يقولون ما لا يفعلون

كامل النجار

هناك بعض أمراض نفسية تصيب المريض بإنفصام في الشخصية، فيتصرف بشخصيتين متضادتين، فقد يظهر المريض في وقت ما بمظهر الشخص الوقور المتزن، ثم بعد ساعات يظهر بشخصية القاتل المتعطش للدماء، وقد يقتل من يصادفه في الطريق دون سابق أي معرفة بينهما. الإنكليز يصفون مثل هذا الشخص بأنه

Dr Jekyll and Mr Hyde

 الذي خلده الروائي الاسكتلندي روبرت لويس ستيفنسن في روايته التي تحمل نفس العنوان.
وهذا بالضبط هو حال الإسلام وشيوخه المتاجرين به والدول الإسلامية. ولا يخفى على أحد أن الأمة العربية أمة صوتية تعتمد على الخطب الجوفاء التي تجافي الحقيقة في أغلب الأوقات. ولذلك يتفوه فقهاء الإسلام ووعاظ سلاطينه بعدة كليشيهات محفوظة منذ مئات السنين، رغم أنها لا تعكس جوهر الإسلام. وبما أن الكذب والخديعة مباحان لهم، فقد أجادوا تمثيل دور دكتور جيكل ومستر هايد. ويظهر هذا جلياً في مؤتمراتهم العديدة التي ينامون في أغلبها ويخرجون لنا في النهاية ببيان ختامي لا يسمن ولا يغني من جوع. ولا يسع المرء إلا أن يسأل لماذا تنفق السعودية ملايين الدولارات على المؤتمرات الإسلامية لا تقدم، بل تؤخر من شأن الأمة.
ففي مايو (أيار) من العام الماضي (2009) استضافت السعودية، لمدة 3 أيام المؤتمر الثامن لاجتماعات وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية، وذلك في محافظة جدة تحت عنوان: «الأمن الفكري ودور وزارات الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في تحقيقه»، بمشاركة 62 دولة، حسب ما جاء في الشرق الأوسط. وناقش المؤتمر عدة موضوعات، أبرزها:
– خطة الارتقاء بالمساجد موقعا ورسالة،
– وخطة إصدار كشاف عن الأوقاف في العالم الإسلامي،
– والتجديد في الفكر الإسلامي والخطاب الديني بين الثوابت والمتغيرات،
– ودور الدعوة الإسلامية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية،
– وحوار الأديان والحضارات،
– ومشروع برنامج الوسطية منهج وحياة،
– والتنصير في بلاد المسلمين،
– وتقرير حول تقدم العمل بصندوق الاستثمار في ممتلكات الأوقاف بالبنك الإسلامي،
– وتقرير عن إنجازات المشاريع التنفيذية لتنسيق جهود الدول الإسلامية في الأوقاف.
ونظرة سريعة لعدد هذه المواضيع المدرجة في أجندة المؤتمر تقنعنا أن المؤتمرين لن يجدوا وقتاً كافياً لدراسة وتمحيص كل هذه الأجندة في الثلاثة أيام التي يضيع نصفها في العناق والتقبيل والوضوء والصلاة.
(وأكد الشيخ صالح آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد السعودي ورئيس المجلس التنفيذي للمؤتمر، على أن رسالة المسجد تأتي الدعامة الأساسية لبناء الأمة الواحدة في عقيدتها وأخلاقها وآدابها, فالمسجد يترجم رسالة الإسلام، وهو طريق لجمع الكلمة ووحدة الصف، فلا مجال لأن ينحرف المسجد عن هذه الرسالة لأن الإسلام جاء ليربي في الأمة العزة.) (الشرق الأوسط، 22 مايو 2009).
وقد تقاضى الشيخ عن حقيقة أن المسجد، ومنذ أول يوم دخل فيه محمد المدينة وبنى مسجده، أصبح المسجد أداةً للفرقة والشقاق بعد أن بنى بعض المسلمين مسجداً آخراً ودعوا محمداً ليصلي فيه، فسماه محمد مسجد الشقاق، وأمر بهدمه. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت المساجد مكاناً للنيل من الخصوم المذهبيين، كما حدث أيام معاوية بن أبي سفيان عندما استعمل مساجد الشام والعراق لسب على بن أبي طالب ومؤيديه، ومن بعده استمر ابنه يزيد على نفس المنوال، بينما استعمل عبد الله بن الزبير مساجد المدينة لسب يزيد الذي سموه بالفاسق، وكما يحدث الآن في مساجد الشيعة في العراق وإيران واليمن والبحرين وباكستان، والتي يُسب فيها عمر وأبو بكر وعائشة، ويقابل ذلك مساجد أهل السنة في بقية البلاد الإسلامية التي يُسب فيها “الروافض”. ولذلك تمنع السلطات الدينية أقامة مساجد للبهائيين في مصر، وللشيعة في المملكة السعودية. فكيف يقول الشيخ صالح آل الشيخ إن المسجد هو طريق لجمع الكلمة ووحدة الصف؟ وهل توحد صف المسلمين منذ إنعقاد مجلس سقيفة بني ساعدة؟ والكل يعلم أن مملكة آل سعود وآل الشيخ قد شجعت المساجد على تبني الخط المتشدد وحشو عقول الشباب بآيات الجهاد والحور العين. ولم تتحرك الدولة لضبط المساجد إلا عندما طالتها التفجيرات التي كانت قد عمت جميع أنحاء العالم ونفذها الشباب السعودي الذي تربى في تلك المساجد. ثم ما هي رسالة الإسلام؟ هل جاء ليربي في الأمة العزة، والقرآن يقول (فإن العزة لله جميعاً) (النساء 139، فاطر 10)، أم جاء ليهدي الناس إلى عبادة رب السماء الذي سماهم عبيد الله، بدل أبناء الله. وهل للعبيد عزة؟
ثم أكد الشيخ (على أهمية تكوين قاعدة معلومات شاملة عن الأوقاف تتضمن حصر وتسجيل جميع الأوقاف في البلدان الإسلامية، ليمكن من خلال ذلك حصر وتسجيل جميع البيانات المتعلقة بالأوقاف في العالم الإسلامي، بحيث تكون هذه البيانات مشروعا رائدا ومفيدا في وجود (أطلس كشاف) عن الأوقاف في العالم الإسلامي، يوثق ويحصر ويضبط جميع أعيان الأوقاف، مبينا أن المملكة تقدمت بخطة متكاملة في هذا الشأن خلال اجتماعات الدورة التاسعة للمجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية في دول العالم الإسلامي الذي عقد في الكويت قبل أربع سنوات) (نفس المصدر).
وهذا الطرح يُثبت أن الأمة الإسلامية أمة صوتية فقط. فالمملكة قد تقدمت بطلب إنشاء كشوفات للوقف الإسلامي قبل أربع سنوات في مؤتمر الكويت، ولم يحث شيء بخصوص التوصية، وهاهم يناقشونها مرة أخرى. والسبب أن شيئاً لم يحدث هو أن القائمين على الأوقاف مشغولون بنهبها. ففي عهد المماليك بمصر كان الرجل الغني يهب أمواله اسمياً للوقف، (والأهم من ذلك كله أن يجعل نفسه القائم على الوقف ،أى إن كل أملاكه تكون تحت يده ومحصنة من المصادرة عن طريق التنازل الظاهرى عنها ووقفها صوريا للانفاق على تلك المؤسسة الدينية ، بينما يكون النصيب الأكبر من الدخل له هو ولورثته ، باعتيارهم القائمين على الوقف.) (احمد صبحي منصور، الحوار المتمدن، 17/5/2009).
وفي مصر الحديثة (عندما راى الشيخ الذهبى ما يحدث من سرقة لأوقاف المسلمين حاول التدخل مستخدما سلطته القانونية ضد مرءوسه محمد توفيق عويضة (رئيس هيئة الأوقاف) ، فلم يفلح ، استغاث بمجلس الوزراء فاكتشف أنه يؤذن فى مالطة ، أخيرا لجأ الشيخ الذهبى الى مجلس الشعب ليشكو موظفا يعمل عنده ، وهذه سابقة لم تحدث من قبل ، وتفسيرها أن الشيخ المغلوب على أمره ذهب الى مجلس الشعب ليكشف المستور ليخلى مسئوليته وليرضى ضميره
وعوقب على ذلك بأن إغتالته جماعة التكفير كما يقولون) (نفس المصدر).
وأضاف وزير الأوقاف السعودي ( أن أحد المعلقين من رؤساء الوفود على الورقة، أكد أهمية الطرح، وقال: «لو كانت هذه الورقة لدينا منذ مدة في العالم الإسلامي وبهذه الأفكار، لما ضاع الكثير من الأوقاف) (الشرق الأوسط، 26/5/2009). فيبدو أن سرقة أموال الأوقاف متفشية في جميع الدول الإسلامية.
ثم استمر الشيخ صالح آل الشيخ، فقال: (حثنا القرآن على الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن، فالإسلام يشرع مخالطة الناس والتعامل معهم أيا كانت اتجاهاتهم على أساس القول الحسن والفعل الجميل، ما لم يظلموا أو يعتدوا. وأكد أن «التجديد في أمر الدين، والتجديد في وسائل الإبلاغ، والتجديد فيما يدخل في نطاق الاجتهاد، هذا من واجبات المجتهدين والمصلحين؛ لأنه لولا التجديد أو التحديث ونقل الناس إلى ما هو أفضل من التنظيمات، أو من الاجتهادات الفقهية وما أشبه ذلك، لبقي الناس بعيدين عن هذا الدين) (الشرق الأوسط، نفس التاريخ)
ولغة الشيخ هنا ما هي إلا ترديد للكليشيهات، إذ هي لا تمت لتعاليم الإسلام بشيء. فتعالوا نقرأ ما يقوله القرآن عن مخالطة الناس والتعامل معهم بالقول الحسن. (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم أولياء ولا نصيرا) (النساء 89). وكل ما فعله القوم في مكة أنهم تمنوا أن يكفر المسلمون، وهذا شيء طبيعي أن يتمنى الإنسان أن يكون الآخرون مثله. فالمسلمون عندما يبشرون بإسلامهم يحدوهم الأمل في أن يكفر الآخرون بأديانهم ويعتنقوا الإسلام. ولكن بدل أن يجادل أهل مكة بالتي هي أحسن، أوصى رب الإسلام المسلمين بأن يأخذوا هؤلاء البؤساء ويقتلوهم حيث يجدونهم. وهذا هو الحوار الإسلامي. وكأن هذا لا يكفي، نجد القرآن يحث المسلمين بمقاطعة المسلمين الذين آمنوا في مكة لكنهم لظروف خاصة بهم لم يهاجروا إلى المدينة، فقال عنهم (والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا) (الأنفال 72). فحتى المسلم الذي لم يهاجر مع محمد إلى المدينة لا يسمح الإسلام بتوليهم ومعاملتهم كأصدقاء. وأوصى محمد أتباعه في المدينة عام تسعة هجرية، أن يقاطعوا الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فأصبحوا مختلفين. ومع ذلك يقول لنا الشيخ (حثنا القرآن على الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن، فالإسلام يشرع مخالطة الناس والتعامل معهم أيا كانت اتجاهاتهم). ولا يسعنا هنا إلا أن نقول للشيخ، كما قال قرآنه (كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون) (الصافات 3).
ويقول الشيخ (لولا التجديد أو التحديث ونقل الناس إلى ما هو أفضل من التنظيمات، أو من الاجتهادات الفقهية وما أشبه ذلك، لبقي الناس بعيدين عن هذا الدين)، فما هو التجديد والاجتهاد الذي قام بها فقهاء الإسلام منذ القرن الثاني عشر الميلادي عندما أقفل فقهاء الكوفة باب الاجتهاد؟ فهل ما اصدره مجلس البحوث بالجامع الأزهر من العلاج ببول الرسول ورضاع الكبير يُعتبر اجتهادا وتجديداً؟
ويستمر الشيخ فيقول (إن الإسلام هو دين القوة كما أنه دين السلام، وهو دين الاعتدال والحوار والاحترام للآخر.) ياله من إدعاءٍ أجوف. احترام الآخر هو قوله (حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون).
(وشدد المؤتمرون على أهمية الاتصال مع الآخر، كون الغرب دأب على أن يقدم مصطلحات جديدة ينسبها إلى الإسلام والمسلمين بغرض تغريب الفكر الثقافي الإسلامي وتقديم أجندة خاصة من جانبه عن طريق صياغة مقترحات عن الإسلام في أساسها سيئة السمعة في الغرب مثل الأصولية والإرهاب وغيرها، وذلك نوع من الغزو الثقافي الحوار.) (نفس المصدر)
وهل نلوم الغرب إن صاغ مقترحات سيئة السمعة عن الإسلام بعد أن بنى لهم المساجد وآواهم من خوفٍ وأطعمهم من جوع، ثم جاء الشباب السعودي ليفجر برجي التجارة بنيويورك، وجاراهم الباكستانيون بتفجير قطارات وبصات لندن، وجاراهم الأصوليون الجزائرون والمغاربة بتفجيرات مدريد وباريس؟ ألا يعرف هؤلاء الشيوخ قول الحق، والحديث يقول لهم (قل الحقَ ولو كان مراً) (كنز العمال للمتقي الهندي، ج15، حديث 43572).
(ومن جهته اعتبر القاضي محمود عبد الحميد الهتار وزير الأوقاف والإرشاد بالجمهورية اليمنية أن الأمن الفكري يعد أساسا للأمن المجتمعي، ذلك لأن كل عملية إرهابية لا بد لها من فكر تستند إليه وتنطلق منه أيا كان ذلك الفكر، سواء أن كان دينيا أو غير ديني، مشددا على أن الفكر لا يواجَه إلا بالفكر، وأن المشكلات الفكرية لا تُحَلّ إلا عن طريق الحوار، معربا عن اعتقاده أن الحوار والمناصحة يمثّلان أفضل الحلول لهذه المشكلات.)
وقد أصاب القاضي اليمني في أن الإرهاب لا بد له من فكر يستند إليه وينطلق منه، وأن الحوار هو الحل الأمثل. فمقولة الإسلاميين أن الإرهاب لا دين له، مقولة كاذبة أكد كذبها القاضي اليمني في كلمته، كما أكدنه جميع النفجيرات في العشرين عاماً الماضية، إذ لم يحدث أي تفجير قام به شخص غير مسلم. ولكن لأن القاضي محمود وزير في دولة الإرهاب اليمنية التي تكمم أفواه مواطنيها وتحرمهم الحوار، لم يتعرض الوزير لاعتقال وسجن المعارضين ومنع الصحف من الصدور في بلاده لأن آراءها تختلف عن رأي الحكومة. وكان الأولى به أن يقدم نصيحته تلك للرئيس علي عبد الله صالح الذي يسمح لوعاظ السلاطين المتراكمين حول قصره الرئاسي بأن يصدروا فتاوى تكفر جميع أعضاء الحزب الإشتراكي اليمني.
وقد قالت وزيرة حقوق الإنسان باليمن، السيدة أمة العليم السوسوة، في مقابلة مع الشرق الأوسط: (أتمنى أن تُعطى مساحة من الحريات للمعارضة اضافة للموجودة حالياً، ونحن في وزارة حقوق الانسان نطالب بمساحات أكبر لأن ذلك سيكون في مصلحة اليمن ولأنه من حق كل ألوان الطيف السياسي أن يعبروا عما يريدون من تصورات للمستقبل وأن يكون صوتهم عالياً وأعتقد أنه لا توجد أي حساسية لأن الطبيعي هو تعدد الرؤى ولكن لدى الجميع في النهاية ثوابت في السياسة اليمنية يتفق عليها من هو في المعارضة ومن في الحكومة) (الشرق الأوسط). فحتى السياسة جعلوا لها ثوابت تتفق عليها الحكومة والمعارضة، مع أن السياسة هي فن الممكن، وهدفها مصالح الدولة، وتتغير مواقف السياسيين كما يتغير الطقس في البلاد الغربية، ولا يمكن أن يكون بها ثوابت. لكن يبدو أن ثوابت الإسلام تنسحب على كل شيء له علاقة بالمسلمين.
وأضافت (تلقينا رسالة وجهت إلينا من الحزب الاشتراكي تفيد أن هناك بعض المناهج في التربية والتعليم تدعو لتخوين الحزب وتكفر أعضائه. وبموجب هذه الرسالة قامت وزارة التربية والتعليم بعمل ورشة عمل كاملة منذ ثلاثة أسابيع للبحث في الكتب المدرسية بمستوياتها الدراسية عن هذا المضمون.) (نفس المصدر). وهذا هو نوع الحوار الإسلامي الذي يُكفّر من يختلف عنهم في الرأي ويربي قادة المستقبل على ذلك التكفير بحشو عقولهم بالمناهج التكفيرية.
أما مفتي السعودية الشيخ آل الشيخ فقد قال (إن عالمنا الإسلامي جزء من ذلك العالم، والعالم الإسلامي يشكو من تحالف الأعداء وهجومهم على الإسلام ومن جرأة بعض المنافقين على قضايا الأمة وعبادتها وثوابتها، كما يشكو من ضعف فكري عند بعض أبناء المسلمين مما يستدعي من بعض العقلاء والمفكرين والمسؤولين أن يوحّدوا صفهم ليضعوا الخطط المناسبة لإنقاذ الأمة.) فليت مفتي السعودية يتصل بالرئيس البشير قائد ثورة الإنقاذ الذي أنقذ السودان بفضل أسلمة قوانينه وجلد صحافياته وسجن معارضيه. والشيخ المفتي يجزم أن العالم الإسلامي يشكو من تحالف الأعداء وهجومهم على الإسلام وجرأة المنافقين على قضايا الأمة، ويغمض الشيخ عينه عن تآمر الدول الإسلامية على بعضها البعض وعن نفاق “علمائها” آكلي أموال الأوقاف، وعن فساد حكامها الذين هم أولو الأمر (وأطيعوا أولي الأمر منكم)
فالشيخ هنا يضرب بالحوار عرض الحائط ويتهم المسلمين الليبراليين الذين ينتقدون منهاج الكبت والتعصب في السعودية، بأنهم منافقون يتهجمون على ثوابت الأمة وعبادتها. وليت الشيخ المفتي يعرف أن الحياة ليست بها أي ثوابت غير الجماد. كل شيء من تعاليم وتقاليد وعادات ولغات، يجب أن تتحرك وتواكب عصرها وإلا انقرضت. فحتى الرمال التي تحيط به في الربع الخالي وفي صحراء الرياض ليست ثابتة، بل متحركة مع الرياح.
الورقة الوحيدة في المؤتمر التي تستحق أن تُسمى ورقة، هي ورقة الدكتور المصري سالم عبدالجليل، التي قُدمت في الجلسة السادسة بعنوان «التجديد في الفكر الإسلامي والخطاب الديني بين الثوابت والمتغيرات»، عن أهم وسائل تجديد الفكر الإسلامي، والتي تتمثل في تدريس مادة مناهج البحث العلمي في المدارس والجامعات الإسلامية، والتركيز على نشر البحوث التي تتناول التراث وإخراجه بشكل يتلاءم مع المستجدات العلمية الحديثة، وربط بحوث الدراسات الحديثة بمشكلات العصر. وطلب طرح الحلول القابلة للتنفيذ مثل مشكلات الأمية والفقر والمرض والتخلف والهزيمة النفسية.
ولا أعتقد، رغم ورقة الدكتور سالم، أننا سوف نتخلص من إدعاءات شيوخ الإسلام الفارغة، والتي تتعارض تعارضاً تاماً مع نصوص القرآن والأحاديث. فعقليتهم هي عقلية المنهزم التي تبالغ في إعطاء صورة معاكسة للواقع، كما كان يفعل الإذاعي المصري أحمد سعيد أيام حرب الأيام الستة مع إسرائيل، عندما كان يجهش بالبكاء ويصيح أن الجيوش العربية أضحت على بُعد عشرة كيلومترات من تل أبيب، وتهلل له الجموع المغلوبة على أمرها.
ورغم إدراج فقرة “التنصير في بلاد المسلمين” في أجندة المؤتمر، لم يحتو البيان الختامي عن أي شيء يتحدث عن التبشير. فالتبشير بالنسبة لهم هو السماح لهم بنشر الإسلام في الغرب بالكذب والخداع وزواج النساء الغربيات وتحويلهن إلى الإسلام، أما أن يعاملوا المسيحيين بالمثل ويسمحوا لهم بالتبشير في بلاد المسلمين، فهذا “تابو” يحرّمه الإسلام لأن الدين عند الله الإسلام فقط، ولأن دين الإسلام من الهشاشة بحيث لا يستطيع أن يقف أما التبشير المسيحي. وكم من مسيحي سُجن وعّذب في الجزائر ومصر والسودان والمغرب بتهمة التبشير للمسيحية. الكيل بمكيالين هو القاعدة في بلاد الإسلام، رغم أن القرآن يقول لهم (واوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خيرٌ لكم وأحسن تأويلا) (الإسراء 35). وللأسف فسوف يظل المسلمون يقولون مالا يفعلون، ولذلك أتى فقهاؤهم بمقولة (اتبعوا أقوال العلماء ولا تتبعوا أفعالهم) لأن أفعالهم فعلاً مشينة.

About كامل النجار

طبيب عربي يعملل استشاري جراحة بإنكلترا. من هواة البحث في الأديان ومقارنتها بعضها البعض وعرضها على العقل لمعرفة مدى فائدتها أو ضررها على البشرية كان في صباه من جماعة الإخوان المسلمين حتى نهاية المرحلة الجامعية ثم هاجر إلى إنكلترا وعاشر "أهل الكتاب" وزالت الغشاوة عن عينيه وتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من حقيقة الميثالوجيا الدينية الهدف الوحيد من كتاباتي هو تبيان الحقيقة لغيري من مغسولي الدماغ الذين ما زالوا في المرحلة التي مررت بها وتخطيتها عندما كنت شاباً يافعاً
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر. Bookmark the permalink.

1 Response to يقولون ما لا يفعلون

  1. س . السندي says:

    بداية تحياتي لك ياعزيزي د. كامل النجار وتعليقي …؟
    ١:أولا قول القرأن (العزة لله جميعا ) فهذا خطأ بليغ في النحو والمعنى والصحيح أن يقال ( العزة لله وحده ، أو كلها ؟
    ٢ : أما مسألة حوار المسلمين بالتي هى أحس فهو قول حق يراد به الخديعة ، بدليل أيات القرأن نفسه وأحاديث نبيه التي لم تعد تنطلي إلى على السذج والمغفلين من المسلمين الطيبين ؟
    ٣:أن ألأمة التي لايمتلك أفرادها لليوم حرية نقدها ، أمة لن تقوى على الصمود لتعيش وإن عاشت فعيشة أفرادها كالحمير والكديش ؟
    ٤:إن الدين الذي تحميه سيوف الفقهاء والسفهاء يستحيل أن يكون دين من رب السماء ، والدين الذي يخشى النقد والحجة والمنطق ستحيل أن يكون غير دين البلهاء ، والنبي الذي كان بالأمس صاحب جان وشياطين [ وأسلم هذا الجني على يده (ص) حديث صحيح ] يستحيل أن يكون نبيا كباقي ألأنبياء ، بل ماهو إلا تابع لهم من يوم غار حراء ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.