رسوب حزبَي نصرالله وأوجلان في امتحان الثورة السورية

 بكر صدقي : المستقبل

لا تجمع الحزبين المذكورين في عنوان المقالة أي قرابة أيديولوجية، في حين تفصل بينهما الجغرافيا بمساحات شاسعة، وتكاد صورتهما أن تنتميا لعالمين مختلفين تمام الاختلاف. غير أن الثورة السورية حشرتهما في موقف واحد، فكشفت عن تشابهات مذهلة بينهما. لكي تصح المقارنة سنتكلم عن الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني المسمى “حزب الاتحاد الديموقراطي”

(PYD)

 بقيادة صالح مسلم.

لا أحد يصدق مزاعم هذا الحزب عن استقلاليته عن الحزب الأم بزعامة عبد الله أوجلان المسجون لدى السلطات التركية منذ العام 1999، على رغم تصريحات قادته المتكررة بهذا المعنى. في حين أن حزب الله يجهر بولائه لولي الفقيه في إيران ويفخر قائده حسن نصر الله بذلك. يجمع الحزبين إذأً أنهما غير وطنيين، فلا حزب الله لبناني، ولا حزب الاتحاد الديموقراطي سوري، بصرف النظر عن جنسية أعضائهما. ففي حين يتلقى الأول استراتيجياته السياسية من النظام الحاكم في إيران، يتلقى الثاني أوامره مباشرةً من القيادة الميدانية لحزب العمال الكردستاني التركي المتمركزة في جبال قنديل شمال العراق.

ويجمع الحزبين، ثانياً، كونهما مسلحين إزاء خصوم منزوعي السلاح. حزب الله الذي تفرد بالاحتفاظ بسلاحه بعد اتفاق الطائف (1989) يملك قرار الحرب والسلم في لبنان الذي لا تملكه الدولة اللبنانية، ويجلس إلى ما يسمى “طاولة الحوار الوطني” مع شركاء لبنانيين رافضاً طرح شرعية سلاحه على أجندة “الحوار”، وحين يجد الجد يستخدم هذا السلاح لفرض الغلبة الداخلية عليهم. حزب الاتحاد الديموقراطي يكرر تقديم البروفايل نفسه في “كردستان الغربية” (المناطق ذات الغالبية السكانية الكردية في سوريا) التي يتخذها وحدة سياسية قائمة بذاتها، بخلاف ادعاءاته المعدة لتخفيف الحرج عن شركائه في “هيئة التنسيق” المؤمنين بأمة عربية واحدة على أرض عربية مديدة، تشمل في ما تشمل كردستانين على الأقل من الكردستانات الأربعة أو الخمسة. فهو “منفتح على الحوار” مع الأحزاب الكردية في سوريا والسلاح في يده، ويوقع معها مجتمعة اتفاقات ومعاهدات ملزمة لها غير ملزمة له، كمثال “اتفاق هولير” الذي وقعه الطرفان في تموز 2012 برعاية بارزاني، ليواصل بعده حزب أوجلان السوري قمعه لشركائه في “الهيئة الكردية العليا” التي انبثقت عنه.

ويجمع الحزبين، ثالثاً، علو صوتيهما، المستمد من السلاح الذي يمسكان به، في وجه خصومهما المتهمين في الحالين بالعمالة والخيانة. فجماعة 14 آذار اللبنانية خائنة بنيوياً في خطاب حسن نصر الله. هل يمكن لوم الرجل في هذا أمام استحالة ولاء سُنَّة لبنان وموارنته ودروزه لإيران الفارسية الشيعية؟ الرجل يطالبهم بالخضوع لأوامر وليه الفقيه لكي يرفع سيف التخوين والعمالة لإسرائيل عن أعناقهم، ولم يبقَ إلا أن يأمرهم باعتناق المذهب الشيعي واللغة الفارسية. أما صالح مسلم فيتهم الأحزاب الكردية في سوريا بالعمالة المباشرة لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، ما لم يحملوا السلاح دفاعاً عن نظام الأسد، تحت قيادة مراد قرة يلان الذي يخوض القسط المطلوب منه في معركة مصير النظام السوري، من جبال قنديل.

ويجمع الحزبين، رابعاً، ادعاءهما الإيديولوجي بالدفاع عن “قضايا عادلة” على رغم كل التآكل الذي نالها عبر الزمن، وغالباً على أيديهما بالذات. فحزب الله الذي حاول التعمية على هويته الطائفية بسعيه إلى تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، وجد نفسه في ورطة وجودية بعد الانسحاب الإسرائيلي من طرف واحد من ذاك الجنوب، ربيع العام 2000، فانتقل إلى هدف آخر مستحيل التحقيق هو تحرير فلسطين من النهر إلى البحر رغم أنف الفلسطينيين، حتى لو تطلب منه الأمر الإطاحة بالدولة اللبنانية أو إنشاء خلايا سرية في مصر. أما اندلاع الثورة السورية في منتصف آذار 2011، فقد أفقدت الحزب الإيراني في لبنان بوصلته تماماً، ليتبين أن ما عناه حسن نصر الله بـ”ما بعد بعد حيفا” ليس سوى مدينة حمص السورية أو الزبداني في ريف دمشق التي يقتل فيها “مجاهدو” الحزب على يد كتائب الجيش السوري الحر أثناء تأديتهم “واجباتهم الجهادية” المباحة لهم، المحرَّمة على “جبهة النصرة والجهاد” وغيرها من المجموعات المسلحة المناهضة لنظام الأسد (ألأن “الجهاد” الشيعي حلال و”الجهاد” السني حرام؟ أم لأن الأول حركة تحرر وطني والثاني إرهاب، على ما ذهبت إليه رطانة سمجة لحافظ الأسد الذي أعيته الحيلة في إقناع الغرب بهذا التمييز العبقري؟ يحتاج الجواب على هذه الأسئلة الفلسفية العميقة تناولاً مستقلاً ينوء به هذا المقام).

أما حزب صالح مسلم المنضوي في إطار “هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديموقراطي في سوريا” بقيادة القومي العربي حسن عبد العظيم والماركسي المدافع عن حقوق الإنسان هيثم مناع، فقد أعاد تعريف نفسه ودوره في سوريا بدالة الثورة السورية بطريقة متناقضة. فهو من جهة “معارض” لنظام الأسد كما يزعم، ويريد “تغييره” بواسطة الحوار معه، في مؤتمرات “المعارضة الداخلية الشريفة” المنعقدة في دمشق، رافضاً أي “تدخل خارجي” للإطاحة به باستثناء التدخلات الروسية – الإيرانية، ويقوم من جهة أخرى بالانقضاض على أي تظاهرة سلمية في المناطق الكردية يطالب فيها المتظاهرون بالحرية وإسقاط النظام.

ولا تقف تناقضات خطاب الحزب وممارساته عند هذا الحد، ففي الوقت الذي يؤكد على وطنيته السورية بالقول إن كرد سوريا ينتمون أصلاً إلى الجغرافيا التركية، وإنه لا مطمع إنفصالياً لدى الكرد بما خص الأراضي السورية، يقيم ما يسميه “مجلس شعب غربي كردستان” ويحرِّم على عرب سوريا المنخرطين في الثورة ضد نظام الأسد دخول “المناطق الكردية” الخاضعة لحكمه العسكري، مقابل حمايته المسلحة لمواقع أجهزة المخابرات التابعة لعائلة الأسد في “غربي كردستان” ذاتها. بعبارة أخرى: حين يتعلق الأمر بالثائرين ضد النظام يوصفون بأنهم “عرب” (أي أجانب بالنسبة للكرد). أما حين يتعلق الأمر بأجهزة النظام وشبيحته فهم “سوريون” (أي أخوة في الوطن). بالمقابل يبدو الكرد الرافضين لسلطة الأمر الواقع المسلحة لحزب العمال الكردستاني “عملاء أردوغان” ويكاد يصفهم الحزب الكردستاني بأنهم أتراك. ولا يتمتع بجنة الهوية الكردية النقية غير عناصر الحزب التي تنفذ الأوامر بطاعة عمياء، فتقوم باغتيال “عملاء أردوغان” المفترضين هؤلاء بضمير مرتاح دفاعاً عن “قضية كردية” لا نعرف من ملامحها غير تحرير عبد الله أوجلان من أسره في السجون التركية.

يمكننا إطالة قائمة المقارنة بين الحزبين كثيراً، ولكن إذا أردنا الاختصار قلنا إن الثورة الشعبية السورية ضد النظام العائلي المافيوي الحاكم، ضيَّقَت هامش المناورات الكلامية أمام حزبي الله وأوجلان، فلم يعد أحد يحمل ادعاءاتهما الإيديولوجية أو سفسطاتهما حول “القضايا” على محمل الجد، فبات عليهما أن يتحدثا بلغة بشرية مفهومة، فيقولا مثلاً إن “قضيتهما التكتيكية” المشتركة هي الدفاع المستميت عن النظام السوري حتى سقوطه المحتم، و”قضيتهما الاستراتيجية” هي الهيمنة الشيعية على لبنان لصالح إيران من جهة، وتحسين شروط سجن عبد الله أوجلان من جهة ثانية.

هذه دعوة إلى قادة الحزبين لترجمة كلامهما إلى اللغتين العربية والكردية على التوالي، على أمل أن يقوم حوار مثمر حقاً بينهما على ضفة، وسائر العالم الواقعي على الضفة الأخرى

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

1 Response to رسوب حزبَي نصرالله وأوجلان في امتحان الثورة السورية

  1. سردار أحمد says:

    موضوع ملئ بالمغالطات ومفصل على المقاس الذهنية العربية الإقصائية
    الكرد لم يكونوا بعثيين او متطوعين في الجيش الاسدي حين كان الآخرون يتشرفون بالبعث والجيش المفيش ابو شحاطة
    ومع بداية ما يسمى بالثورة ولتكون الثورة على مقاس اردوغان والشيخ حمد وحكاة آل سعود بدأ الاعلام العربي ببث سمومه لتشويه صورة الشعب الكوردي حتى وصلى بنم الحال لربط الكورد بالسلطة ، مع ان الكورد طيلة حياتهم كانوا يعاملون على الهوية، انا مثلا اشتكيت على احدهم بتهمة السرقة عندما كنت اخدم الخدمة الاجبارية وفي التحقيق هو قال اني اتكلم اللغة الكوردية، والعقيد طلاع -ابن حلال- وقال لنا اتنيناتكم لا عاد تعيدوها
    حزب العمال الكوردستاني حتى بداية ما يسمى بالثورة كان الحزب الممنوع رقم واحد وحينها حتى الاخوان والسلطة كانوا يتغزلون ببعض، من ناحية اخرى الشعب الكوردي بكل فئاته واحزابه وقواته لن يرضى بأن يخدم نظام مثل النظام السوري، ثم متى واين وكيف دافع الكوردستاني عن النظام واين مارس التشبيح؟! …ان ما اراه هو التقاء مصالح عربية خليجية تركية مع عقلية شعب عنصري متخلف يظن ان لا قومية غير قوميته ولا ديانة غير ديانته وانه شعب الله المختار ومهما فعل من خيانة فلا يحق للآخرين محاسبته، وهو فقط يقرر متى يكون مع بشار، يقتل لاجل يشار ويخون كل من لا يفعل مثله، وهو يقرر متى ينشق ويعتبر كل من لا يتبع اسلوب الذبح والقتل والغنائم والعنصرية من شبيحة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.