يوميات صحفي … سائق تاكسي 8

يوميات صحفي … سائق تاكسي 8

محمد الرديني

صحفي طباخ

لا الكلمات ولاغيرها تستطيع ان تصف لحظة ان تلتقي  بشخص يشاركك نفس المهنة بعد غياب طويل عنها وفي بلد غريب، تتعرف على اسمه ويتعرف هو عليك ويسألك ماذا كنت تعمل قبل ان تكون سائق تاكسي وتقول له:
كنت صحفيا.
يطلق صيحة تعجب قائلا:
ما اصغر العالم وانا صحفي ايضا.
وتتبادلان التحية بحرارة هذه المرة، هو يسأل وانت تجيب، او انت تسأل وهو يجيب، تستغرقان الطريق، حيث يقيم هو، حديثا دافئا عن مهنة المتاعب ولاينسى وهو في غمرة الحديث ان يدلك على الشارع المؤدي الى بيته.
ولكن ، ستقف شعرات رأسك حين يقول لك وهو يمسد صلعته الحمراء :
نعم انا صحفي طباخ.
وتعتقد للوهلة الاولى ان حظه مثل حظك، انت قادك الى (التاكسي) وهو الى المطبخ ولكن الامر بدا غير ذلك.
لم يكن الوقت يسمح لنا باستمرار الحديث فقد وصل الصحفي ( الطباخ) الى بيته وليس من المعقول ان اشغله وهو صحفي نما وترعرع على غير ما ترعرعنا عليه، اذ لو كنا من طينة واحدة لرمى الطلاق على زوجته ان لم ادخل الى بيته واشرب القهوة رغم ان الساعة تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل او في ابسط الاحوال يظل جالسا في السيارة يحدثني عن مشروعاته وتقاريره الصحفية و(الخبطات) الصحفية التي حققها في الشهر الماضي ولكنه صحفي من طينة اخرى فحين وصل الى بيته ابتسم بود وتمنى ان نلتقي ثانية بعد ان تبادلنا بطاقات التعارف .
لم نحدد موعدا للقاء مرة ثانية ولكن الموعد جاء في حفل عام. فقد وصلتني دعوة من جمعية الصحفيين في نيوزيلندا لحضور حفل استقبال للصحفي جون برامسفيلد للتوقيع على كتابه الجديد(لماذا نطبخ قي بيوتنا) .
وكنت اعرف ان جون برامسفيلد هو الصحفي الطباخ الذي تعرفت عليه قبل اسابيع.لاحاجة للقول اني عرفت بعد ذلك انه صحفي معروف يشرف على ملحق فن الطبخ الذي يصدر كل يوم اثنين من احدى كبريات الصحف النيوزيلندية.
حضر الحفل جمهور غفير، وكلهم – الا مجموعة قليلة جدا من العرب المدعوين- من الصحفيين النيوزيلنديين الذين جاء العديد منهم من خارج اوكلاند.
انهمك برامسفيلد في التوقيع على كتابه الجديد بعد ان وقف الحاضرين في طابور طويل ينتظرون دورهم وعلى وجوههم ترتسم ملامح الاهتمام وحين يصل الواحد منهم الى حيث يقف برامسفيلد وراء منضدته يضع تبرعه المالي في صندوق خاص  ويصافح برامسفيلد ثم يأخذ نسخته من الكتاب وعلى وجهه ابتسامة عريضة.
سيضحك رؤساء تحرير الصحف في الدول العربية ملء اشداقهم ، وسينتهزون هذه الفرصة لشحذ اقلامهم والكتابة لشهور عن هذا الخبر الطريف ، بل ان مديرا للتحرير اعرفه جيدا سينبطح على الارض ويصفق  برجليه كعادته كلما عثر على خبر مضحك، وسيقول للمحررين بعد دعوتهم لاجتماع طارىء انه عثر على خبر سيهز العالم.
حرص الجميع على شراء الكتاب والتأكد من وجود توقيع الصحفي الطباخ  عليه، ولم تبق الا قلة ومنهم انا ظلت بعيدة عن الطابور ولا ادري هل كانت هذه القلة تخاف مثلي – واقولها بصراحة- من المتنبي والمعري والسياب ومظفر النواب حيث تخيلت اياديهم تمتد الينا وتصفعنا حين نجرؤ وتؤنبنا على وضع هذا الكتاب في مكتبتنا.
ويبدو ان هذا الصحفي اللبيب تنبه الى امرنا فابدى كياسة حين قال لنا : انه يعرف الكثير عن عادات العرب حتى انه لاينسى اكلات الكوسة والباميه والباجة والكباب المصري .
ولكني تفاجأت به وهو يتنحى بي جانبا  ليقول لي انه يفكر الآن في العمل في احدى الصحف العربية بنفس الاختصاص ليكتسب خبرة جديدة، اي انه يعْلم ويتعلم، هززت رأسي وربما سمعني ارطن بالقول : انها فكرة لابأس بها.
تخيلت احد رؤساء التحريرفي الشقيقة مصر يقول للصحفي برامسفيلد اثناء مقابلة التعيين : ياحبيبي روح اتعشى خفيف علشان ماتحلمش كتير. اما رئيس التحريرفي احدى الصحف العراقية فسيقول له باقتضاب: احسن لك ترجع الى بلدك  والا ….؟.
اما رئيس التحرير السوري فسيقول له: شو بدك بالبهدلة روح شوف شغلة تانية.
اما رئيس التحرير السعودي فسيحيله الى  احدى المستشفيات العصبية للتأكد من ان خلايا مخه تعمل بشكل طبيعي، اما رئيس التحرير الاماراتي فسيظل مشدوها حتى بعد مقابلة التعيين.
للذين تهمهم التفاصيل الصغيرة اقول ان هذا الصحفي يتقاضى 12 دولارا امريكيا عن كل سطر يكتبه في عموده الاسبوعي ، وتخيلو لو انه كتب مائة سطر كل اسبوع عن ( طبخة) من طبخات هذا العالم.
اتذكر مرة ان صحفية امريكية زارت دولة الامارات بدعوة من احدى المؤسسات الاعلامية وكانت الغاية من زيارتها هي لالقاء محاضرة عن تجربتها في مجال صحافة بريد القراء. لم اكن متحمسا للاستماع الى هذه التجربة فقد كنت اعرف ان (بريد القراء) الذي تصدره الصحيفة التي اعمل بها يشرف عليه واحد من اكثر الاميين الصحفيين في العالم وكانت ادارة التحرير تبرر ذلك بالقول” انه بريد قراء ليس الا”.
غيرت رأيي في اخر لحظة وقررت الذهاب الى المحاضرة، وياليتني لم افعل فقد صعقت بجلسات كهربائية لا ادري كم عددها طيلة وقت المحاضرة.
فقد عرفت ان هذه السيدة تشغل منصب رئيس التحرير لشوؤن القراء ولاداعي للاحتكام لخيالكم لمعرفة ماذا يعني ذلك.
قالت الصحفية الامريكية:
“يعمل معي سبعة صحفيين متخصصين في متابعة مايكتبه القراء وتحرير مواضيعهم. نبدأ عملنا بالاجتماع الصباحي لاستعراض جميع الرسائل الواردة ويتم اختيار رسالة او اثنين لتحتلان رأس الصفحة الاولى. ثم نأتي بعد ذلك لمناقشة موضوع العمود اليومي الذي اكتبه من خلال الافكار التي كتبها القراء واذا لم نتوصل الى موضوع العمود فهناك ثلاثة من الصحفيين عليهم الانتشار في المقاهي القريبة من مبنى الجريدة والاستماع الى حديث الناس اليومي  وهمومهم الاجتماعية والعودة قبل منتصف النهار للاتفاق على موضوع العمود وبعد الاتفاق على العنوان والخطوط العريضة يبدأ صحفي آخرفي البحث في الارشيف او مكتبة الجريدة او حتى شبكة الانترنت لدعم موضوع العمود بالاحصائيات والارقام وتصريحات المسوؤلين في الصحف الاخرى حول نفس الموضوع.
تابعت الصحفية القول:
في الساعة الثانية عشرظهرا يكون العمود جاهزا للنشر بعد ان يستمع اليه مدير التحرير المختص وهو نادرا مايعترض عليه. خلال ذلك يكون بقية الصحفيين قد اكملوا تحرير رسائل القراء الاخرى ودفعها الى الطباعة مباشرة.
المشهد الاخير
كانت فرصة امام الصحفيين الذين حضروا اللقاء ان يهتموا بتجربة هذه الصحفية والاستماع اليها باهتمام ولكنهم بدلا من ذلك صبوا جام غضبهم عليها وكأنها – لكونها امريكية- المسوؤلة عن ضياع فلسطين  وتخلف المواطن العربي وتنصيب رجال في الحكم لا ناقة لهم ولا بعير فيه. كانوا يعتبرونها الهدف الذي نزل من السماء ليرشقوه يالشتائم، وهل عندهم غير ذلك؟ انها نظرية المؤامرة على كل حال.

About محمد الرديني

في العام 1949 ولدت في البصرة وكنت الابن الثاني الذي تلاه 9 اولاد وبنات. بعد خمسة عشر سنة كانت ابنة الجيران السبب الاول في اقترافي اول خاطرة انشائية نشرتها في جريدة "البريد". اختفت ابنة الجيران ولكني مازلت اقترف الكتابة لحد الان. في العام 1969 صدرت لي بتعضيد من وزارة الاعلام العراقية مجموعة قصص تحت اسم "الشتاء يأتي جذلا"وكان علي ان اتولى توزيعها. في العام 1975 التحقت بالعمل الصحفي في مجلة "الف باء" وطيلة 5 سنوات كتبت عن كل قرى العراق تقريبا ، شمالا من "كلي علي بيك" الى السيبة احدى نواحي الفاو. في ذلك الوقت اعتقدت اني نجحت صحافيا لاني كتبت عن ناسي المعدومين وفشلت كاتبا لاني لم اكتب لنفسي شيئا. في العام 1980 التحقت بجريدة" الخليج" الاماراتية لاعمل محررا في الاخبار المحلية ثم محررا لصفحة الاطفال ومشرفا على بريد القراء ثم محررا اول في قسم التحقيقات. وخلال 20 سنة من عملي في هذه الجريدة عرفت ميدانيا كم هو مسحوق العربي حتى في وطنه وكم تمتهن كرامته كل يوم، ولكني تعلمت ايضا حرفة الصحافة وتمكنت منها الا اني لم اجد وقتا اكتب لذاتي. هاجرت الى نيوزيلندا في العام 1995 ومازلت اعيش هناك. الهجرة اطلعتني على حقائق مرعبة اولها اننا نحتاج الى عشرات السنين لكي نعيد ترتيب شخصيتنا بحيث يقبلنا الاخرون. الثانية ان المثقفين وكتاباتهم في واد والناس كلهم في واد اخر. الثالثة ان الانسان عندنا هو فارزة يمكن للكاتب ان يضعها بين السطور او لا. في السنوات الاخيرة تفرغت للكتابة الشخصية بعيدا عن الهم الصحفي، واحتفظ الان برواية مخطوطة ومجموعة قصصية ويوميات اسميتها "يوميات صحفي سائق تاكسي" ومجموعة قصص اطفال بأنتظار غودو عربي صاحب دار نشر يتولى معي طبع ماكتبت دون ان يمد يده طالبا مني العربون قبل الطبع. احلم في سنواتي المقبلة ان اتخصص في الكتابة للاطفال فهم الوحيدون الذين يقرأون.
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.