حوار مع القرضاوي 15: العلمانية والعقيدة

عبد القادر أنيس

يستهل الشيخ القرضاوي هذا الفصل من كتابه ((الإسلام والعلمانية: وجها لوجه))

الإسلام والعلمانية وجها لوجه، للدكتور يوسف القرضاوي

بقوله: ((العلمانية لا تجحد الجانب العقدي في الإسلام، ولا تنكر على الناس أن يؤمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر، انطلاقا من مبدأ مسلّم به عندها، وهو تقرير الحرية الدينية لكل إنسان، فهذا حق من حقوقه، أقرته المواثيق الدولية، ومضت عليه الدساتير الحديثة)).

وأنا أتساءل: مادام هذا حق من حقوق الإنسان، وما دام القرضاوي يعترف أنه حق ويرى أن ((هذا حق من حقوقه، أقرته المواثيق الدولية، ومضت عليه الدساتير الحديثة)) فلماذا يرفضه القرضاوي وغيره من رجال الدين ومن ورائهم صحيح دينهم؟ أليس هذا دليلا دامغا على تفوق حقوق الإنسان كما صاغها البشر على هذا الدين المهيمن الذي لا يقر الحرية الدينية لكل إنسان سكن هذه الأرض البائسة وأراد أن يخرج من صفوف القطيع ويربي أطفاله تربية إنسانية خالصة، لأن القرضاوي يريده ((أن يكون أساس التكوين النفسي والفكري لأفراد الأمة، وبعبارة أخرى، يكون محور التربية والثقافة، والفن والأعلام، والتشريع والتقاليد في المجتمع كله)) أليس هذا هو مضمون كل الأيديولوجيات الفاشية القائمة على الإجماع في العقيدة والفكر والممارسة، الرافضة للتنوع والاختلاف والاستمتاع بكل ألوان الطيف عدا الأبيض أو الأسود؟

ألا تتفوق العلمانية هنا على الدين عندما تجعل الدين قضية حرة شخصية لا يفرضها المجتمع بمؤسساته المختلفة الدينية والتربوية وحتى البوليسية على الناس؟ ألا تكون الممارسة الدينية هنا أفضل لأنها تقوم على الحرية والاقتناع والإخلاص الصافي لما نحب أو نعبد؟

لكن القرضاوي لا يعترف بالحرية الدينية باعتبارها حقا من حقوق الإنسان لهذا يقول مستدركا: ((ولكن الإسلام في داره “دار الإسلام”، لا يكتفي بأن تكون عقيدته مجرد شيء مسموح به، وليس محظورا كالمخدرات والسموم البيضاء.. إن الإسلام يغرس في نفس الطفل، منذ نعومة أظفاره، عقيدة التوحيد، التي تحرر الإنسان من العبودية لكل ما سوى الله، من العبودية للطبيعة، والعبودية للحيوان، والعبودية للجن، والعبودية للبشر، والعبودية للحجر، والعبودية لهوى النفس، والعبودية لأي طاغوت، عبده الناس من دون الله. وإفراد الله تعالى بالعبادة له، والاستعانة به، وحده لا شريك له، كما تعلم ذلك سورة الفاتحة، التي يقرأها المسلم في كل صلاة)) (إياك نعبد وإياك نستعين) (سورة الفاتحة:5).

وهو كلام إنشائي لا يصدقه تاريخ البشرية ولا تاريخ المسلمين ولا نصوصه التي أباحت استعباد الناس من مهزومي الحروب، ومما كان يجلب إلى بلادهم من عبيد أفريقيا وغيرها، كما أباحت تجارة الرقيق وأقامت لها أسواقا وحتى مصانع للإخصاء حسب تعبير المؤرخ دوزي، تواصلت طوال تاريخ الإسلام. كما يعرف تماما أن نظام الحكم عندنا من خلافة وملكية وسلطنة لم يكن الحكم فيها يختلف عن الفرعونية والكسروية والقيصرية. وكان من النادر أن تجد فقيها يرى في ذلك مخالفة للإسلام رغم حنينهم الدائم لتلك التجربة البدوية البسيطة التي مارسها المسلون في يثرب وراحوا يبالغون في حقيقتها عبر العصور. وهي تجربة نجدها في تواريخ جميع الأمم في فترة توحدها وتأهبها لبناء كينونتها.

الراجح أن القرضاوي والغزالي وغيرهما عندما يتحدثون عن الحرية والعبودية فهم لا يرون أمامهم إلا الرجل المسلم فقط. أما أن تشمل ((عقيدة التوحيد، التي تحرر الإنسان من العبودية لكل ما سوى الله)) حسب تعبير القرضاوي السالف الذكر، فهذا محال. أليس من المخجل أن نقرأ يوميا في المواقع الإسلامية مثل هذا الكلام التالي المؤيد بالنصوص الإسلامية الصحيحة المقدسة؟:

((“وفي كتاب إحياء علوم الدين حديث يورده الغزالي “للمرأة عشر عورات فإذا تزوجت ستر الزوج عورة واحدة فإذا ماتت ستر القبر العشر عورات)) ويقول الغزالي : “إن النكاح نوع رق فهي رقيقة له”..”أما الأستاذ الفهيم حسن ألبنا فيقول في كتابه حديث الثلاثاء : “مهمة المرأة زوجها وأولادها أما ما يريد دعاة التفرنج وأصحاب الهوى من حقوق الانتخاب والاشتغال بالمحاماة فنرد عليهم بأن الرجال وهم أكمل عقلاً من النساء لم يحسنوا أداء هذا الحق فكيف بالنساء وهن ناقصات عقل ودين” أما أمير المؤمنين كرم اللـه وجهه (يقصد عليًّا بن أبي طالب) فقد قال : “أيها الناس لا تطيعوا للنساء أمراً ولا تأمنوهن على مال ولا تدعوهن بدون أمر فإنهن إن تركن وما يردن أفسدن الملك وعصين المالك.. وجدناهن لا دين لهن في خلواتهن ولا ورع لهن عند شهواتهن.. اللذة بهن يسيرة والحيرة بهن كثيرة فأما صوالحهن ففاجرات وأما طوالحهن فعاهرات وأما المعصومات فهن المعدومات.. فيهن ثلاث خصال من اليهود، يتظلمن وهن ظالمات ويحلفن وهن كاذبات ويتمنعن وهن راغبات”)).

http://www.yassar.freesurf.fr/tiamat/bal522.html

وبالتالي فاستشهاد القرضاوي بقول ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس: ((إن الله ابتعثنا، لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ..)). قول مردود عليه بشواهد التاريخ الإسلامي الذي حرص رجال الدين دائما على وضعها في خانة الممنوع من التداول واللامفكر فيه تحت طائلة التكفير والتخوين والاغتيال والاترداد.

كذلك قوله: ((والتوحيد ـ كذلك ـ أساس الإخاء الحقيقي بين البشر، فالأرباب لا يؤاخون العبيد، إنما يتآخى العباد أمام رب العباد.. وبهذا وضع الأخوة في المرتبة التالية للشهادتين، لأنها ثمرة لهما.. والتوحيد ـ كذلك ـ أساس المساواة الحقيقية بين البشر، فإن المتألهين في الأرض، لا يتساوون بمن يؤلهونهم، وينحنون لهم خاشعين.. أما عقيدة التوحيد، فتسوي بين الناس جميعا، باعتبار عبوديتهم لرب واحد، إلى جوار بنوتهم لأب واحد، وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في حجة الوداع، على رؤوس الأشهاد، وقال: “أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي، ولا أبيض على أسود، إلا بالتقوى، (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (سورة الحجرات:13).))

وقوله: ((التوحيد أساس المساواة الحقيقية بين البشر)).

وقد رأينا من خلال الشواهد السابقة أن توحيد الله في الإسلام لم يحل دون اتخاذ المسلمين غيرهم من المغزوين في عقر دارهم عبيدا ومواليَ، ولم يحل دون وضع المرأة في مرتبة لا يحسدها عليها العبيد، ومن وضع الرعية عبارة عن كم لا قيمة له أما الحكام المسلمين طوال قرون الإسلام الطويلة، أما معاملة غير المسلمين فأي حديث عن المساواة معهم هو كذب في كذب، ولا يزالون حتى اليوم شبه مواطنين في أوطانهم.

ثم يقول: ((حتى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، لم يرفع نفسه عن مرتبة العبودية قيد شعرة، فهو “عبد الله ورسوله” ليس إلها، ولا نصف إله، ولا ثلث إله، بل خاطبه الله تعالى بقوله: (قل إنما أنا بشر مثلكم، يوحى إلي، إنما إلهكم إله واحد) (سورة الكهف:110). وحذر أمته من الغلو، الذي سقط في هوته أصحاب الأديان السابقة، فقال: “لا تطروني، كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، ولكن قولوا: عبد الله ورسوله” متفق عليه)).

نبي الإسلام لم يكن هكذا وهو على قيد الحياة، أما بعد مماته فقد أحيط بهالة من التقديس وبمعجزات وخوارق نسبت إليه ابتداء من القرآن الذي جعلوه أكبر معجزاته رغم أنهم يقولون إنه كلام الله أنزل عليه، إلى انشقاق القمر ليله البدر حتى افترق فرقتين إلى كون الله قد زوى ـ أي جمع ـ له الأرض كلها فضم بعضها لبعض حتى رآها وشاهد مغاربها ومشارقها إلى حنين جذع شجرة إليه لما فارقه إلى المنبر وصار يخطب على المنبر بعد ما كان يخطب عليه ولم يسكن حتى أتى إليه فضمه وأعتنقه فسكت !!! وغيرها من المعجزات مثلما نجده في الرابط:

http://www.quran-radio.com/alrasool3.htm

فهل يعتبر من يأتي بهذه المعجزات مجرد بشر كباقي البشر؟ طبعا لا، وهو نفسه لم يصبح ذلك الداعية البسيط الذي ظل ثلاث عشرة سنة في مكة يجوب ساحاتها بحثا عمن يريد الاستماع إليه. أما عندما صار قائدا مرهوبا لدولة وجيش فقد صار يوبخ سائليه والمعترضين عليه: ((وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً…))

معاداة القرضاوي للعلمانية يبررها بقوله:

((ومن ناحية أخرى، نرى العلمانية ـ وإن قبلت عقيدة الإسلام نظريا أو كلاميا ـ ترفض ما تستلزمه العقيدة من معتنقيها، وما توجبه على أبنائها إيجابا حتما، بمقتضى الإيمان، وذلك بين واضح في أمرين أساسيين: أولهما: رفضها اتخاذ العقيدة أساسا للانتماء والولاء، فهي لا تقيم للرابطة الدينية وزنا، بل تقدم عليها رابطة الدم والعنصر، ورابطة التراب والطين، وأي رابطة أخرى..وهذا مناقض تماما لتوجيه القرآن، الذي يقيم الأخوة على أساس الإيمان والعقيدة، (إنما المؤمنون إخوة) (سورة الحجرات:10) (فأصبحتم بنعمته إخوانا) (سورة آل عمران:103).. ويجعل ولاء المؤمن ـ قبل كل شيء ـ لله ورسوله وجماعة المؤمنين (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم راكعون. ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا، فإن حزب الله هم الغالبون) (سورة المائدة:55،56). ويلغي كل رابطة مهما يكن قربها وقوتها، إذا تعارضت مع رابطة الإيمان، حتى رابطة الأبوة والبنوة والأخوة، يقول تعالى (يا أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء، إن استحبوا الكفر على الإيمان، ومن يتولهم، فأولئك هم الظالمون) (سورة التوبة:23)، (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر، يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم، أو أبناءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه) (سورة المجادلة:22). )) انتهى.

لا مكان عند القرضاوي من خلال هذا الكلام لأية علاقات حميمة بين مواطني البلد الواحد مع اختلاف معتقدهم. يستحيل مثلا أن يؤيد مسلم انتخاب مسيحي إلى البرلمان، أو أن يتحالف مسلم مع مسيحي في نقابة المؤسسة ضد مدير المؤسسة المسلم. الفرز ليس طبقيا ولا نقابيا ولا سياسيا ولا مهنيا، الفرز ديني فقط، بل هو سني بين السنة وشيعي بين الشيعة ومسيحي بين المسيحيين وهكذا يجب أن يكون الوطن عبارة عن جزر دينية تناصب بعضها العداء والارتياب، ويتحتم على المواطنين أن يوالوا طوائفهم في السراء والضراء وفي المنكر والمعروف وفي الحرب والسلم. لا مكان في دولة القرضاوي لصداقة تقوم خارج الدين ولا لعلاقة حب خارج الدين ولا لأية علاقة أخرى إلا إذا بررها رجال الدين دينيا.

هذا ما نفهمه من قوله أيضا: ((ويحذر (الله) المؤمنين من اتخاذ أعداء الله أولياء في آيات كثيرة، ويشدد في ذلك، حتى يكاد يعتبره ردة عن دين الله (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) (سورة المائدة:51) ويقول بعدها: (يا أيها الذين آمنوا، من يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين) (سورة المائدة:54). وقوله: ((إنما كان قول المؤمنين، إذا دعوا إلى الله ورسوله، ليحكم بينهم، أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون) (سورة النور:51).)) وقوله (((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت، ويسلموا تسليما) (سورة النساء:65).))

القرضاوي قائل هذا الكلام في أواسط ثمانينات القرن الماضي (1985)، لم يتغير حتى اليوم رغم لجوئه إلى التحايل الذي تمليه الظروف. فلقد بينت في مقال سابق نية القرضاوي الحقيقية حين قال حول الناسخ والمنسوخ ((حين يكون المسلمون مستضعفين ولا قدرة لهم على مقاومة عدوهم، فعليهم أن يصبروا ويقولوا التي هي أحسن، ويدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، فإذا أصبحوا أقوياء كان لهم شأن آخر، وهذا من ضمن التفسيرات لآيات النسخ)).

حوار مع القرضاوي 2

وها هو يلجأ إلى هذه الحيلة في:

http://www.iumsonline.us/index.php?option=com_content&view=article&id=388:2009-06-02-05-30-56&catid=5:article&Itemid=80

يقول: ((فكرة الانتماء إلى الإسلام، وإلى أمة الإسلام، وإلى دار الإسلام، التي كانت سائدة في القرون الماضية منذ عصر النبوة، فعصر الراشدين، فعصور العباسيين والعثمانيين: قد لا تكون مقبولة عند غير المسلمين. على أساس أن أصل هذا الانتماء ديني، ينطلق من القرآن والسنة.. هذا مع أن فقهاء المذاهب المختلفة جميعا، قرَّروا: أن غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، وهم الذين يعبَّر عنهم في الاصطلاح الفقهي بـ(أهل الذمة) يعدُّون من (أهل دار الإسلام). فهم من (أهل الدار) وإن لم يكونوا من (أهل الملَّة.. وفي اجتهادي: أن كلمة (أهل الدار) هذه تمثِّل مفتاحا للمشكلة، مشكلة المواطنة، لأن معنى أنهم (أهل الدار) أنهم ليسوا غرباء ولا أجانب، لأن حقيقة معناها: أنهم أهل الوطن، وهل الوطن إلا الدار أو الديار؟ .. وإذا ثبت أنهم أهل الوطن، فهم (مواطنون) كغيرهم من شركائهم من المسلمين. وبهذا تحلُّ هذه الإشكالية من داخل الفقه الإسلامي، دون الحاجة إلى استيراد مفهوم المواطنة من سوق الفكر الغربي.))

فلماذا لم تبتكروا هذه المواطنة قبل الغرب يا مولانا. أم على الغرب أن يخترع ويبتكر ويبدع ثم يجيء القرضاوي والزنداني ليسطوا على حقوق الغير في التأليف والابتكار وينسبوها إليهم بحجة أنها كانت موجودة عندهم ولم ينتبهوا إليها. فما أبأس هذا الفكر !

فما هو الإسلام الصحيح يا مولانا؟ أهو إسلام قرضاوي (1985) أم هو إسلام قرضاوي أيامنا في قوله؟

((ومن واجبات المواطنة التعايش واحترام الآخر، والتزام القيم الأخلاقية كالعدالة والتعاون على الخير، والنصح من خلال القوانين السائدة لإصلاح ما يضر البلاد أو العباد.))

وفي قوله ((إن الاشتراك في الوطن يفرض نوعا من الترابط بين المواطنين بعضهم وبعض، يمكن أن نسمِّيه (الأخوة الوطنية) فكلُّ مواطن أخ لمواطنه، وهذه الأخوة توجب له من حقوق المعاونة والمناصرة والتكافل ما يستلزمه معنى (الأخوة) أي الانتماء إلى أسرة واحدة.. وقد يعترض بعض الإسلاميين من الحرفيين والمتشدِّدين على اطلاق الأخوة خارج الإطار الديني. فليس عندهم أخوة إلا أخوة الإيمان، أي الأخوة الدينية، ولا اعتراف بأيِّ أخوة سواها.))

وفي قوله ((وإذا ثبتت الأخوة، فقد ثبت ما تقتضيه وتستلزمه من المحبَّة والمساواة والتضامن، إذ لا معنى للأخوة بغير هذا.))

ومع هذه الأقوال المخادعة التي نال بها صاحبها صفة الاعتدال عند البعض، ها هو يستدرك فيقول:

((فأيُّ هذه الولاءات والانتماءات أولى بالتقديم على غيرها؟ أعني: إذا تعارض الولاء للوطن والولاء للدين، فأيُّهما يقدم، وبأيِّهما نضحِّي؟ الذي يظهر في هذه الحالة: أنه في حالة التعارض بين الدين والوطن، فإن الدين هو المقدَّم، لأن الوطن له بديل، والدين لا بديل له)).

ولهذا يستهجن قول الشاعر اللبناني رشيد سليم الخوري:

بلادُك قدِّمْها على كـلِّ مِلَّـة ومن أجلها أفْطِرْ، ومن أجلها صُمِ!

هَبُونِي دينًا يمنح العربَ وحدةً وسِيروا بجثماني على دين بَرْهَمِ!

سـلامُ على كفـر يوحِّد بيننا وأهـلا وسـهلا بعـده بجهنـمِ

وطبعا كلنا نعرف الآن نتيجة تقديم الولاء الديني أو المذهبي أو الطائفي على الولاء الوطني أو غيره، في لبنان وفي غير لبنان.

كل هذا الكلام المعسول قاله الشيخ للضحك على ذقون السذج من المسلمين وعلى ذقون الغرب الديمقراطي اللبرالي الذي سمح له بإلقاء محاضرته في دياره، أما القرضاوي الحقيقي فهو القائل: ((ولا يرخص في شيء من ذلك، إلا في حالة الضعف، التي لا تجد فيها جماعة المؤمنين بدا من إظهار التقية للكافرين، وذلك استثناء من القاعدة العامة، يقول القرآن (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك، فليس من الله في شيء، إلا أن تتقوا منهم تقاة، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصير) (سورة آل عمران:28).

ويشرح ((والآية تدل على أن الولاية تعني الانتصار لهم والوقوف في صفهم، من دون المؤمنين، وليس المراد المودة القلبية، فلو كان هذا المراد، ما رخص فيه، لأن الضعيف يمكنه أن يضمر الكراهية والبغضاء في قلبه، ولا يطلع عليه أحد)).

هذا هو نموذج المواطن الصالح الذي يريده القرضاوي ودينه لنا، فمتى نرفضه جملة وتفصيلا؟

يبتع   عبدالقادر أنيس فيسبوك

About عبدالقادر أنيس

كاتب جزائري
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.