“التشيّع” وتجنيس الشيّعة في “سوريا الأسد”…بحثٌ نادرٌ حول الأرقام والأهداف والسيناريوهات (2-2)…

موقع اقتصادmuf91

أصدر ناشطون من السويداء بيانا رفضوا فيه تجنيس 40 ألفا من التابعية اللبنانية والعراقية.

مخطط الأسد يتناغم مع المشروع الجيو-طائفي في لبنان

تتابع “اقتصاد”نشر الجزء الثاني من بحث “كيف يتلاعب الأسد بالمعطيات الديموغرافية في سوريا؟…تجنيس الشيعة”، الذي أعده حسين باكير، الباحث في منظمة البحوث الإستراتيجية الدولية

(USAK)

أنقرة- تركيا، والمنشور في مجلة “المجلة”.

وفي الجزء الثاني من البحث يركّز الباحث على مسألة تجنيس الشيعة في سوريا قبيل تفجر الحراك الثوري عام 2011، ومن ثم خلاله، لينتقل بعد ذلك إلى تحليل أبرز السيناريوهات التي يسعى نظام الأسد لتنفيذها اعتماداً على ملف التشيّع وتجنيس الشيعة في سوريا.

وخلال العرض يمرّ الباحث على سيناريو وَصل “الدويلة العلوية المتخيّلة” بمناطق الشيعة في لبنان عبر القصير، وبالعراق المحكوم شيعياً عبر بادية حمص، والذي سبق أن فصّلته “اقتصاد” في مادة لها بعنوان “حمص في قلب الهلال الشيعي”.

وفيما يلي الجزء الثاني من البحث المذكور:

تجنيس الشيعة قبل وبعد الثورة السورية

تشير التقارير المتوافرة الى أنّ نظام بشّار الأسد قام منذ توليه السلطة بمنح الجنسيّة السوريّة لآلاف الشيعة (البعض يقصر الرقم على 20 ألفا والبعض يرفعه إلى 740 ألفا حتى اليوم) خاصة من الإيرانيين والعراقيين. وقد سهّل من ذلك، وجود قرار سياسي، وازدياد نفوذ إيران في داخل سوريا، عبر:

• اعتماد الأسد على قوّة إيرانيّة خاصّة لحمايته وحماية النظام، وتعمل جنبا إلى جنب مع وحدات ماهر الأسد.

• الدور الذي تحتله السفارة الإيرانيّة في عملية التأثير على القرار السياسي في سوريا بل وصناعة القرار الأمني إلى حد كبير، والصلاحيات الكبيرة التي تحظى بها السفارة والقيّمون عليها كما بالنسبة إلى كل من يرتبط بها وبشكل يتجاوز السلطات الرسمية السورية نفسها.

• زيادة نسبة تدفّق الإيرانيين إلى سوريا بنسبة فلكيّة خاصّة الذين يأتون لأغراض دينيّة، فقد ارتفع عدد الزوار الإيرانيين لمقام السيدة زينب لوحده في دمشق من 27,000 في العام 1978، إلى 290,000 في عام 2003.

• ازدياد الشيعة المستقرين في سوريا لاسيما من العراقيين والإيرانيين واللبنانيين، خاصّة أنّ تقارير مفوّضية الأمم المتّحدة العليا للاجئين

(UNHCR)

أشارت إلى أنّ عدد العراقيين في سوريا زاد عام 2007 عن 1.2 مليون (18 مليون عدد السكان آنذاك)، علما أنّ تقريرا كان قد صدر عن المفوّضية أواخر عام 2005 أشار إلى أنّ نسبة الشيعة من اللاجئين العراقيين في سوريا بلغ في ذلك العام 57%. (في السنوات اللاحقة تغيرت النسبة تباعاً).

ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، وتصاعد الحملة العسكرية التي يشنها النظام السوري على المدن والقرى والبلدات السورية وعلى القاطنين فيها من المدنيين، تحوّلت الكثير من هذه المناطق إلى مدن أشباح خالية من سكّانها، وقد أثار قيام النظام بمنح الجنسيّة السورية لأعداد كبيرة من الشيعة مؤخرا الكثير من المخاوف والهواجس المرتبطة بسيناريوهات المرحلة المقبلة، خاصة أنّ ذلك جاء مترافقا مع قيامه بالتركيز على عملية إبادة وتهجير ممنهجة لبعض المناطق، وأتبعها بإحراق العديد من مراكز تسجيل الملكيات ومباني التسجيل العقاري كما حصل مؤخرا في حمص.

وقد أصدر ناشطون سوريون من السويداء بيانا في 15-7-2013 رفضوا فيه مشروع تجنيس ما يقارب 40 ألفا من التابعية اللبنانية والعراقية خصوصا –غالبيتهم من عناصر “حزب الله” اللبناني والعراقي المقاتلة إلى جانب النظام وآخرين مدنيين- ومنحهم نسباً ﻣﻦ عاﺋﻼﺕ الجبل ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻓﺔ ﻭاﻷﺻﻠﻴﺔ من سكان المحافظة ومحيطها لإخفاء عمليات التجنيس، وكذلك استملاك أراضي وتوزيعها عليهم.

أبعاد تجنيس الأسد للشيعة اليوم

وبغض النظر عن الرقم الحقيقي للمجنّسين، فإن الثابت أنّ هناك عمليات تجنيس حصلت وتحصل للشيعة لاسيما اليوم، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار المعطيات التي تم ذكرها في سياق التقرير أعلاه، فمن الطبيعي الاستنتاج أنّ الرقم سيكون كبيرا. أمّا لماذا التركيز اليوم على منطقتي حمص والسويداء، فذلك لعدد من الأسباب أهمها:

1) الأهداف العسكرية: الهدف من التجنيس في هذا الإطار هو تهيئة الأرضية الشرعيّة والقانونية للميليشيات المقاتلة إلى جانب النظام السوري في حربه التي يشنها على المواطنين، وبالتالي فإنه يرفع من فعالية الاستفادة القصوى من هذه الميليشيات ليس في هذه الفترة فقط وإنما في المستقبل.

إذ من المعروف وفقا للعديد من التسريبات أنّ النظام السوري سيطالب في حال بدء أي عمليّة مفاوضات برحيل كل المقاتلين الأجانب الموجودين داخل الأراضي السوريّة كشرط أوّل، وفي هذه الحالة فإنه يقصد المجموعات التي تقاتله ويستثني منها المجموعات التي تقاتل إلى جانبه؛ لأنّها تكون بموجب القانون سوريّة بعد تنفيذ لعبة التجنيس التي يقوم بها اليوم.

ومن المعروف اليوم أنّ هناك عشرات الآلاف من أفراد الميليشيات الشيعيّة التي أتت من الخارج للمقاتلة إلى جانب النظام السوري لاسيما من العراق ولبنان والتي تضاعف عددها خاصّة بعد دخول حزب الله على الخط، وبعد توقيع الحكومة العراقية والسورية اتفاقا لرفع التأشيرة بين البلدين، والذي كان الهدف منه تسهيل مرور الميليشيات الداعمة للنظام بشكل شرعي بما لديها من عتاد وأسلحة.

يتناغم مخطط الأسد مع المشروع الجيو-طائفي في لبنان، والذي يباشره حزب الله منذ سنوات طويلة، والذي أكتسب زخما بعد العام 2006. إذ عكف خلال السنوات الماضية ولاسيما بعد العام 2006 على شراء أراضٍ من الطوائف الأخرى السنة والمسيحيين والدروز بمساحات هائلة.

2) الأهداف السياسيّة: يدخل تجنيس الميلشيات الشيعيّة أيضا في إطار الحسابات السياسيّة القادمة للنظام السوري لمرحلة ما بعد العام 2014 إذا ما ظل صامدا حتى حينه، وقرر التجديد لنفسه من من خلال الدخول في انتخابات حينما تنتهي ولايته وفق الدستور الحالي في 17/7/2014.

وعلى الرغم من أنّ هذه الكتلة التي تم ويتم تجنيسها قد لا تكون مهمة جدا من ناحية العدد إذا ما أخذت بالمقارنة بعدد المواطنين السوريين أو الناخبين السوريين، لكنّها مهمة جدًا إذا ما أخذت في سياق:

• تهجير ملايين السوريين حيث من المتوقع أن يصل عدد المهجّرين إلى حوالي 3 ملايين نهاية العام 2013، ولكم أن تتخيلوا حجم هذا الرقم في نهاية عام 2014 إذا ما استمرت الأوضاع على ما هي عليه اليوم.

• هناك معلومات تشير إلى إمكانية أن يقوم النظام أيضا باستغلال المهجّرين داخل سوريا واستخدامهم كأداة أيضا في خطّته هذه من خلال العمل على استقطابهم في مخيّمات داخل سوريا يقيمها هو بنفسه، خاصة مع إعلان الحكومة السورية بداية الشهر الحالي أنّها أقامت بالفعل 830 مركزا يؤوي 170 ألف مواطن من المهجرّين. وإذا ما أضيف هؤلاء إلى المتجنسين وموالي النظام، في ظل غياب الطرف الآخر خارج البلاد فإن المعادلة ستختلف بالضرورة.

• إمكانيّة توظيف هذه الكتلة من المجنسين (مع غيرهم) في إطار مواضيع تتعلّق باستفتاءات قد تكون قادمة، أو في تغيير الخريطة الديمغرافيّة لبعض المناطق بعينها لأهداف تتعلق بسيناريوهات إقامة دولة علوية أو ربما لاحقا في مرحلة سوريا المستقبل إذا بقيت موحدّة (كوضع الشيعة في لبنان من حيث التبعية لإيران واستخدامهم كأداة).

3) أهداف جيو-طائفية: إذا ما لاحظنا الأماكن التي يقوم النظام السوري بالتلاعب الديمغرافي فيها، فسنجد أنّها تتركّز أساسا في محافظة حمص وفي منطقة السويداء جنوب سوريا.

ويبلغ تعداد حمص حوالي مليوني نسمة نصفهم في مدينة حمص تقريبا، وتتوزع التركيبة الطائفية لحمص (حوالي 70% سنّة والباقي علويين ومسيحيين). هجّر معظم السنّة والمسيحيين، في المقابل لم يهجّر أي علوي، بل بالعكس، جُلب شيعة وعلويون من مناطق أخرى ليسكنوا في غير مناطقهم في حمص، وهو بذلك يضمن:

• إعطاء عمق داخلي للدولة العلويّة المفترضة على الساحل السوري في السيناريوهات التي ما زلت مطروحة بالنسبة للنظام، على اعتبار أنّ الشريط الساحلي لوحده لا يمتلك مقومات دولة، وليس لديه أي عمق وسيكون محاصر من السنّة.

• وصل هذه الدولة المفترضة بالشريط الشيعي داخل لبنان (شرق وجنوب لبنان) وذلك عبر غرب محافظة حمص، على اعتبار أنّ منطقة غرب حمص على الحدود اللبنانية حلقة وصل بين علويي وشيعة سوريا (المنتشرين على الساحل السوري وأطراف حمص)، بشيعة لبنان في (الهرمل والبقاع).

• التمهيد في مرحلة لاحقة ربما ووفقا للمتغيرات الميدانية والعسكرية على الأرض من مد مساحة وجغرافية هذا الامتداد الطائفي إلى شرق سوريا ومحاولة وصله بالعراق، وهو الأمر الذي من شأنه أن يبقي المشروع الشيعي الإيراني حيّا، ويتحوّل السنّة في سوريا ولبنان والعراق إلى أسرى للحصار الشيعي وليس العكس.

ويتناغم هذا المخطط مع المشروع الجيو-طائفي في لبنان، والذي يباشره حزب الله منذ سنوات طويلة، والذي أكتسب زخما بعد العام 2006. إذ عكف خلال السنوات الماضية ولاسيما بعد العام 2006 على شراء أراضٍ من الطوائف الأخرى السنة والمسيحيين والدروز بمساحات هائلة، وبطريقة ممنهجة تحت أغطية متعددة، منها التجاري ومنها الاستثماري ومنها الإنمائي، لكنّها كانت حقيقة من أجل إنشاء امتداد طبيعي للشيعة الموجودين في جنوب لبنان وأولئك الموجودين في البقاع والهرمل، ووصلهم أيضا بالشيعة الموجودين في سوريا وعلويي الساحل السوري.

وعلى الرغم من أنه يصعب قراءة اختيار النظام في اختيار السويداء كمكان لاستيطان المجنسين الجدد، إلا أنه من الممكن تخمين بضعة احتمالات، ومنها:

• كونها منطقة أقليات، والأقليات أقل ممانعة لهكذا مشروع كما يعتقد النظام.

• زرع النظام سابقا لمهاجرين شيعة خاصة عراقيين في منطقة درعا القريبة.

• لكون المنطقة قريبة نسبيًّا من الحدود مع إسرائيل فهي ورقة ممتازة للمراوغة مستقبلا سواء في سيناريو شبيه بالسيناريو اللبناني، من حيث ابتزاز إسرائيل أو في سيناريو مقايضة تأمين أمن إسرائيل بالموافقة عبر هذه المنطقة بمقابل الموافقة على سيناريو دولة علوية في الساحل وحمص.

• إقناع الأقليات خارج دولة الساحل بانّهم لن يتعرضوا لأي أذى مع وجود هؤلاء المسلحين كضمانة لهم في سوريا مقسّمة.

أيّا يكن السبب الحقيقي، فإن ما يجري اليوم من تحولات لا بد وأنّ يترك ندوبه العميقة على الجسد السوري، وما لم يتم الانتباه إلى هذه الجروح الغائرة وتطهيرها مستقبلاً مع سقوط النظام في أسرع وقت، فإن معالجتها ستصبح شبه مستحيلة مع تحوّلها إلى سرطان يفتك بالجسد السوري.

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.