الرمضان في أوروبا…محاولة للفهم

ramadanmubark

احد الأصدقاء الأعزاء من الشرق الأوسط بعث لي سؤالا عن اجواء رمضان هنا في الدانمارك… في الحقيقة مصطلح “اجواء رمضان” يثير الشجون و يذكرنا بأيام الطفولة و الإصرار على الوالدين على إيقاظنا وقت السحور… نعم لابد ان نعترف ان اجواء رمضان في ايام طفولتنا كان لها سحراً لا يقاوم بمفاهيمها الروحية و الاجتماعية…. صحيح انه في تلك الأيام كانت مجتمعاتنا ما تزال تحتفظ بدرجة كبيرة من البساطة و الهدوء في العلاقات الاجتماعية… لكن كوننا كنّا أطفالاً ربما ايضا جعلنا لا نشعر بكثير من تطورالتعقيدات السياسية و الصراعات و التجاوزات التي كانت تحدث هنا و هناك… ما كنّا نلاحظه ان الناس كانت تتبادل الزيارات و مشاركة المؤكولات مع الجيران و الابتسام رغم حرارة الجو و الجوع و العطش… كانت الناس تتحمل الصيام برحابة صدر في محاولة لتحدي الذات و إثبات القدرة على العطاء و الحفاظ على الروح الطيبة… و اعتقد ان هذه الحالة كانت تعكس روح فلسفة الصوم التي تمارسها مختلف الثقافات و الأديان منذ أزمان بعيدة قبل ان يظهر الاسلام و يبني نظامه الاجتماعي الذي ادخل فيه العامل الاقتصادي بشكل مباشر و عميق بحيث اصبح يشكل ما يمكن تسميته الاقتصاد السياسي في المناسبات الدينية و منها رمضان و الأعياد و مواسم الحج و الاحتفالات بزيارات قبور الأئمة و الصالحين …الخ… و هي مواسم مختلفة و طرائق مختلفة للاحتفالات في مختلف المجتمعات المسلمة و لكن أجوائها العامة كانت تتشابه مع بعضها البعض و كذلك تتتشابه ايضا مع احتفالات ثقافات ديانات اخرى في بقاع مختلفة من العالم… و لكن المسلمين طوروها بشكل كبير و منظم بحيث تشمل ابعاداً اخرى غير البعد الروحي الفردي او الاجتماعي المؤقت ( مع احترامنا لكل من لديه اعتراض على هذه الرؤية…احقا سأكتب مقالة عن مفهوم الاقتصاد السياسي “الاسلامي” و علاقته بالتطور الرأسمالي و الأحداث السياسية)…

المهم في هذه المقالة هو وضع تصور عن “اجواء رمضان” في المجتمعات الغربية التي مبدأياً لا تختلف كثيراً عن الأجواء المحيطة في المجتمعات المسلمة من توجهها العام حيث ينتشر العنف و الطائفية و التشرذم …و لكنها تختلف في اختزاليتها و انغلاقها عن التقسيمات العمودية و الأفقية في مجتمعات و تجمعات المسلمين… هناك مظاهر لا يمكن ذكرها لشدة الاحراج و قضايا اخرى قد يخلق الحديث عنها أزمات نحن في غنى عنها… لكني احاول ان اعرض بعض الملاحظات التي قد يزعل الكثيرين لكن كل نقد مرحب به… في كل الأحوال المقالة هي محاولة لفهم ما يجري خاصة ان مجتمعات المسلمين في الغرب لا تعكس فقط التطورات المؤسفة في العالم الأسلامي و خاصة الشرق الأوسط … و لكنها قد تشكل قوة دافعة لتفاقم تلك الأوضاع هناك… يكفي ان نتذكر حملات جمع المتطوعين …. رجالاً و نساء… للمشاركة في حروب الشرق تحت رايات جماعات مثل داعش و النصرة و غيرهها بالاضافة الى العمال التي تندرج قانونيا تحت بند قوانين ما يسمى بمكافحة الاٍرهاب و التطرّف …

اولا… اود ان ابدأ بالتأكيد أنني لست فقيها و لا أريد ان أناقش الأمور الفقهية الا أني اعتقد ان هناك مؤشرات تشكل تجاوزاً مع الخط العام لمفهوم “اجواء رمضان” التي تعلمناها سابقاً… لا شك ان الأشياء تتغير باستمرار و لابد ان التغييرات ذهبت عميقاً حتى شملت المفاهيم و تطبيقاتها الا ان بعض السلوكيات تبدو فاضحة و غير قابلة للدفاع عنها الا اذا اخذنا بالاعتبار تطور المنظومة الدينية ” القيادات او الشيوخ و الاتباع”… هذه المنظومة التي تشكل عالماً يبدو في كثير من مظاهره و كأنه ينمو خارج نطاق المجتمع البشري عموماً بكل تناقضاته و صراعاته و نجاحاته و انكساراته…

ثانياً… رغم ان الفلسفة العامة للصيام المبنية على تجارب الشعوب في كافة الثقافات و الأديان و منها الاسلام هو فعل الخير و التفاعل الاجتماعي البناء الا ان احد مظاهر هذه السلوكيات المهيمنة في العقود الاخيرة هو خلق الشلل التام لدور المسلم في مجتمعه في فترة ” اجواء رمضان”… و كأن المسلم لا ينتمي الى الارض و قوانينها الطبيعية و تطور التاريخ البشري و دوله و مجتمعاته و أوطانه …. الخ…

شخصياً حدث ان كنت خلال العقدين في زيارات لبلدان مختلفة في العالم الاسلامي خلال شهر رمضان و قد لمست هذا الشلل بصورة واضحة في دوائر الدولة كما في المحال التجارية الخاصة… المشهد العام ان ترى العامل “او العاملة” جالساً نائماً على كرسيه و بيده نسخة من القرآن… لا يقوى على فتح عينيه و لا القيام بأي شيء… مرهق تماماً لانه لم ينم طوال الليل حتى السحور ثم جاء الى محل عمله و هنا غرق في قراءة الذكر و القرآن مع غفوات طويلة…. اما حالة التوتر العصبي و محاولة تبرير التجاوزات اليومية على أساس على ان الموقف او الطبيب او سائق التاكسي… الخ.. صائم و يجب ان نجد له … او لها… العذر…. فذلك امر لا يستقيم مع أبداً مع مبادئ أساسية في النظم الدينية و الاخلاقية و في قوانين اي مجتمع مثل الأمانة و المسؤلية و احترام الاخر…

من حيث الحق الإنساني يمكن فهم صعوبة تحمل الانسان للجوع و العطش و الإرهاق و حاجته الى الراحة…..لكن السؤال هو كيف يمكن اعتبار اجرة هذا الموظف النائم ” مرتبه” حلالاً طالما انه لا يقدم شيئاً لعمله..؟؟.. سؤال قد يجد الشيوخ تأويلات كثيرة له لكن المشكلة ان لا احد يجرؤ ان يطرحه و طبعاً لا شيخ يشعر بالمسؤولية للحديث عنه….هذا يعني بشكل ما ان الصيام تحول من قيمة إيجابية فعالة صانعة للحياة الى قيمة سلبية صانعة للفشل و مشرعنة للعجز الاجتماعي… اي انه تحول من مفهوم تحدي الذات و مشروع للتواصل مع الآخرين و معرفة الثغرات في العلاقات المجتمعية و العمل على بناء الجسور… تحول الى فوضى اخلاقية تعلم الناس السلبية و اللا أدرية و الأنانية و الانعزالية و الانغلاق … و من دور اقتصادي و تجاري فعال ( بغض النظر عن تقييمنا للتجارة و الفعاليات الاقتصادية من حيث موقعها في تطور النظام الرأسمالي)… الى اتكالية عاجزة معتمدة على استنزاف المجتمع…. و من نظام الغنيمة التقليدية التي كانت طاغية في مجتمع العرب قبل الاسلام ( كما تقول الرواية العامة للتاريخ مع احترامنا للمعترضين) الذي كان يفترض المشاركة في العمليات من قتال و جمع السبايا و الممتلكات و الذي شرعنه الاسلام وفق رؤية و تأويل مختلف …. الى نظام الغنيمة المطلقة الذي يعني عدم بذل اي جهد و انتظار توزيع الخيرات و الغنائم من قبل الآخرين…

ثالثاً…. اذا كان نظام الغنيمة المطلقة يمكن ملاحظته في كثير من المجتمعات في الدول الأسلامية من خلال البطالة المقنعة و الاهمال المتعمد في “اجواء رمضان”…. فان كثيراً من المجموعات الاسلامية المتدينة في دول الغرب قد جعلته قانوناً دائماً و ثابتاً… اي انهم يشرعون التمتع بكل الخيرات المتوفرة من أموال و سكن و سكينة و نساء يتم استغلالهن قبولاً او اغتصاباً متزوجات كن او غيره بالاضافة الى مجانية التعليم التي لا يقتربون منها كثيراً خوفاً من التعلم ( ربما على مذهب بوكو حرام اي التعلم حرام ) و مجانية العلاج في المستشفيات المليئة بمرضاهم صدقاً او ادعاءً و السجون و المقاهي و المراقص و المناطق السياحية التي تعج بها بهؤلاء الذين يحرمون احترام القانون و الاعراف فتراهم ينثرون القمامة في كل مكان و لا يحترمون قوانين السير و لا قانون الضرائب…. و في أحسن الأحوال يعتبرون أهل البلد خنازير و أهل كفر…

نعم رغم كل هذه النعم فان بعض الجماعات الدينية لا تتوانى في تحريم حتى ابسط انواع المشاركة في المجتمع … مثلا المشاركة في الانتخابات التي يعتبرونها حراماً شرعاً…!!!… هذا التحريم لا يكتفي بالفتاوى بل يأخذ شكل عملي فتراهم ينظمون نقاط سيطرة في الشوارع حيث تقف مجموعات تشبه مجموعات الامر بالمعروف في السعودية و عند مرور اي شخص يشكون به انه من الشرق الأوسط او من اسيا او افريقيا فانهم يوقفونه و يأمروه بعدم المشاركة في الانتخابات فإذا ذكر الشخص انه غيره مسلم فانهم يعنفونه بانه خنزير و كلب… اما اذا كان مسلماً و تحدى أوامرهم فيتم تكفيره و الاعتداء عليه جسدياً…

رابعاً…. اجواء رمضان تستخدم لحث الناس على كراهية أهل البلد و تكفيره المجموعات الاخرى من المسلمين… هذه الحالة ربما نجدها في بعض الدول الاسلامية ايضا… لكن الامر عند المجموعات المسلمة في الدول الغربية يبلغ حدوداً ابعد و اكثر عمقاً…. كما ذكرناه أعلاه… المشكلة في الدول الاسلامية قد يتعلق بمستوى التعليم الديني او الفقهي لدى الجماعات الاسلامية… اما في الغرب فان اغلب الجماعات الاسلامية يهيمن عليها أفراد يملكون مستوى بسيطاً جدا من التعليم العام بحيث انهم ليس فقط لا يعرفون شيئاً عن الفقه الاسلامي و تاريخه … بل ان بعضهم للأسف لا يفقهون شيئاً …. بحيث ان المراقب يجد تناقضات رهيبة بين كل كلمتين ينطقون بها…. فلا هم يعرفون شيئاً عن المنطق و لا عن العلاقة بين ما يقولون و الواقع… اغلبهم يكون قد حفظ بعض أقوال القدماء و يقرؤها دون ان ينتبه الى أمور بسيطة مثل كيف بدأت القصة التي يرويها و كيف انتهت…

المشكلة ان الذين يجتمعون و يستمعون و يسمعون هذه القصص و يمنحون هؤلاء الشيوخ الطارئين الشرعية الاجتماعية هم أغلبية المسلمين عدداً و لكنهم يشبهون اؤلائك الشيوخ في مستوى و منطق الأشياء …. و هكذا فأن “اجواء رمضان” هي للأسف مجالس يحدث فيها كل شيء عدا ما يتعلق بالمفهوم الأخلاقي و الفلسفي للصيام و النقاء و التضامن الإنساني … هذه المجالس هي مؤتمرات رجالية للحديث عن خداع السلطات في سرقة الأموال بحيل قانونية و اكاذيب مفتعلة و البحث عن زوجات مؤقتة… اما النساء فان أحاديثهن تتعلق غالباً عن النفاق و نميمة عن هذه و تلك و عن الذهب و الأموال المنقولة الى بلدانهم الأصلية لشراء العقارات … اما الأطفال فأمرهم متروك للشارع و السرقات و المخدرات و العنف …

اخيراً… كما ذكرنا هناك المئات من المظاهر السيئة و الإسهاب فيها يحتاج الى مجلدات و ليس مقالة… أتوقف هنا لكن لا بئس ان نتذكر انه قديماً مد بعض العرب خطوط التجارة في مناطق شاسعة عن موطنهم و ساهموا في نمو الاقتصاد في العالم …. تعلموا من الآخرين و نشروا افكارهم و معتقداتهم و منها الاسلام ( البعض الاخر نشر الاسلام بالسيف) و بذلك ساهموا ايضا في التطور الاجتماعي و الثقافي و خلق ميكانزمات الارتباط بالتطور الاقتصادي و منها اجواء رمضان…. اما اليوم فان الأغلبية من تجمعات المسلمين تنشر أشياء اخرى منها ثقافية تتعلق بالعنف بكل اشكاله و منها السياسي و رفض الاخر و منها اقتصادية تتعلق بإنشاء عصابات الاجرام و تجارة المخدرات….

مقارنة اخرى … في العالم الاسلامي يثور الاسلاميون و غيرهم بسبب الفقر و التهميش و الجوع… في الغرب يتمرد المجموعات الدينية الاسلامية بسبب التخمة و التنعم و الفرص التي يرفضون استغلالها لتحسين دورهم في المجتمع… و المضحك المبكي ان الجميع يبني تأويلاته على أساس الاسلام رغم ان العوامل الدافعة للثورة هناك و التمرد هنا هي متناقضة و متعاكسة… هذه هي أحجية ما سميته “عالم خارج قوانين الارض و تاريخ البشر”…

المشكلة ان حجم هذه المجموعات ( شيوخاً و جمهوراً) و دورهم السلبي يؤدي الى تهميش دور الألاف من العمال و المثقفين و الفنانين و الأطباء و المهندسين و خريجي الجامعات عموماً ممن يعملون و ينتجون و يساهمون فعلاً في آليات التنمية و التطور في المجتمعات الغربية… دون ان ينسوا اهلهم في العالم الاسلامي…

و الأدهى ان هذه الجماعات الدينية تقوم … بوعي او غير وعي…بتأكيد دعاوى القوى اليمينية المتطرفة في الغرب من ان الاسلام و الديمقراطية لا يلتقيان و ان الالتزام بالإسلام ( الذي يقدمه هؤلاء) هو مؤشر قاطع على ان المسلمين بالغالب الأعم هم طفيليون لا مستقبل لهم الا في دولة داعش…!!!… و رغم ان قوانين البلدان الغربية و خاصة في أوروبا توفر كل الحق و الاحترام لجميع الأقليات بما فيهم المسلمين و لخصوصيتهم الثقافية و لشعائرهم الدينية … فان الرؤية الواقعية لتطور العلاقات لابد ان تلاحظ ان “اجواء رمضان” … كما هي الحال مع صلاة الجمعة و الاحتفالات الدينية الاخرى…. تصبح مناسبة أساسية و كبيرة لخلق المزيد من الشقاق بين أهل البلد و الضيوف “ثقيلي الدم” من الشرق أوسطيين …لان اغلب هؤلاء يعيشون في “عوالم هلامية”… تقبل الله صيامكم و محبتي للجميع…


About اكرم هواس

د.اكرم هواس باحث متفرغ و كاتب من مدينة مندلي في العراق... درس هندسة المساحة و عمل في المؤسسة العامة للطرق و الجسور في بغداد...قدم الى الدنمارك نهاية سنة 1985 و هنا اتجه للدراسات السياسية التي لم يستطع دخولها في العراق لاسباب سياسية....حصل على شهادة الدكتوراه في سوسيولوجيا التنمية و العلاقات الدولية من جامعة البورغ . Aalborg University . في الدنمارك سنة 2000 و عمل فيها أستاذا ثم انتقل الى جامعة كوبنهاغن Copenhagen University و بعدها عمل باحثا في العديد من الجامعات و مراكز الدراسات و البحوث في دول مختلفة منها بعض دول الشرق الأوسط ..له مؤلفات عديدة باللغات الدنماركية و الإنكليزية و العربية ... من اهم مؤلفاته - الإسلام: نهاية الثنائيات و العودة الى الفرد المطلق', 2010 - The New Alliance: Turkey and Israel, in Uluslararasi Iliskiler Dergisi, Bind 2,Oplag 5–8, STRADIGMA Yayincilik, 2005 - Pan-Africnism and Pan-Arabism: Back to The Future?, in The making of the Africa-nation: Pan-Africanism and the African Renaissance, 2003 - The Modernization of Egypt: The Intellectuals' Role in Political Projects and Ideological Discourses, 2000 - The Kurds and the New World Order, 1993 - Grøn overlevelse?: en analyse af den anden udviklings implementerings muligheder i det eksisterende system, (et.al.), 1991
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.