كوكب الجواسيس؟

لم يكن أحد ليظن أن إدوارد سنودن أو «تلك الذبابة الخارجة من أقبية وكالة الاستخبارات الأميركية» كما يصفه بيني ويليامز، mussسيطلق هذا القطيع من الفضائح التي تجتاح سمعة الولايات المتحدة مثل قطيع من الفيلة الهائجة، بعدما كشف أن هناك عمليات تجسس أميركية شاملة على الاتصالات الهاتفية وعلى الرسائل الإلكترونية لمعظم زعماء الدول وعلى المواطنين داخل أميركا وخارجها.

آخر الاعتراضات جاءت من كندا التي كشفت أن الاستخبارات الأميركية تنصتت على الزعماء الذين حضروا قمة العشرين الكبار، وهؤلاء معظمهم من حلفاء أميركا، والمثير أن هذا الأمر حصل بعد انفجار فضيحة التنصت الأميركي على 80 زعيما عالميا بمن فيهم أنجيلا ميركل التي تخضع مخابراتها للمراقبة الأميركية منذ عام 2002، وهو ما يؤكد أن سياسة «الأخ الأكبر» لن تتوقف في واشنطن مهما بلغت الاعتراضات الداخلية والخارجية!

ولأن من المعروف أن كل الدول تتجسس على كل الدول تقريبا، ليس كثيرا إذا قلنا إننا نعيش في كوكب الجواسيس، ذلك أن تطور وسائل الاتصالات والتقنيات المعقدة للشبكة العنكبوتية لآليات التبادل في كل المجالات المعلوماتية وتحويل الأموال واستعمال الهواتف الذكية (بعضها يستخدم بصمة الإصبع للتشغيل، بما يعني أن لدى الاستخبارات الأميركية وغيرها بنكا عالميا للبصمات بما فيها بصمتك أيها القارئ السعيد) هذا التطور أسقط الخصوصية الشخصية، وما لم يذهب المرء إلى العزلة الكلية في أحد الكهوف أو يغادر هذا الكوكب فإنه سيكون دائما تحت مراقبة «الأخ الأكبر» الأميركي وغيره من الأخوة الجواسيس، بالإضافة طبعا إلى مراقبة عيون أجهزة المخابرات الساهرة على كل شاردة وواردة في بلده.

على سبيل المثال يتبين أن أميركا تنصتت في مارس (آذار) الماضي على 70 مليون اتصال فرنسي و14 مليار اتصال إيراني و12 مليار اتصال أردني و90 مليون اتصال بريطاني، ولا حاجة إلى المزيد من الأرقام المذهلة فيكفي أن نعرف أنه حتى أنفاس كل مواطن أميركي تتعرض للمراقبة.

وقد يكون من الضروري أن نعرف أن نظام «بريسم» الذي تملكه وكالة الاستخبارات الأميركية، وهو الأوسع في مجال الالتقاط والتنصت واعتراض مخابرات الهواتف الذكية ورسائل الإنترنت، يعمل منذ عام 2007 طبقا لاتفاق معروف مع عمالقة شركات الاتصالات، أي أن «ياهو» و«غوغل» و«مايكروسوفت» و«فيس بوك» و«آبل» و«يوتيوب» و«بالتوك» و«آي أو إل»، يؤمن مدخلا خلفيا للوكالة إلى كل اتصال عبرها، فهل من الممكن أن يتمكن المرء في أي دولة أو مجتمع حضري أن يغيب عن أعين «الأخ الأكبر» ورفاقه في الخارج والداخل؟

تقول «واشنطن بوست» إن ما لا يقل عن 300 جهاز استشعار صوتي مثبتة في مساحة 20 ميلا مربعا في واشنطن، وهي ميكروفونات مموهة يمكنها الكشف عن الأصوات عن بعد وتحليلها فورا عبر حاسوب متطور. وتقول «نيويورك تايمز» إن هذه التكنولوجيا مستخدمة في أكثر من 70 مدينة أميركية، ويؤكد الخبير ويليام بيني أن وكالة الأمن القومي تخضع كل المواطنين الأميركيين للمراقبة، وأنها أنهت قبل فترة وجيزة بناء مرفق ضخم بتكلفة ملياري دولار في صحراء ولاية يوتا لمعالجة كل المعلومات التي يتم جمعها!

ما يبدو بمثابة فضيحة في الدول الأخرى، وخصوصا في ألمانيا التي اعترضت بقوة على مراقبة هاتف ميركل، يبدو طبيعيا جدا في أميركا، لا بل إن رئيس لجنة الاستخبارات في الكونغرس مايك روجرز قال: «ليس لحلفائنا الأوروبيين أن يعربوا عن غضبهم إزاء ما يسمونه تجسس الولايات المتحدة عليهم، بل عليهم أن يعربوا عن الامتنان، لأن ذلك يحافظ على أمنهم كما يحافظ عل أمننا». أما عضو الكونغرس بيتر كينغ فيقول إن «هذه العمليات ساعدتنا على الحفاظ على أرواح الآلاف ليس في أميركا وحدها بل في بلدان كثيرة وخصوصا عند الحلفاء الأوروبيين!».

والمثير أن الرئيس باراك أوباما شخصيا رد على انتقادات الأوروبيين بالقول: «أنتم أيضا تتجسسون.. في أي حال سنقوم ببعض التغييرات» هكذا بالحرف.. لكن هيثر كونلي، المسؤول السابق عن الشؤون الأوروبية في وزارة الخارجية الأميركية يقول إن الأميركيين لا يفهمون إلى أي حد يعتبر موضوع التنصت مهما بالنسبة إلى الرأي العام الأوروبي، ولهذا بدا أحيانا وكأنهم يسخرون من ردود الفعل الخارجية على فضيحة التنصت، معتبرين أن الأمر لا يعدو كونه استعراضا مسرحيا!

قد يجدر بالتذكير أن أحد الرؤساء العرب المأزومين حاليا، كان قد زود نيكولا ساركوزي رقم هاتف القذافي بعد فراره وهو ما مكنهم من اصطياده بعدما رصدوا مخابرة من هاتفه الجوال.. ففي كوكب الجواسيس لم يعد من مكان للاختباء إلا في كهف من أيام العصر الحجري!
منقول عن الشرق الاوسط

About راجح الخوري

كاتب صحفي لبناني: جريدة النهار
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.