نحن وأميركا وتشومسكي

حازم صاغية

منطقة الشرق الأوسط ولاّدة لخرافات سياسيّة تؤمّن لنا اكتفاء ذاتيّاً، بل فائضاً، منها. أمّا أن نستورد، فضلاً عمّا نملك، خرافات من الخارج، فهذا كثير جدّاً.

اللغويّ والمفكّر والناشط السياسيّ الأميركيّ نعّوم تشومسكي، الذي يستولي على لبّه العداء لأميركا، قال في القاهرة، قبل أيّام، إنّ بلاده تناهض الديموقراطيّة في العالم العربيّ لأنّ الديموقراطيّة تناقض مصالحها. وعبارة كهذه، شأن كلّ عبارة من طينتها، سرت في ربوعنا كما تسري النار في الهشيم.

في سبيل مزيد من الدقّة، كان يمكن القول إنّ الولايات المتّحدة، إبّان الحرب الباردة، تآمرت حقّاً على تجارب ديموقراطيّة في إيران (مصدّق) وغواتيمالا (أربنز) في سياق صراع بين نفوذها ونفوذها الاتّحاد السوفياتيّ. وهذا الأخير كان، بدوره، معادياً للديموقراطيّة من ألفها إلى يائها. ثمّ بعد الحرب الباردة، ارتكبت الولايات المتّحدة خطأ شنيعاً في موقفها من الانتخابات في غزّة، ففشلت في امتحان من الصعب جدّاً النجاح فيه، بسبب تشابك الديموقراطيّة مع مسألة السلام الذي تتعهّده واشنطن، خصوصاً في ظلّ عدم اعتراف «حماس» بإسرائيل.

لكنّ التعميم على طريقة تشومسكي أقصر الطرق إلى التجهيل.

فأوّلاً وأساساً، هل كانت الديموقراطيّة، في الفترة الممتدّة منذ نشأة الكيانات العربيّة الحديثة حتّى 2005، مطروحة على جدول أعمال الفكر السياسيّ العربيّ؟ هل ظهر تيّار واحد قويّ وشعبيّ في العالم العربيّ يعتبر الديموقراطيّة قضيّته بحيث يمتحن ويتحدّى الموقف الغربيّ، والأميركيّ تحديداً؟ هل كانت القوى المؤثّرة في المنطقة، من الناصريّة إلى الخمينيّة مروراً بالثورة الفلسطينيّة، قوى تسعى إلى الديموقراطيّة؟ وهل كانت بُنى وتراكيب الأحزاب في العالم العربيّ، باليساريّ منها واليمينيّ، ديموقراطيّة؟ وما دام الأمر يتعلّق بالمصالح، فما هي الدول الكبرى التي تتّفق مصالحها مع قيام الديموقراطيّة في العالم العربيّ؟

في هذه الأسئلة يكمن الموضوع الأهمّ، والنتيجة المتحصّلة هنا هزيلة جدّاً. هذا حتّى لا نذكّر بأنّ بعض القوى الأكثر جماهيريّة في التجارب السياسيّة العربيّة، والأكثر عداء للغرب، إنّما وصلت إلى الحكم عبر الانقلاب السياسيّ على أنظمة شبه ديموقراطيّة.

وقد لا يكون من المبالغة القول إنّ التجربة اللبنانيّة، على قصورها، باتت، بعد الانقلابات العسكريّة العربيّة، التجربة الوحيدة القريبة من الديموقراطيّة. وليس الغرب هو الذي اغتال تلك التجربة التي كان يؤخذ عليها «عمالتها» للغرب!

الموضوع المركزيّ هذا هو ما تطرحه بطريقتها الثورات العربيّة الراهنة حين تباشر استعادة السياسة إلى دواخل البلدان، بدل أدغال الجيوبوليتيك العابر للحدود، مؤسّسةً الفرصة الذاتيّة الأولى لاحتمال ديموقراطيّ. غير ذلك يبقي الموضوع تائهاً جوّالاً، لا وظيفة له سوى إعفاء النفس من مسؤوليّاتها وإحالتها إلى أميركا. وكم هو معبّر أنّ أبطال إعفاء النفس من مسؤوليّتها باتوا، بعد تلك الفرصة الجديدة، أكثر جهراً بالعداء للديموقراطيّة «إذا كان هذا ما تعنيه»! (وكان هؤلاء بعد سقوط الاتّحاد السوفياتيّ قد بدأوا يرطنون بالديموقراطيّة رفعاً للعتب).

وفي الحالات كافّة، لا ينمّ أصحاب النزعة تلك إلاّ عن نباهة سياسيّة رفيعة حين يكون خطابهم الموجّه إلى أميركا هو التالي: «نحن نريد أن نحاربك ونضرب مصالحك ونقاتل إسرائيل. فهل أنتِ يا أميركا مع الديموقراطيّة التي لا نريد أن نبنيها؟».

أغلب الظنّ أنّ شبّاننا وصبايانا باتوا أقلّ استعداداً لسماع تلك العظات البليدة والتعميمات الساذجة حتّى لو صدرت عن نعّوم تشومسكي.

نقلا عن صحيفة “الحياة اللندنية”.

About حازم صاغية

كاتب صحفي ومحلل سياسي :الحياة اللندنية
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, فكر حر. Bookmark the permalink.

1 Response to نحن وأميركا وتشومسكي

  1. س . السندي says:

    بداية تحياتي لك ياعزيزي حازم صاغية وتعليقي ؟

    ١: هذا الرجل يقول كلمة حق يراد بها باطل ، لربما كان كلامه صحيحا أيام الحرب الباردة ، أما كلامه اليوم فليس بأكثر من نعيق في مياه أسنة جدا ، بدليل ما أفرزت صناديق ألإنتخابات سواء في غزة أو تونس أو ليبيا أو مصر أو السودان وحتى إيران ، ببساطة لأن الشعوب ألإسلامية لاتطيق الديمقراطية ليس بحكم التخلف والجهل بل بحكم الخلفية الدينية ، فهى شعوب تصنع طغاتها كما تصنع جلاديها ؟

    ٢: بما أن صناديق ألإنتخابات هى عماد أي ديمقراطية سواء في الشرق أو الغرب ، إذن لاعذر بعد ألأن للشعوبنا إذا ما سيقت كالقطيع للسلخ أو الذبح ، لأنها هى من تصنع كما في الماضي حكامها وطغاتها وجلاديها؟

    ٣: لنأخذ مصر مثلا ، لنفترض أنه رشحت 100 إمرة لإنتخابات البرلمان المصري من مجموع 250 مرشحا ، فلو كل نساء مصر إنتخبن من جنسهن وهن نصف المجتمع ، فبالتأكيد سيفوز منهن بالقليل 80 مرشحة ، ومن ثم لابد أن يوأزرهن في حقوقهن 50 رجلا من المنتخبين للبرلمان ، فبعد هذا ألإجتهاد كيف لقوى التخلف والظلام أن تستبيح حقوقهن وحقوق المجتمع المتطلع للحرية والديمقراطية ، إذن لاتلمن النساء إلا أنفسهن كما باقي المجتمع فمن يمل بيدو ألله يزيدو كما يقول المثل الدارج ؟

    ٤: وأخيرا مقولتي { إن الذين يستسلمون لأقدارهم … لابد وأنهم يستحقونها } إذا كفانا إيلام زيد أو عبيد أو رومني بعد فوزه ، لأن الجود من الموجود ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.