حرّان.. مدينة ختمت بختم التأريخ‎

عضيد جواد الخميHarranسي

مدينة حرّان ، مدينة قديمة جدا تقع شمالي ارض الجزيرة ، بالقرب من منابع نهر,, البليخ,, احد روافد نهر الفرات على خط طول 39 شرقا وعرض 37 شمالا، غربي مدينة راس العين في محافظة الحسكة ، وشمالي محافظة الرّقة السوريتين، والى جنوب غرب مدينة,, الرُْها ,,(أورهَي ـــ التسمية الآرامية ، اديسّا ـــ التسمية اليونانية، ومركز القيادة المسيحية في عهد الامبراطورية الرومانية) ومدينة حرّان تبعد عن مدينة الرُّها حوالي 45 كم ، وتقع تحديدا في جنوب تركيا مع الحدود السورية ،كما ان مدينة الرُّها والمناطق المحيطة بها ،والتي بضمنها مدينة حران شكلت ولاية تدعى حاليا,, شانلي اورفا,, ، كما ان هناك تسمية سهل حوران في جنوب غرب سوريا مع الحدود الاردنية ، و,, حرّان العواميد, ناحية تقع شرقي مدينة دمشق وتابعة لمنطقة دوما وتبعد عن مدينة دمشق حوالي 25 كم , . وهناك قرية في ريف حلب تدعى حرّان ،واخرى في غوطة دمشق ايضا بأسم حرّان ..
وقد عرفت حران عند الآشوريين باسم: “شاريا”، وعند اليونان “خاران”، وعند الرومان الغربيين “كاريا”، وعند الروم البيزنطيين “هللينوبوليس”، وعند المسلمين باسم “حران”.
كما ان المدينة الحديثة تبعد حوالي 2 كم عن المدينة الاثرية ،
وان تعدادها كمدينة وقرى متناثرة وحسب احصاء عام 2012 يبلغ 72,939 الف نسمة ، وعدد نفوسها كمدينة اثرية الان لايتجاوز 250 فردا من قبيلتين عربيتين عراقيتين هما قبيلة ,,الجميلات,, وموطنهم الفلوجة في الانبار غرب العراق ، والاخرى قبيلة,, البو عجيل,, وموطنهم ناحية العَلَمْ شرق مدينة تكريت شمال بغداد ،وحران ارض سهلية ، مناخها حار صيفا بارد شتاءا،ومعتدل ربيعا ، ويخترقها نهرا صغيرا..كولاب,, احد تفرعات نهر البليخ من نهر الفرات ،مما جعلها مدينة مأهولة،ولخصوبة تربتها وكثرة امطارها،فان الزراعة فيها كانت مصدرا مهما للاستيطان ،الا ان النهر الذي كان يغذي المدينة قد تعرض للجفاف ،مما حدا بسكانها النزوح الى مناطق اخرى.
السؤال الان ،ماهي حران وماهو تاريخها؟
حران مدينة تاريخية قديمة،يمتد تاريخها لالاف السنين ، موقعها الجغرافي الستراتيجي جعلها هدفا للغزو والاحتلال من قبل الاكديين ، البابليين ، الاشوريين ، الهيتيين ، الفرثيين ، الاسكنر الاكبر المقدوني ، الرومان ، الروم البيزنطيين ، السلاجقة ، الايوبيين ، والعرب المسلمين ..
ياتي ذكر حران عندما تفتح كتاب التوراة ،فيقال لك انها مدينة ,, ابراهيم ,, واذا اردت ان تغوص اكثر في اعماقها ستجدها المعبد الكبير لالهة القمر عند القبائل الاشورية ،ولما تسال عن احوالها عند التجار،سياتيك الجواب على انها المركز الرئيسي للتجارة في العالم ، واذا سالت عن اهلها ، فالرد انهم من خيرة العلماء والفلاسفة والمفكرين في التاريخ ، وان سالت من ظَلمها ؟ لتحدّث شلال الدم من سيوف اعدائها..
ان مدينة حران ختمت بختم الماضي ، وبدايتها كانت منذ 2000 قبل الميلاد ، وذكر اسم حران في مجموعة متنوعة من الروايات التاريخية باعتبارها واحدة من المدن الاكثر بروزا في شمال بلاد مابين النهرين ومع ذلك فقد نجد ان المعلومات عن حران شحيحة للغاية عندما يتعلق الامر عن اقرب فترة زمنية لنشوئها ، وقد كشفت عدد من الحفريات تعود الى العصر البرونزي المبكر ، بعض الادلة عن وجود حران في تلك الحقبة التاريخية اي قبل 4000 سنة تقريبا ، كما ان ظهور اسم حران بدا واضحا لاول مرة في رسائل مملكة ماري على الفرات الاوسط ، والتي ذكرت من خلال الرسائل المتبادلة ,, من ان المنطقة حول نهر البليخ ،احتلت في القرن التاسع عشر قبل الميلاد من قبل القبائل شبه البدوية ، وبموجب هذه الرسائل التي كانت بين الملك الاشوري ,, شمشي 1812 ـــ 1797ق.م ,, وولده ,, ايشم ــ اداد ,, كانت حرّان مدينة تابعة للمملكة الاشورية باعتبارها ممر تجاري مهم لموقعها المثالي ،حيث تقع على طول طريق التجارة بين البحر الابيض المتوسط ومنطقة السهول الوسطى لنهر دجلة ،وتقع مباشرة على الطريق من الجهة الشرقية لانطاكية حتى نصيبين ونينوى وصولا الى بابل ، وذكر المؤرخ الروماني ,, اميانوس ,,[ هناك اثنين من الطرق السريعة مختلفة الاتجاه من حران ،احدهما من اليسار يؤدي الى بلاد فارس من خلال ,, حدياب ,, على نهر دجلة ، واخر على اليمين من خلال اشور عبر نهر الفرات] ، ولم تكن حران نقطة تقاطع الطرق الرئيسة والمهمة للوصول الى كل الطرق الاشورية البابلية فحسب ، بل تعداه الى ابعد من ذلك ،حيث سهولة الوصول الى مالطا واسيا الصغرى عبر نهر الفرات شمالا.

في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، قام الملك الاشوري ,, اداد ــ نايراري ,, بغزو قلعة خاراني في حرّان وضمها الى مملكته . وتذكر النقوش الاشورية في الفترة المتقدمة من حكم الملك تغلث فلاسر الاول(1100 ق.م) تشير الى ,, حرانو الاكدية ,, وعبارة [ انا الملك تغلث فلاسر الاول ،ومن دواعي سروري ان اقود حملة طريق الرحلة ،مع وفرة من الفيلة الى قلعة هرّانو الاكدية ]، كما تكشف بعض النقوش الاثرية من القرن العاشر قبل الميلاد ، انه كانت قوانين فيها امتيازات الاعفاءات الضريبية ،والتساهل في بعض الالتزامات العسكرية ، وبينت النقوش ايضا ،بوصف مدينة حران بـ ,, المدينة الحرة ,, وايضا في سنة 736 ق.م ،يبدو ان هناك تمردا او عصيانا من قبل الحرانيين ضد السيطرة الاشورية ، والتي اسفرت عن فقدان تلك الامتيازات ،حتى مجيء سرجون الثاني للحكم في اواخر القرن الثامن قبل الميلاد ، وكانت تلك الامتيازات قد تم استعادتها .
اثناء سقوط الامبراطورية الاشورية ، اصبحت حران المعقل الاخير للملك ,, ابلط الثاني ,, الذي كان قد تراجع من نينوى ، عندما خلع من قبل,, نبوبلاصر وحلفائه الميديين ،في سنة 612 ق.م بعد حصارها لمدة سنتين ، قبل ان تسقط بيد الميديين والبابليين .
اصبحت حران جزءاً من الامبراطورية الميدية بعد سقوط الامبراطورية الاشورية ، وبعدها انتقلت الى يد السلالة الاخمينية الفارسية حوالي في القرن السادس قبل الميلاد،واصبحت جزأ من بلاد فارس وسميت ,,آثورا,,
[التسمية الفارسية لدولة الاشوريين ] بقيت المدينة في ايدي الفرس حتى 331 ق.م ، عندما دخل جيش الاسكندر الاكبر المقدوني المدينة وبسط سلطته فيها . كان سلوقس الأول نياكتور أحد القادة الخلفاء الذين اجتمعوا بعد موت الإسكندر المقدوني في مؤتمر تريباراديس عند العاصي عام321 ق.م لتقاسم الإمبرطورية، وكان أن نال سلوقس الأول ولاية بابل، لكنه ما لبث أن هرب إثر الهجوم الذي شنه القائد أنتيغونوس الأول في العام 316 ق.م على شرق الهلال الخصيب، لكنه عاد في العام 312 ق.م وأعلن بداية الحكم السلوقي رسمياً، وتبع ذلك في العام 305 ق.م بتلقيب نفسه ملكً إسوة بباقي القادة الخلفاء، وجعل من سلوقية دجلة عاصمة لحكمه، وتابع سلسلة من المعارك في شرق الإمبرطورية، وكان أن تخلى بعد صلح عن مناطق قريبة من الهند لصالح دولة ماوريا .
وفي العصر الروماني كانت حران تعرف باسم ,,كاريا,, وكانت معركة كاريا في 53 ق.م بين الرومان والفرس بقيادة الفارس الفرثي سورينا ،وهزم الجيش الروماني تحت قيادة كراسوس الذي قتل على ايدي الفرس
وبعد عدة قرون تمكن الروم البيزنطيين من انتزاع حران من السلطة الساسانية في 296م،وبقيت المدينة في ايدي البيزنطيين حتى عام 620 م . وبعد سنوات قليلة اي في 640 غزت جيوش المسلمين المنطقة ،وبذلك خضعت حران لسلطتهم .
خلال الحروب الصليبية في 7 ايار1104 ،وقعت معركة حاسمة في وادي نهر البليخ ،وعرفت باسم معركة حران ،ووفقا للشواهد الاثرية ،فان الموقع الفعلي للمعركة يكمن بيومين بعيدا عن حران ،فقد تمكن المؤرخان البرت آكن و فوشيه شارتر من تحديد موقع ساحة المعركة في السهل المقابل لمحافظة الرّقة ، وتم اسر ملك الرُّها ,, بالدوين الثالث ,, من قبل قوات الجيش السلجوقي ،وبعد المفاوضات اطلق سراحه وليصبح ملك اورشليم بعد وفاة والده الملك فولك .
تركزت حملات الحروب الصليبية في حران عام 1098م ، ونتيجة لذلك فقدت حران قوتها على يد القائد الكردي المسلم صلاح الدين الايوبي 1138ــــ 1193م ، وتلقت حران الضربة المصيرية النهائية عام1260م عندما غزت جيوش هولاكو خان ،حفيد جنكيز خان المدينة ، حيث دمرت قوات المغول كل المعابد والمدارس وبوابات المدينة وقلعتها، وجامعتها والمرافق الخدمية للمدينة ،تقريبا دمروا كل شئ ، وفرّ سكان المدينة الى المناطق المجاورة مثل ماردين ، والى المدن السورية الحالية مثل حلب ودمشق ،وقسما منهم فر الى شمال العراق ، وتركيا .
بعد الغزو المغولي ، تحولت مدينة حران من اكبر مركز تجاري ،ومعرفي وزراعي الى مجرد قرية صغيرة مهجورة مع عدد قليل جدا من السكان ، وفي عام 1517م ،اصبحت حران جزء من الامبراطرية العثمانية ، ولم تستعد حران نفوذها وقوتها ابدا ،وظلت قرية منسّية تابعة لولاية تركية صغيرة اسمها شانلي اورفـــا … (يتبع)

المصادر
ــــــــــــــــــــــــــــــ
مدينة اله القمر ــــ تمارا م غرين ـــ 1992
فصول التاريخ البابلي ــــ س.سمث ـــ لندن ــ 1924
ظل حران ـــ اوستن كوبك ــ لوس انجلس ــ 2013
حران في العصور الوسطى. دراسات على تضاريسها واثارها ــ ديفد ستورم ــــ دراسات الاناضول ـــ 1952

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.