الضجة العبثية المثارة حول موضوع طرفي، برغم تكدس المواضيع الجوهرية الأولي بالطرح للنقاش مع ذلك مهجورة، من المدهش ألا تسبقها ضجة في موضعها الصحيح لاستضافة شخص آخر أكد لي أحدهم قبل أسابيع أنه قد سمعه يتحدث في الشأن المصري عبر مداخلة هاتفية علي قناة مناهضة للانقلاب، إنه رجب هلال حميدة، أحد المتورطين في ما يعرف بـ “موقعة الجمل”، لا أستطيع أن أؤكد أو أنفي، وإذا صح ذلك الخبر، فهو خطأ أكبر من خطأ مجدي حمدان وأي من (نفايات 30 يونيو) في استشراف مشهد 3 يوليو والمقامرة علي سلامة حصاده في نهاية المطاف، فمعظم (نفايات يونيو)، عندما قرروا النزول، كانوا يراهنون علي دورة الثورة التي لابد أن تكتمل، بالإسلاميين وبدونهم..

والكل مخطئ، والإنكار لا يفيد، والاعتراف بالخطأ هو بداية ضرورية لتصحيحه، كما أن الثورة ليست حكرًا علي تيار بعينه، ولكل مصري الحرية في اختيار الفعل الثوري الذي يناسبه!

غير أن اللافت جدًا أن صعود منسوب الشوفينية في أحاديث الإخوان يواكب علي الدوام أول احساس بتفاقم الرقعة المتآكلة من الأرض التي يقف عليها الانقلاب، في مثل هذه الظروف، تزداد لهجة الاستعلاء في أحاديثهم ارتفاعًا وذلك الضغط الممل علي نسبة الفضل إلي الذين يدفعون الثمن في الشوارع وجهود إخوان الخارج، ولولا أن الجنرالات لا يحبون الشعر لأجابوهم بشطر بيت المرواني الشهير: ما الذنبُ ذنبُك بل كانت حماقاتي، ولست أنكر ولا يستطيع مصري أن ينكر فضل المتظاهرين في إرباك الانقلاب واختزال هامش المناورة ورج وضعية الثبات التي حاول الوصول إليها مبكرًا، لكن في العام الأول فقط!

المضحك أن من يحملون وحدهم جوازات سفر المدينة الفاضلة لا يستطيعون حتي الآن توحيد رؤية حول مستقبل حراكهم ولا غايته، ثورة أم معارضة، و “الشيخ وقت” يلفظ أنفاسه، أو يزداد ضمورًا كل صباح علي الأقل، كأن معدلات الإصابة بـ “تناذر ستوكهولم” بين أفراد الجماعة أكثر منها بين بقية المصريين، تلك الحالة النفسية التي يصعب أن يحرر المرء أعماقه منها إلا ببذل المزيد من رياضة النسيان تحت ظلال الديمقراطية، عندما يتعاطف الإنسان مع عدوه، أو يتعاون معه لا إراديًا، وهو تناذر ولد عام 1973من رحم حادثة سطو علي أحد البنوك في العاصمة السويدية، عندما احتجز بعض اللصوص عددًا من موظفي البنك أسبوعًا ارتبط خلاله الرهائن باللصوص عاطفيًا كلون من ألوان الدفاع عن النفس، ودافعوا عنهم بقوة بعد تحريرهم، حالة شبيهة بالحالة العامة للمجتمعات التي تحكمها ديكتاتوريات، لا يولد استسلام هكذا مجتمعات من تلقائه، إنما بالوقوع تحت طائلة ضغوط نفسية باهظة وممنهجة لفترة يُنمِّي خلالها الشعبُ شعورًا بالخوف العميق من النظام، ويألف بمرور الوقت كل أنواع القمع والذل إلي حد يجعل أغلبية الشعب تخاف من التغيير، وترضي بالقليل من حنان الجلاد واهتمامه، إلي حد يبدو عنده أحدهم كطفل صغير قد تلقي هدية كبري متي أنعم عليه الجلاد بفتات من العطف أو البشاشة، وعلي هذه الخلفية، أقسم أني كثيرًا ما رأيت الحبور علي وجه أحد المصريين إذا لاطفه ضابط في أحد الأكمنة أو تبسم في وجهه!

قد يتطور الأمر جدًا فيسكن المصابَ بهذا التناذر إحساسٌ دائم بتوقع الخطر عندما يحاول أحد مساعدته أو إنقاذه، ومع كثرة تردد أفراد الجماعة علي سجون عبد الناصر والسادات ومبارك والآن، وما أنزلت بهم تلك الأنظمة من ألوان القمع، ربما طورت أعماقهم آلية للتعاطف مع السجان، إن لم يكن الأمر هكذا، فبماذا نفسر تورطهم في إغلاق كل باب يمكن أن ينفذ منه فار من خندق 30 يونيو إلي خندق 25 يناير في وقت يتقدم فيه الانفجار بخطي عصبية، والمعركة عسيرة جدًا، واللحظة التاريخية باهظة الحرج، والحماقة كاسمها!

الأغرب أن المكارثية برغم حاجتهم الآن إلي المكارثية في نسختها الصحية لا تعرف إلي مجتمعات الجماعة سبيلاً، ربما في عام “د.مرسي” كانوا مكارثيين أكثر من السيناتور “جوزيف مكارثي”، ومزدحمين بالشك في كل شئ وكل شخص أكثر من الأمريكيين عندما امتلأوا بالشك في أن طابورًا خامسًا من الشيوعيين ينتشر في كل شبر من الأراضي الأمريكية، وانتشرت في لهجاتهم عبارة (الحمر تحت السرير)، إنه الفعل الصحيح في الوقت الخاطئ والفعل الخاطئ في الوقت الصحيح، دعوا “نفايات 30 يونيو تحت السرير” وشأنهم، وتطهروا أولاً من المسكونين بأمراض الماضي وأحقاده الصغيرة، إنها معركة باتساع وطن أنهكه الوجع ينتظر منكم الكثير لا ثأر بضيق جماعة وضواحيها!

أنهي كلامي بقانون “زفر بن الحارث الكلابي” الذي أذابه في هذا البيت:

وقد ينبتُ المرعي علي دِمَنِ الثري .. وتبقي حزازاتُ النفوسِ كما هيا

لكي لا يفلت الوطنُ البالونات كما في الوداع فتسقط في الصخر، يجب أن ينبت المرعي وإن علي الجراح، لنستعيد المصريين العالقين في ستوكهولم أولاً، ولتذويب حزازات النفوس وقت سوف يأتي حتمًا بعد ذلك!

وللحديث بقية..

محمد رفعت الدومي

About محمد رفعت الدومي

كاتب وشاعر مصري ليبرالي
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.