توثين الصلاة.. وإغفال الزكاة لحساب من؟

الصلاة والزكاة في القرآن الكريم توأم أو أختان، فلا يقول القرآن “الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ” إلا ويردفها “وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ”، فهما من ناحية الفرض والوجوب سيان، ولا يمكن التفريق بينهما. وقد فطن إلي ذلك الخليفة أبو بكر عندما أعلن الحرب على الذين رفضوا دفع الزكاة وقال لا أفرق بين الصلاة والزكاة.

 وأطلق على هؤلاء في الكتابات الإسلامية اسم المرتدين. وكانوا فعلاً مرتدين، ولكن ليس ردة عقيدة لأن منهم من كان يؤمن بالله والرسول ويقيم الصلاة، ولكنهم رفضوا الزكاة، وكان هذا الرفض مبررًا ليستحقوا هذا الوصف الرهيب مرتدين.

 وطوال عهد الرسول وعهد أبي بكر وعمر كان أخذ الزكاة ممن يتوفر لهم النصاب وإعطائها لمستحقيها فرض لا يختلف عن إقامة الصلاة.

 ولكننا بعد فترة، خاصة عندما قلب معاوية بن أبي سفيان الخلافة إلى ملك عضوض، بدأنا نلمس ظاهرتين هما توثين الصلاة من ناحية وإغفال الزكاة من ناحية أخرى. ويمكن ربط علاقة جدلية عكسية بينهما، فبقدر ما يزداد الاهتمام بالصلاة بقدر ما يزداد إغفال الزكاة.

 وانتهى الأمر بعدم قيام الدولة بتحصيل الزكاة، وبالطبع عدم توزيعها على مستحقيها.

 في هذا الوقت وصل توثين الصلاة أن اعتبر من لا يؤديها كافراً. وكتبت المجلدات عن الصلاة بدءًا من الوضوء حتى التسليم. وأخذ ذلك من مسند الإمام أحمد بن حنبل سبعة أجزاء كبيرة كل جزء في أكثر من مائتي صفحة من كتاب “الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل”، بدءًا من الوضوء ثم أبواب أوقاتها والآذان والأوقات والمساجد والقبلة وحق الصلاة والركوع والسجود والقنوت والتشهد والأذكار بعد الصلاة وما يتصل بالصلاة وسجود السهو وصلاة الليل والوتر وصلاة التراويح وصلاة الضحى وصلاة الشكر والجمع بين الصلاتين وصلاة الجماعة وخروج الإنسان من المساجد والإمامة والمأمومين وموقف الإمام، ثم صلاة الجمعة وصلاة العيدين وصلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء.. الخ .

 وبجانب هذا الإسهاب والتفصيل في أحكام الصلاة، كان هناك اتجاه مقرر يزداد جيلاً بعد جيل لتقديس الصلاة وضروراتها وأنها الفرض الذي لابد منه للإنسان حتى وهو مريض ولو كان يحتضر، إذ يستطيع أن يصلي برموش عينيه.

 كما اعتبر تارك الصلاة كافراً إذا كان يعتقد عدم وجوبها، وفاسقاً يُعزّر (أي تفرض عليه عقوبة) إذا كان يتركها تكاسلاً أو إهمالاً. وقيل أنها هي العلامة بين الإيمان والكفر واستشهدوا بحديث “العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة”، وتناسوا أن ذلك إنما كان لأن الصلاة هي الشعيرة الجماعية الجهرية الوحيدة، بحيث يمكن التعرف عما إذا كان القوم مؤمنين. ومضت عملية التقديس حتى وصلت إلى مرحلة التوثين عندما قال الشيخ الشعراوي أن الطبيب إذا سمع إقامة الصلاة وكان يعمل عملية جراحية، فعليه أن يدع العملية الجراحية ويسرع للمشاركة في الصلاة. وقد أوردنا هذه الواقعة في الجزء الأول من كتابنا “نحو فقه جديد” وأوردنا اعتراضنا عليه.

 ولا جدال في أن الصلاة فريضة مؤكدة ولها صفة خاصة. ولكن هذا لا يعني أن أهميتها تَجُب القواعد والمبادئ التي وضعها الإسلام للتشريع من اعتبارات خاصة بظروف الفرد وظروف المجتمع، وما أوجده من قواعد “المقاصة” أو التوبة أو الاستغفار، وأن الله يغفر الذنوب جميعًا إلا الشرك.

 وفي الإسلام فروض أخري واجبة الإعمال كالجهاد، والزكاة، والصوم، والحج، فضلاً عن أن العبادات كلها إنما هي جزء من الإسلام، لأن الإسلام يتميز عن بقية الأديان بما وضعه من خطوط عريضة في الاقتصاد والسياسة والاجتماع وما تضمنه من قيم كالشجاعة والإخلاص والصدق والحرية والعدالة. وقد أدي اختزال الإسلام في العبادات لأن يكون الإسلام مرادفًا للصلاة، وأصبح السؤال الأول للتثبت من إسلام فرد ما “هل يصلي؟”، نقول إن هذا الاختزال في الوقت الذي أبقي علي الصلاة، فإنه أغفل فروضًا أخري قد يكون بعضها أهم من الصلاة.

 والمشكلة في الصلاة هي أن الأمر المحقق معها هو شكله. فالناس تركع وتسجد وتتلوا القرآن أو تسبّح.. الخ، ولكن أن تنهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر، كما افترض القرآن ذلك، فهذا أمر لا يمكن التحقق منه وأغلب الظن أنه غير محقق بدليل التدهور العام في المجتمع الإسلامي الذي ما كان يحدث لو أمرت الصلاة المصلين وهم جمهرة المجتمع عن الفحشاء والمنكر.

 والنتيجة أن اختزال الإسلام في الصلاة جعل من الممكن التضحية بالاتفاق والصدق، والسماحة، والعدل، وكلها فضائل يمكن التثبت منها، في حين أن هذا لا يمكن في الصلاة.

 بل إن ذلك جعل من الممكن إغفال الزكاة.

 وهنا نأتي إلي القسم الثاني من هذه الكلمة أن الملك العضوض لم يجد مما يجديه أن يطبق الزكاة لأن ما سيؤخذ من مال الأغنياء سيئول إلي الفقراء، وهذا أمر لا يهم الملك العضوض. فرأى أن يغض النظر عن الزكاة ووجوبها بنص القرآن حتى يستطيع أن يثقل الناس بالضرائب التي ستصب في خانته، ولم يستطع الفقهاء أن يعترضوا.

 ونحن لا نجد توثيقًا للزكاة في أعمال الدولة الإسلامية من أواخر الدولة الأموية حتى نهاية الخلافة.

 فقد المجتمع الإسلامي الزكاة، فانعدمت بذلك الخدمات والتأمينات والضمان الاجتماعي والتكافل الاقتصادي، وهي عناصر تعد ضرورية لكل مجتمع سليم، وأصبح جمهرة الشعب يعانون الفقر المدقع ويروحون ضحايا للمرض أو الحوادث. ولولا أن عددًا كبيرًا من أفراد المجتمع آمن بالزكاة، وأصبح يقدمها بطريقته الخاصة للمحتاجين والمعوزين الذين يعرفهم لهوي المجتمع الإسلامي وتحلل.

 إن توثين الصلاة وإغفال الزكاة كانا أشبه بحدي مقص. فتوثين الصلاة أفقد الدين روحه ومعنوياته وإغفال الزكاة أفقد المجتمع تماسكه الاقتصادي.

 المطلوب الآن أمران:

الأول: وضع الصلاة موضعها، كفريضة هامة ومتميزة، ولكن لا توثن ولا تجب الفرائض الأخرى، ولا تختزل الإسلام، كما أن من يقصر فيها لا يعد خارجًا من الملة، وإنما شأنه شأن التقصير في بقية العبادات، بمعني أن عليه أن يؤدي من الحسنات وأن يستغفر الله، والله تعالي عليم به، ورحمته وسعت كل شيء، ويجب أن يعلم أن هناك من فرائض الإسلام ما يعدلها، وما يفوقها في كثير من الحالات.

الثاني: أن تؤخذ الزكاة مأخذًا جادًا، وأن ينتهي هذا الموقف المتخاذل المستسلم، الذي يقبل أن تهدر فريضة هي كما قلنا أخت الصلاة وتوأمتها فتوثن الأولي وتهدر الثانية. هل نجد في هذا العصر أبا بكر جديد “يعلنها حربًا علي النظم المرتدة التي لا توجب الزكاة”؟ ثم بعد هذا توضع لها الترتيبات التي تكفل تحصيلها ثم تكفل إنفاقها في مصارفها وهي بالاختصار كل حالات المرض والبطالة والعوز وكفالة الاحتياجات الأخرى. ومن الضروري أن يجري التطوير اللازم الذي يتلاءم مع ظروف الحياة، وأن لا نأخذ بما ذهبوا إليه في تحديد النصاب أو طريقة التطبيق. فالزكاة واجبة علي كل فرد يجاوز المستوي الاقتصادي الذي تحدده الدولة، تبعًا لاختلاف الأوضاع الاقتصادية، والذي يحقق الحياة الكريمة، من دخل وما يبقي بعد ذلك من مال وأملاك.. الخ، بعد ذلك تؤخذ عليه الزكاة.

وتفاصيل هذا هو مما يضيق به مجال مقال وما يستحق كتابًا. 

نقلا عن جريدة الراية القطريةجمال البنا – مفكر حر

About جمال البنا

ولد فى المحمودية من أعمال محافظة البحيرة (تبتعد عن الإسكندرية 50 كيلو) فى 15/12/1920 من أسرة نابهة عرفت بعلو الهمة ، فوالده هو مصنف أعظم موسوعة فى الحديث (مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى فى 24 جزءًا ، وشقيقه الأكبر هو الإمام الشهيد حسن البنا المرشد المؤسس للإخوان المسلمين .  عكف منذ طفولته على الاطلاع بحيث تزود بحصيلة ثقافيـة غزيرة ، وبعد أن أتم دراسة الابتدائية ودخل المدرسة الخديوية الثانوية . حدث شجار بينه وبين أستاذه فى اللغة الإنجليزية وهو إنجليزى ، فترك الدراسة غير آسف ، واستكمل دراسته بوسائله الخاصة .  واصل جمال البنا مطالعاته ، وأصدر كتابه الأول سنة 1945 وهو عن الإصلاح الاجتماعى، وفى العام التالى (1946) أصدر كتابه "ديمقراطية جديدة" الذى تضمن فصلاً بعنوان "فهم جديد للقرآن" استعرض فيه فكرة المصلحة كما قدمها الإمام الطوفى ، وانتقد الموجة الحماسية لدى بعض الدوائر بفعل نجاح دعوة الإخوان المسلمين وقال : "لا تؤمنوا بالإيمان .. ولكن بالإنسان" وهذه الملاحظة لا تزال أحد معالم دعوة الأستاذ جمال البنا فى الإحياء الإسلامى .  فى عام 1952 أصدر "مسئولية الانحلال بين الشعوب والقادة كما يوضحها القرآن الكريم" كما أسس (1953 ــ 1955) الجمعية المصرية لرعاية المسجونين ، وحققت الجمعية ثورة فى إصلاح السجون ، وأدت إلى مجابهة بينه وبين السلطات .  عندما قامت حركة الجيش فى مصر بقيادة عبد الناصر فى 23 يوليو سنة 1952 بدأ الأستاذ جمال البنا فى كتابة كتاب باسم "ترشيد النهضة" ارتأى فى الفصل الأول أن هذه الحركة هى انقلاب عسكرى وليس ثورة ، وما أن اطلع الرقيب على ذلك حتى أصدر أمرًا بمصادرة الكتاب ، وأخذ كل الملازم المطبوعة ، وبهذا التصرف تأكد جمال البنا من أن الحركة ذات طابع ديكتاتورى ، وأن لا فائدة من محاولة تقدم الرأى والمشورة .  عنى الأستاذ جمال البنا خلال الحقبة الناصرية المعادية للاتجاهات الإسلامية بالحركة النقابية ، فأصدر وترجم الكثير من الكتب والمراجع التى نشرتها منظمة العمل الدولية بجنيف والجامعة العمالية بمدينة نصر والدار القومية.. كما حاضر بصفة منتظمة فى معهد الدراسات النقابية منذ أن تأسس سنة 1963 حتى سنة 1993 عندما انتقد التنظيم النقابى القائم . وقد كان آخر كتبه النقابية عن (المعارضة العمالية فى عهد لينين) الذى كتبته مدام كولونتاى ، فقام بترجمته والتعليق عليه .  فى سنة 1981 أسس جمال البنا الاتحاد الإسلامى الدولى للعمل ، وكانت منظمة العمـل الدولية قد استعانت به فى عـدد من الترجمات ، كما استعانت منظمة العمل العربية كخبير استشارى . وبحكم هذه الصفات نظم شبكة من العلاقات بقيادات اتحادات ونقابات فى كثير من الدول الإسلامية . وفى 1981 دعا معظمها للاجتماع فى جنيف خلال انعقاد مؤتمر العمل الدولى بها ، وفى هذا الاجتماع تأسس الاتحاد الإسلامى الدولى للعمل من مندوبى اتحادات عمالية فى الأردن والمغرب وباكستان والسودان وبنجلاديش . وللاتحاد مكتب فى كوالامبور وآخر فى الرباط .  مع السبعينات وملاءمة المناخ للعمـل الإسـلامى بدأ الأستاذ جمال البنا كتاباته التى كان أولها "روح الإســـلام" و "الأصــلان العظيمان : الكتاب والسُنة" ، وعددًا آخر من الكتب لا يتسع المجال لها .  ابتداء من 1990 شغل بإصدار كتابه الجامع "نحو فقه جديد" فى ثلاثة أجزاء الذى دعا فيه إلى إبداع فقه جديد يختلف عن الفقه القديم ، ولا يلتزم ضرورة بالتفسيرات ، أو علوم الحديث .. الخ ، أو أصول الفقه ، وصدر الجزء الثالث عام 1999 .  أثار الكتاب ضجة كبيرة ودعا بعضهم لمصادرته ، ولكن المسئولين تنبهوا إلى هذا سـيذيع دعوته فمارسوا مؤامرة صمت إزاءه ، رد عليها جمال البنا عام 2000 بإعلان تأسيس "دعـوة الإحياء الإسلامى" التى ضمنها خلاصة فكره الإسلامى والسياسى والثقافى .  فى سنة 1997 أسس بالمشاركة مع شقيقته السيدة فوزية "مؤسسة فوزية وجمال البنا للثقافة والإعلام الإسلامى" ، وتبرعت السيدة فوزية بقرابة نصف مليون جنيه للمؤسسة مكنها أن تؤدى دورها فى غنى عن السؤال . ولما كانت زوجة الأستاذ جمال البنا قد توفيت سنة 1987 ولم يتزوج بعدها ، فإنه حول شقته إلى مكتبة تحمل اسم المؤسسة . وتضم المكتبة قرابة خمس عشر ألف كتاب عربى ، وثلاثة آلاف باللغة الإنجليزية ، كما تضم مكتبة والد الأستاذ جمال وشقيقه الأستاذ عبد الرحمن ، والكثير من تراث آل البنا ، والأصول الخطية لكتب الشيخ البنا ، وقد زودت المكتبة بقاعة إطلاع وآلة تصوير ووحدة كمبيوتر .  بالمكتبة 15 ألف كتاب عربي وثلاثة آلاف كتاب إنجليزي وبها قسم للدوريات يضم 150 مجلة ، وبعض الموسوعات والمجموعات القديمة لصحف الإخوان المسلمين من سنة 1936 ، وأوراق خطية للإمام الشهيد حسن البنا ، والكثير من وثائق الإخوان المسلمين ، فضلاً عن جذاذات من الصحف ، ومسودات وأصول كتب للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا ولجمال البنا .  استطاع الأستاذ جمال البنا بفضل تفرغه للكتابة أن يصدر أكثر من مائة كتاب (منها قرابة عشرة مترجمة) وهو يكتب بتمكن وأسلوب سهل ، وإن كان له طبيعة فنية ، وقد أصدر كتابًا من ثلاثمائة صفحة عن "ظهور وسقوط جمهورية فايمار" كما تعد كتبه عن "الدعوات الإسلامية" من المراجع الرئيسية لما توفر له من صلات ومراجع .  أن دعوة الإحياء الإسلامى رغم أنها قوبلت بتعتيم إخبارى أريد به عدم التعريف بها ، فإنها شقت طريقها ليس فحسب فى مصر والدول العربية ، ولكن أيضًا فى الخارج حيث أصبحت محل اهتمام الهيئات الدولية والجامعات ، وهي لا تهدف لتكوين حزب أو جماعة ، ولكنها تريد أن تقدم رؤية حرة للإسلام يُعد كل من يؤمن بها مالكا لها أو شريكاً فيها .  لدعوة الإحياء الإسلامى موقع على الانترنت ، وعنوان إليكترونى كالآتى : [email protected] E-mail : [email protected] www.islamiccall.org وعنوانها : 195 شارع الجيش ــ 11271 القاهرة هاتف وفاكس 25936494
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.