طريق واحد أمام الأنظمة الملكية العربية

عماد عبدالله عياصرة  

في ظل الربيع العربي ثبت عملياً –على الأقل إلى الآن- مدى فعالية الأنظمة الملكية في البقاء على قيد الحياة مقارنة بالأنظمة الجمهورية. وما زالت الحكومات الغربية تعمد إلى تسويق هذه الحالة على شكل مبدأ “الاستثنائية من السقوط” من أجل الحفاظ على مصالحها مع تلك الأنظمة؛ ابتداءً من النفط والغاز وصفقات السلاح، وانتهاءً بأبعاد سياسية عسكرية دينية تتعلق بدول الشرق الأوسط ككل.

ربما يجب على تلك الأنظمة عدم الاعتماد على الدعم الغربي في هذا السياق، ففي نهاية المطاف تبقى الشعوب في تلك الممالك هي من يحدد الصورة النهائية لنظام الحكم. وإذا كانت الأنظمة الملكية العربية بصورتها الحالية ما زالت تلقى قبولاً في المجتمعات العربية وحتى المجتمع الدولي، فإن ذلك يرجع إلى قبول فكرة توريث السلطة، كأحد قواعد الحكم الملكي، وليس لأن تلك الممالك أفضل حالاً من الجمهوريات التي سقطت. ففي تلك الجمهوريات حاول القادة تكريس فكرة الأبدية والتوريث في نظام سياسي لا يمكن أن يقبل تلك الفكرة بأي شكل، فبقيت شعوب تلك الجمهوريات تنظر الى الحاكم بوصفه معتدياً على النظام السياسي وليس جزءاً منه. ولهذا عندما سنحت الفرصة سارعت إلى اسقاط زعماء تلك الجمهوريات.

 لقد أخذت شرعية الأنظمة الملكية من عدمها جدلاً واسعاً بين الناس منذ مئات السنين. لكن في نهاية المطاف لا يوجد فكرة تثبت الشرعية بالمطلق أو تسقطها. في المقابل يمكن بسهولة ادراك أن الشعب هو المعيار الوحيد ذو الفعالية في معادلة الدولة؛ فإذا بحثنا في جميع الأنظمة السياسية سنجد أنها أخذت شكلها ونوعها وطريقة عملها من فكرة اعادة ترتيب أولويات الأدوار بين أفراد الشعب.

 ابان فترة العصور الوسطى في اوروبا استمد الملوك شرعيتهم وأحقيتهم في السلطة المطلقة من الله، وبذلك اعتبر كل من يخالفهم يخالف الله بالنتيجة. فكرة هذه الشرعية –وليس بالضرورة السلطة المطلقة- لا تزال حاضرة في العديد من الممالك العربية، فنرى السلالات الحاكمة في تلك الممالك تقدِّم نفسها على أنها تستمد شرعيتها من أبعاد دينية.

 اللافت أن مفهوم الشرعية الإلهية للملوك انتهى في اوروبا عقب ما يعرف بـ “إعلان الحقوق” الذي صدر عن البرلمان الانجليزي بعد الثورة المجيدة بعام واحد أي عام 1689. في ذلك الوقت تضمّن الاعلان أخطاء الملك جيمس الثاني في حق الشعب واشترط على الملك الجديد عدم تكرار تلك الأخطاء وعدم القيام بأي عمل ينتقص من حقوق الشعب. إن الظلم الذي مارسه الملك جيمس الثاني على الشعب وفّر البيئة المناسبة للثورة التي قادها ويليام الثالث حاكم هولندا آنذاك والذي أصبح ملكاً على المملكة المتحدة بعد خلع جيمس الثاني.

 نرى أن الثورة الانجليزية حافظت على الملكية كنظام حكم سياسي منذ قيامها إلى اليوم، فالملكية بحد ذاتها ليست عائقاً أمام الديمقراطية، شرط أن تستمر في التجاوب مع متطلبات الشعب. على العكس من ذلك، فالفرنسيون أرادوا انهاء الملكية؛ بدأ ذلك منذ عام 1774 وحتى عام 1792 والتي هي سنوات حكم لويس السادس عشر، حيث قام خلالها بسلسلة من الأخطاء الاقتصادية والسياسية والتي أشعلت فتيل الثورة الفرنسية عام 1789، ورغم كل ذلك بقيت فرصة تدارك الأمور سانحة أمام الملك لويس، إلا أنه عمد إلى المحاولات المتكررة لإفشال الإصلاحات التي أفرزها إعلان حقوق الإنسان، فانتهى الأمر بإعلان النظام الجمهوري بدلاً من النظام الملكي عام 1792. ورغم أن فرنسا بعد الثورة مرت بمدٍ وجزْرٍ بين النظام الملكي والجمهوري، إلا أن الجمهورية الفرنسية أخذت شكلها النهائي فيما عُرف بالجمهورية الخامسة منذ منتصف القرن الماضي حتى اليوم.

 بخلاف الأنظمة الجمهورية، فالأنظمة الملكية لديها قدرة كبيرة على المناورة السياسية بين الحكم والحقوق، وهذا فقط ما سيجعلها تصمد في وجه الثورات الشعبية؛ فبين تجاذبات السلطة والاصلاحات والتنازلات، يبقى النظام قائماً إلى أن يصل إلى حالة تضمن له الاستقرار والاستمرارية. ففي السويد مثلاً كانت السلطة مشتركة بين الملك والنبلاء حتى عام 1680، وثم عادت لتصبح مطلقة بيد الملك، بعد ذلك دخلت الملكية بسلسلة من الاصلاحات متمثلة بعدة أنواع من الملكية الدستورية كان آخرها عام 1975، والتي تُوِّجت بأن البرلمان هو صاحب السلطة المطلقة وهو من يُعَيِّن رئيس الوزراء والوزراء، وعليه اصبحت السلطة التشريعية والتنفيذية بيَد البرلمان بالتزامن مع سلطة قضائية مستقلة.

 في هذا السياق، من المهم الاشارة إلى أن للشعوب خصوصيتها على جميع المستويات، ولهذا نشهد الاختلاف في طريقة حُكمها وصلاحيات الحاكم فيها. فنظام الحكم الملكي البريطاني يختلف عن نظام الحكم الملكي في السويد من عدة نواحٍ. إلا أنهما –وهذا ما يهم- يتطابقان تماماً في الجوهر وهو أن السلطة في مفهومها النهائي مصدرها الشعب، وهدفها صون الحريات والحقوق. ومن هنا وجَب على الانظمة الحاكمة ان تدرك هذه الحقيقة وتأخذها بعين الاعتبار.

 من المؤكد أن الأنظمة الملكية العربية قامت بتغييرات سياسية واقتصادية كنتيجة طبيعية للربيع العربي. لكن هذه التغيرات لم تخفف من زخم الاحتجاجات، وما زالت تلقى الكثير من الانتقادات كونها لا ترقى إلى طموحات الحرية الحقيقية التي بات الكثير من شعوب الأرض يمارسها. ومع انكسار قيود الخوف بعد الثورة التونسية، وانتشار التدفق المعرفي اللحظي من جميع الجهات، وسهولة التواصل بين كل المجتمعات والأفراد. اصبح من السهل على الشعوب العربية اطلاق العنان لأفكارها وتحديد ما تريد اكثر من أي وقت مضى، ولم تعد تلك الشعوب تقبل بالقليل. وهنا لا بد للأنظمة الملكية العربية أن تستغل قدرتها على التكيف وتتجاوب مع متطلبات شعوبها، فالظروف ما زالت سانحة. ويجب عدم الاعتماد على فكرة الاستثنائية لتحقيق الاستمرارية، وعدم النظر اليها كأمر واقع لا يتغير، وإنما يجب استغلالها كدافع حقيقي للإصلاح والتغيير قبل فوات الأوان؛ فالاستثنائية بحد ذاتها ليس لها قيمة؛ فسابقاً كانت الأنظمة في العراق ومصر وليبيا أنظمة ملكية!

 باحث ومحلل سياسي   نقلت عن ايلاف

>

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.