عملنا ومستقبلنا البائس

المستقبل (حسب المثل السويدي ) هو ما نصنعنهُ اليوم بأيدينا !

و لو شئتم الترجمة الحرفيّة : فالمستقبل موجود بين أيدينا .

(( Framtiden finns i våra händer ))

عملياً تحتاج الشعوب البائسة الى تقليل تكرار نغمة الماضي التليد المجيد

والأحرى نسيانها كلياً كي يتسنّى لها أن تُرّكز ولو قليلاً في صنعِ مستقبلها أو أقلّهُ , عيش حاضرها بطريقة محترمة ومعقولة .

لأنّهُ لم يسبق لي أن سمعتُ ذات مرّة عن اُمّة تُمجّد ماضيها ( بالحقّ والباطل ) وتنسى واقعها الفعلي , إلاّ ووجدتها في النهاية في قاع الحضيض !

فكيف نصنعُ حاضرنا المعقول , ومستقبل أجيالنا المأمول ؟

أ بقرعِ الطبول والأدلجة والجعجعة وخُطب وعّاظ السلاطين ؟

أم بالأماني والأحلام والآمال ,وحدها ؟

أم بالعلم والعمل والبناء والنهوض , في كلّ مناحي الحياة ؟

*********

تعدّدت الأسباب !

لن أتطرّق اليوم الى ثقافاتنا السلبيّة عموماً , وأدياننا وتراثنا وعاداتنا وتقاليدنا ,تلك التي تقود الى (( اُمّ المصائب )) , وأقصد هنا بالتحديد , التكاثر البشري بلا حدود .

أو تلك التعاليم والثقافة الذكورية , التي تُدمّر الطفولة والمرأة وتَحّد من فرصهم للتفكير السليم .

ولن أتعرّض أيضاً لثقافة السرقة من الدولة ( كمالٍ سائب ) أو الفساد العام أو كذب الساسة وخداعهم للشعوب .

أو ظلاميّة رجال الدين وتخريبهم لعقول أبنائنا وتدّخلاتهم الفجّة في حياتنا حتى في تفاصيلهاا المُمّلة .

في الواقع أنا لا أفهم لماذا هؤلاء أحرار طُلقاء حتى لو أفتوا بقتل الأبرياء ,على الشاشات و بالفمِ المليان ؟ أما من قانون يطالهم ؟

بينما عملياً هم يجنوا الأموال الطائلة من خلال فتاويهم الحقيرة .

(هناك برنامج في ال بي بي سي عن ثروات و اُجور الدعاة الطائلة )

فأيّ مفارقة تعيشها مجتمعاتنا في هذا الخصوص ؟

على كلٍ , تلك مواضيع أشبعتها سابقاً كتابة و تحليل وأمثلة حيّة .. وبالأرقام !

اليوم أوّد تخصيص هذهِ الورقة كنظرة سريعة على إنتاجية العامل عندنا لمقارنتها مع عموم العالم .

لنتعرف على حقيقة عملنا ونوعيتهِ , ونوعيّة المستقبل الذي ينتظرنا .

************

كفاءة العمل والعامل

من المعلوم انّ يوم العمل ( عالمياً ) , يتكون من 8 ساعات .

معناها 8 ساعات إنتاج كاملة لا تنقص شيئاً .

ولأنّ الإنسان ليس بالماكينة أو الآلة المُبرمجة .

فقد أضافوا ساعة كاملة توّزع على أجزاء للراحة حسب طبيعة العمل ونوعيتهِ .( هذهِ ساعة غير محسوبة الأجر )

و في أحد المعامل كنّا نحظى بساعة للراحة مُقسّمة 3 أجزاء , هكذا :

( ربع ساعة ….. نصف ساعة …. ربع ساعة )

جزء بعد كلّ ساعتين عمل كاملة وحقيقية !

لأجل / القهوة , قطعة معجنات , سيكارة , تواليت …الخ , حسب العامل

ناهيك عن وسائل الراحة المتوفرة كالموسيقى , وغرفة المساج , والحمامات , وما شابه .

النصف الساعة الوسطى تكون للغداء والراحة .

فمجموع يوم العمل يكون تسع ساعات, لكن ثمانٍ منها خالصة للعمل .

وتلك هي التي تُحتسب فقط ,عند إحتساب أجر العامل .

وبالطبع سيدفع بعدها العامل حوالي ثلث أجرهِ كضريبة للدولة التي تقوم برعاية المحتاجين والعاطلين والعاجزين … وما شابه !

تقريباً نفس هذا النظام مُطبّق في دوائر الدولة المختلفة وحتى في المدارس .

هل هذا نظام خُرافي التطبيق أو مثالي أو مستحيل ؟

لا أدري … أنا أجدهُ نظام عادل ومنطقي .

نعم , صعب قليلاً ومُجهد للعامل , لكن بالمقابل سيتمتع إسبوعياً بيومين راحة إضافةً الى أيام مرضهِ مدفوعة الأجر .

إضافة لشهر إجازة سنوية مدفوعة الأجر بالكامل .

ثمّ أن الشعوب والدول لا تنهض بالمجّان أو بالراحة الدائمة أو بالأماني !

**************

بالمقابل , ماذا نجد في بلادنا العربية ؟

أولاً / معلومة عن البطالة عموماً

في العالم كلّهِ , هناك ما يقرب من 200 مليون عاطل عن العمل .

منهم 20 مليون عربي .

معناها 10 % من عاطلي العالم هم من العرب , هل تصدّقون ؟

بينما عدد العرب تقريباً 300 مليون بالنسبة للعالم أجمع 7 مليارات

تقرب نسبتهم 0,043 % … معناها 43 بالألف , أليس كذلك ؟

الرقمان أعلاه وردا في حديث (( جي رايدر )) , المدير العام لمنظمة العمل الدولية ( الرابط الأول )

وكان ذلك في كلمتهِ أمام مؤتمر العمل العربي المُنعقد في الجزائر.

بالطبع هو لم يتحدّث عن البطالة المُقنّعة في بلداننا , وتلك مصيبة أخطر بحّد ذاتها .

ثانياً / ساعات العمل الناقصة

معدّل ساعات عمل العامل في فرنسا 7 ساعات / اليوم ( برنامج فضائية الجزيرة , لم يتوفر رابطه بعد )

وفي بعض الدول الأوربية الأخرى يصل الرقم الى 8 ساعات بالضبط .

وهناك قول (لستُ متأكد منهُ ) أنّ في اليابان يعملون تسع ساعات , والساعة الإضافية (( خالصة )) لبلدهم اليابان فقط !

بينما معدّل ساعات إنتاج عمالنا ( قطاع حكومي ) كما يلي /

( الأرقام مأخوذة من مواقع مختلفة سأضع بعض روابطها )

في السودان : 20 دقيقة / يوم .. وأحياناً يصل الرقم الى 5 دقيقة / يوم .

( إفادات البرفيسور إبراهيم غندور رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال السودان ) / الرابط الثالث

وستجدون في الرابط معلومات مضحكة حدّ البكاء , كتلك التي تقول 50% من وقت العامل يصرفه على الموبايل , والباقي على الوضوء والصلاة والطعام والشاي والتدخين .

وفي أحد المصارف , تُرِكوا الزبائن واقفين ينتظرون لأكثر من ساعتين

لأنّ أغلب الموظفين ذهبوا لتشييع جنازة زوجة زميل لهم !

في المغرب 22 دقيقة / اليوم

في تونس 32 دقيقة / اليوم

في مصر 30 دقيقة / اليوم ( نفس برنامج قناة الجزيرة )

وبمناسبة ذكر الحبيبة مصر , فقد خفضت بالأمس وكالة (ستاندر أند بورز) التصنيف الائتماني لها إلى التصنيف ( سي ) الذي يُعبّر عن عدم إتباعها لإستراتيجية مُستدامة لإدارة البلاد !

وقالت الوكالة إن ذلك يعني تدهور إحتمالات أن تتمكن مصر من “الوفاء بالتزاماتها المادية وتقوية العقد الاجتماعي وتقليل الضغوط الدولية”.

الرابط الثاني

فالحمدُ والشكرُ للإخوان المتأسلمين وسياساتهم الرشيدة في قتل السياحة مثلاً التي كانت تُمثّل الدخل الأوّل لمصر .

وأصبحت سياستهم الإقتصادية , كما علّق أحدّ الأحبّة المصريين :

بأنّها محض (( شحاته )) من الخارج .

في العراق … الله أعلم ,لم يتوفر الرقم ( لدقائق ) العمل .

لكن يكفي تصنيفهِ في جدول الشفافية ( أو الفساد لو شئتم ) هو 175 من بين 182 دولة .. فالحمدُ لله الذي لا يُحمَد على مكروهٍ سواه !

*******

الخلاصة

لا بيئة العمل عندنا جيّدة ومُريحة وتشجّع على العمل .

ولا عاملنا عموماً متلّهف للعمل والإنبعاث والنهوض .

ولا ثقافاتنا تشجّع وتُفضّل العمل على العبادات وإضاعة الوقت .

( تذكروا في هذا الخصوص المسيرات الإيمانية المليونيّة في العراق وإضاعة ما يزيد عن 40 يوم عمل سنوياً / مقال سابق للكاتب )

ولا بلداننا تتعاون وتتكامل بينها لسّد الفجوات والنقص الإقتصادي .

( تذكروا أراض السودان الزراعية ومياههِ مقابل النفط السعودي وصحرائها مثلاً )

ولا حكوماتنا ( الشريفة ) تُطبّق شيئاً ممّا تُسميهِ سياسات تنمويّة مستدامة

وحتى أجوائنا الحارة عموماً , تضيف عامل جديد ضدّ العمل .

فكيف سننهض إذاً ونلحق بالركب العالمي ؟

لاحظوا أنّي أكره وأمقت التشاؤوم عموماً , فكيف لو كنتُ اُحبّذهُ ؟

******

أخيراً هذا السؤال ( المُعاد ) , كوني لا أجد جواباً لهُ البتّه .

لماذا يلجأ المسلمون المعتدلون عموماً , وحتى المتطرفين منهم ( كالوهابيين والخمينيين ) الى الغرب الإمبريالي الكافراللعين ؟

بينما لا يلجأؤون الى السعودية الوهابية , أو إيران الخمينيّة ؟

أي مفارقة هذهِ ؟

و أيّ تناقض في شخصيّة المُسلم ( المُتطرّف ) أكثر منها ؟

وهل هناك بحراً أعمق من ( خداع النفس ) , لنغرقَ فيه ؟ 

تحياتي لكم

رعد الحافظ(مفكر حر)؟

*************

الروابط

الأول

http://www.al-jazirahonline.com/2013/20130416/ecr36358.htm

الثاني

http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/05/130509_egypt_credit.shtml?print=1

الثالث

http://www.nct.gov.sd/article.php?article_id=36

رعد الحافظ

10 مايو 2013

About رعد الحافظ

محاسب وكاتب عراقي ليبرالي من مواليد 1957 أعيش في السويد منذُ عام 2001 و عملتُ في مجالات مختلفة لي أكثر من 400 مقال عن أوضاع بلداننا البائسة أعرض وأناقش وأنقد فيها سلبياتنا الإجتماعية والنفسية والدينية والسياسية وكلّ أنواع السلبيات والتناقضات في شخصية العربي والمسلم في محاولة مخلصة للنهوض عبر مواجهة النفس , بدل الأوهام و الخيال .. وطمر الروؤس في الرمال !
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

3 Responses to عملنا ومستقبلنا البائس

  1. Kandy says:

    Great goods from you, man. I have be mindful your
    stuff previous to and you are just extremely excellent. I really like what you have received right here, really like
    what you are saying and the way by which you say
    it. You are making it enjoyable and you continue to care for to keep it wise.
    I can not wait to read much more from you.

  2. آزاد كومانو says:

    ماكتبته يارعد هو توصيف باهت لحالة مزمنة يعيشهاالعرب بشكل عام ، ولماذا انت بالذات لم يكن فيك خير لبلدك ؟ الم يكن من الاجدى لك ان تبقى في بلدك لتساهم وعبر ال ( 400 ) مقال في رفع مستوى معيشة اهل بلدك المحرومين من ضروريات الحياة ؟
    ومامعنى انك تعيش في السويد ؟؟ بل ماهي مجالات العمل التي عملت بها ؟؟؟ لماذا تخجل من ذكرها ؟؟؟ وبما انك تعيش في السويد كل هذه المدة فمعنى ذلك بأنك تعلم تماماً بأن الجالية العراقية هي اسوأ جالية في السويد ؟ هل تستطيع ان تنكر ذلك ؟ من سلوكهم المشين الذي يعتمد على الاحتيال للحصول على السوسيال ؟ والسويديون ادركوا ذلك بوضوح ولذلك لم يعطوا العراقيين الاقامة الدائمة ، بل بدؤوا بتسفيرهم لبلدهم بعدما هدأت المشاكل في العراق وكان ذلك بعكس الجالية السورية التي اثبتت وجودها وحضورها واحترامها ولذلك فوراً اخذت السويد قراراً بإعطاءالسورين الاقامة الدائمة
    ولذلك عندما تتحدث عن امور واحوال الشعوب وخاصة عندما تقصد ( المسلمين وحضارتهم ) يجب عليك ان تتأدّب وتلتزم حدود الادب مع شعب عظيم وحضارة اسهمت في تقدم العالم بأسره .
    وانا سأجيبك على سؤالك السخيف الذي لم تجد له جواباً ؟ ان المسلمون المعتدلون لايذهبون لبلدان الكفر اللعين ( حسب توصيفك ) انما الذين يذهبون للبلاد التي ذكرتها هم ( أمثالك من البائسين الذين اتو من بلدان بائسة )
    ومالذي جعلك تهتم بكل هذه السلبيات والمتناقضات في شخصية ( العربي المسلم ) هل انت عربي ؟؟؟ بل هل انت مسلم ؟؟؟؟ لأن هذا الكلام الذي قلته لايصدر من عربي ولا يصدر من مسلم ؟ لأن العربي المسلم يعتقد بأن ( الحياء شعبة من الايمان ) اما من لايعرف الحياء ولا يعرف الادب فإنه يهرف بما لايعرف بل يتنكر لأصله وحسب المثل العربي المعروف ( من تنكر لاصله فلا اصل له ) ا يلا روح …

  3. تمويل says:

    I every time spent my half an hour to read this blog’s posts all the time along with a
    mug of coffee.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.