حكم عائلة الأسد لسوريا 1: الدم الأول

طلال عبدالله الخوري  17\1\2013

سأقوم بكتابة سلسلة مقالات عن تاريخ حكم عائلة الأسد في سوريا من وجهة نظري كمواطن سوري, وسيكون مرجعي الأساسي هو الكاتب البريطاني المقرب من عائلة الأسد باتريك سيل وكتابه: ” الأسد: الصراع على الشرق الاوسط”.

شهدت سوريا الكثير من الإنقلابات العسكرية بعد الاستقلال عن الإستعمار الفرنسي, واصبحت الإنقلابات جزءا من الحياة السياسية والعسكرية السورية, وكانت هذه الإنقلابات تتم ببساطة وبعيداُ عن اعين الناس, ولم يكن الشعب يعلم عن هذه الإنقلابات إلا من خلال تلو البيان الأول عبر الإذاعة, والتي يتم احتلالها في المرحلة الأخيرة من عملية الإنقلاب.

 كان الجيش السوري الموروث من الاستعمار الفرنسي, مقسماُ الى مجموعات متنافسة ومتخاصمة سياسيا وايديولوجياُ وطبقياُ وطائفياُ, وكان كل ضابط ينتمي بالولاء لإحدى هذه المجموعات حسب طائفته وطبقته وايديولوجيته, وكان لكل مجموعة زعيم أو مجموعة من الزعماء الضباط, ومن هذه المجموعات نذكر: مجوعة اكرم الحوارني, مجموعة الناصريين أو القوميين العرب, مجموعة القوميين السوريين, ومجموعة البعثيين, مجموعة الطبقة البرجوازية ورجال الأعمال الموروثة عن الحكم العثماني وهم الضباط الدمشقيون, مجموعة الشيوعيين, وكان هناك المستقلون أيضاً والذين بدون اي انتماء حزبي.

ولكي تقوم بإنقلاب, في ذلك الوقت, كان يجب عليك ان تضع خطة سرية مع مجموعتك, تبدأها:

 بتأمين تأييد ومشاركة بعض المجموعات الاخرى بالإنقلاب او تحييدها على الأقل لضمان نجاح الإنقلاب, لذلك قام حافظ الأسد وجماعته بإستمالة القوميين الناصريين الى جانبهم, بالاضافة الى اللواء زياد الحريري من المستقلين, وفي النهاية, تم تشكيل المجموعة الانقلابية من الضباط: حافظ الاسد و محمد عمران و صلاح جديد من البعثيين, وراشد القطيني ومحمد الصوفي من الناصريين, و زياد الحريري مستقل,.

بعد ذلك, وإذا لم يتم كشف امر الانقلاب والقبض عليك وإعدامك او الزج بك في السجن من قبل خصومك, فيجب أن تتضمن خطتك الانقلابية  الخطوات الأساسية التالية:

 أولاُ: السيطرة على معسكري قطنا والكسوة اللذان يحميان الجهة الجنوبية لدمشق.

ثانياُ: السيطرة على اللواء سبعين المدرع لاهميته الاستراتيجية العسكرية.

ثالثاُ: ضمان حياد الكلية العسكرية بحمص.

رابعا: أن تصطحب قوة كافية لتوجيه ضربة قوية للحكومة التي تدير الحكم.

خامسا: السيطرة على الإذاعة لإدلاء البيان رقم واحد المعروف.

السؤال الذي نريد ان نرفعه في هذه المقالة هو: لماذا توقفت الانقلابات بعد الانقلاب الختامي لحافظ الأسد وجماعته؟

 الجواب على هذا السؤال يأتي من العراق, حيث كما هو معروف فقد صدر السوريون الفكر القومي البعثي للعراق, ولكن بالمقابل فأن بعثيي العراق قد صدروا للإنقلابيين البعثيين السوريين, فكرة المليشيا الحزبية المسلحة, فقد قام البعثيون العراقيون بإنشاء قوة عسكرية حزبية مؤلفة من الفي مقاتل بقيادة صالح السعدي ونجحوا بأسقاط حكومة الزعيم عبدالكريم قاسم, فأدخل هذا النجاح السرور الى قلب جماعة حافظ الأسد الانقلابية, ولكن اصبحت فكرة المليشيا الحزبية المسلحة هدف استراتيجي لحافظ الأسد, ومن هنا اتت تسمية هذه المقالة: بالدم الأول.

وهكذا انشأ الانقلابيون البعثيون أول مليشيا حزبية مسلحة بتاريخ سوريا, تحت اسم الحرس القومي تحت قيادة حمد عبيد, والتي حولها حافظ الأسد فيما بعد الى ميليشيا طائفية من النخبة, والتي هي الأن الفرقة الرابعة للحرس الجمهوري, وهي تحت قيادة ماهر حافظ الاسد شقيق بشار, وهي ذاتها المليشيا التي تقاتل ضد الثورة السورية الآن, ولقد ضمت الى جانبها مليشيا الشبيحة وهي مليشيا اضيق من حزبية لأنها طائفية مئة بالمئة.

 بعد تشكيل الميليشيا الحزبية, اصيب الشرفاء السوريين بخيبة امل, فكيف يمكنك مواجهة المليشيا العسكرية الحزبية المسلحة؟ وقام الشرفاء السوريون بالاستقالة او حتى الهروب والهجرة, ومنهم على سبيل المثال لا الحصر, لؤي الأتاسي القائد العام للجيش والقوات المسلحة, الذي لم يسمح له شرفه العسكري بقبول ميليشيا حزبية عسكرية خاصة خارج نطاق الجيش الوطني, ولم يبق بالدولة إلا الحثالة من الانتهازيين والوصوليين, وهذا بالضبط ما كان يريده حافظ الأسد, وهنا دخلت سوريا حقبة تاريخية جديدة من عصر الانحطاط, والميليشيا الحزبية, والتي بدورها تحولت الى ميليشيا طائفية بعد عام 1980 والمحاولة الفاشلة لإنقلاب الأخوان المسلمين الدمويين الفاشيين ضد حكم حافظ الأسد.

بعد فشل الوحدة بين مصر وسوريا, بسبب استبداد جمال عبدالناصر, إصيبت الأيديولوجية القومية بمقتل, وأخذ يفكر القوميون البعثيون ويضعون اشارات الإستفهام حول جدوى الوحدة العربية والقومية العربية؟؟  فإذا كان جمال عبدالناصر معبود الجماهير وصاحب اكبر قطر عربي واكبر اقتصاد عربي, قد فشل عملياُ بإنشاء مجرد وحدة ثنائية بين سورية ومصر, فماذا يكون مصير قوميتهم بحزب البعث مع امكانياتهم المتواضعة والتي هي اقل بمئات المرات من امكانيات عبدالناصر, وخاصة أن الأسد وجماعته والتي تنتمي لطائفة صغيرة منفية في الجبال؟

 لقد وجد حافظ الأسد وصدام حسين الحل لهذا السؤال, وهو بإستخدام ايديولوجية القومية العربية كواجهة فقط من اجل ارساخ حكم استبدادي عشائري اسلامي, راجعوا مقالنا: خرافة الاحزاب السياسية العربية.

كان لحافظ الأسد مشكلة هامة كرئيس لسورية, وهي ان يكون مسلماُ, وهنا جائت النجدة من مفتي الشيعة اللبناني موسى الصدر والذي افتى بأن العلويين هم طائفة اسلامية ويتبعون المذهب الجعفري الاسلامي, وبذلك ضمن حافظ الأسد لنفسه كل الفقه الاسلامي وميزته بأنه حمال أوجه, وجيره لصالح حكمه, كما يفعل اي حاكم اسلامي منذ 1400 سنة وحتى الآن.

 الملخص:

لقد استغل الداهية حافظ الاسد سهولة القيام بإنقلاب عسكري بسوريا في ذلك الوقت وقام بإنقلاب عسكري.

 لقد ركب الداهية حافظ الأسد حزب البعث السوري, وسرق تعب وجهد ميشيل عفلق الذي درس بفرنسا وجلب الفكر القومي من اوروبا, وفنى عمره في التبشير لافكاره ثم انقلب عليه حافظ الاسد مما اجبر عفلق للهروب بجلده الى منفاه بالعراق.

لقد ركب الداهية حافظ الأسد القومية العربية الناصرية وتحالف معها لتنفيذ انقلابه العسكري, ثم انقلب عليها, وبذلك يكون قد سطى على كل تعب وجهد عبدالناصر في التبشير بالقومية العربية.

 لقد ركب الداهية حافظ الأسد الاسلام وميزته الحمالة اوجه وجير دين الاسلام لصالحه.

لقد استفاد الداهية حافظ الاسد من فكرة المليشيا الحزبية العراقية وسخرها لخدمة حكمه

 والحق يقال بأن حافظ الأسد داهية من طراز مميز, وقد استطاع ان يسخر كل تلك الامور التي ناقشناها لمصلحته, ويكفي ان نقول بأن رب الدهاء ياسر عرفات خر ساجداً امام جبروت دهاء الاسد.

الحكمة من هذه المقالة:

نعم لقد استطاع الداهية حافظ الاسد ان يستفيد من كل هذه الفرص التي اتيحت له بأفضل وجه, ولكن سبب نجاحه الرئيسي هو انه جاء بزمن السبعينات, حيث كانت الحرب الباردة بين الشرق والغرب, ولو ان حافظ الاسد جاء في زمننا هذا, أي في عصر الانترنت والاجواء المفتوحة, لما نفعه دهائه بشئ؟ ولكان فشل فشلا ذريعاً؟ لذلك نحن نصحنا بشار حافظ الاسد بأن يستقيل قبل سنتين, ومنذ بداية الثورة السورية المباركة, في مقالنا: رسالة الى بشار حافظ الأسد, وقلنا له بأنه ما كان ممكنا في السبعينات هو غير ممكن في عصرنا هذا.

 

About طلال عبدالله الخوري

كاتب سوري مهتم بالحقوق المدنية للاقليات والسياسة والاقتصاد والتاريخ جعل من العلمانية, وحقوق الانسان, وتبني الاقتصاد التنافسي الحر هدف له يريد تحقيقه بوطنه سوريا. تخرجت 1985 جامعة دمشق كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية قسم الالكترون, بعدها حتى 1988 معيد بجامعة دمشق, بعدها تحضير شهادة الماجستير والدكتوراة في معهد جلشكوف للسبرانية اكاديمية العلوم الوطنية الاتحاد السوفييتي السابق حتى عام 1994 اختصاص معالجة الصور الطبية ... بعدها عملت مدرس بجامعة دمشق نفس القسم الذي تخرجت منه حتى عام 1999 هاجرت الى كندا ( خلال عملي بجامعة دمشق طلبتني احدى جامعات الخرطوم لكي اترأس قسمي البرمجة والكومبيوتر ووافقت الجامعة على اعارتي) في كندا عملت في مراكز الابحاث ببرمجة الصور الطبية في جامعة كونكورديا ثم عملت دكتور مهندس في الجيش الكندي بعد ان حصلت على شهادة ماجستير بالبرمجة من جامعة كونكورديا ثم اجتزت كل فحوص الدكتوراة وحضرت رسالة دكتوراة ثانية بنفس الاختصاص الاول معالجة الصور الطبية) وتوقفت هنا لانتقل للعمل بالقطاع الخاص خلال دراستي بجامعة كونكورديا درست علم الاقتصاد كاختصاص ثانوي وحصلت على 6 كريدت ثم تابعت دراسة الاقتصاد عمليا من خلال متابعة الاسواق ومراكز الابحاث الاقتصادية. صدر لي كتاب مرجع علمي بالدراسات العليا في قواعد المعطيات يباع على امازون وهذا رابطه https://www.amazon.ca/Physical-Store.../dp/3639220331 اجيد الانكليزية والفرنسية والروسية والاوكرانية محادثة وقراءة وكتابة بطلاقة اجيد خمس لغات برمجة عالية المستوى تعمقت بدراسة التاريخ كاهتمام شخصي ودراسة الموسقى كهواية شخصية..................... ............................................................................................................................................................ A Syrian activist and writer interested in the civil rights of minorities, secularism, human rights, and free competitive economy . I am interested in economics, politics and history. In 1985, I have graduated from Damascus University, Faculty of Mechanical and Electrical Engineering, Department of Electronics, 1985 - 1988: I was a teaching assistant at the University of Damascus, 1988 - 1994: studying at the Glushkov Institute of Cybernetics, the National Academy of Sciences, In the former Soviet Union for a master's degree then a doctorate specializing in medical image processing... 1994-1999: I worked as a professor at Damascus University in the same department where I graduated . 1999 : I immigrated to Canada . In Canada, I got a master’s degree in Compute Science from Concordia University In Montreal, then I passed all the doctoral examinations and prepared a second doctoral thesis in the same specialty as the first one( medical image processing) . In 2005 I started to work in the private sector . My book: https://www.amazon.ca/Physical-Store.../dp/3639220331
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.