تنهدات امرأة

أحببتُ أن القي بعض الضوء على قصة هذه المرأة وان اجعلها عنوانا لكل أنثى اكتفتْ بما تعلمته من وسطها واعتمدت على فكرهُ الجامد , هي محاولة لأنهاض المرأة من ft8سباتها ولتجعل من الألم محفزا للرقي بحياتها وليس مجرد خنوع وقبول لهذه الأفكار , وعليها أن تعلم علم اليقين بأنها لم تكن يوما مسيّره كما علّموها ذلك لكنها تستطيع أن تختار طريقها بوعيها وعقلها الذي ارادوا له التهميش فهو نعمتها الوحيدة وخلاصها من مِحنِها الكثيرة التي كبّلوها بها , وأن لا تنسى بأن حياتها مجرد صدفة متناهية في الصغر فلا تبعثرها لأجل ارضاء اناس هم بالأصل لم يعوا للحقيقة شيئاً غارقين بمستنقع تخلفهم . جائتني ذات يوم نادية ( هذا كان اسمها ) وكأن شفرةٍ حادة قد حُشِرت في بلعومها فلا تستطيع بلعها ولا تستطيع أخراجها , حيث كانت تلك الشفرة متمثلة بزوجها . هي امرأة حالها حال النساء العربيات عاشت في بيئة مشوهة بسبب ركودها على عقائد توارثتها دون أن تغيّر فيها , مجتمع كهذا سيكون بالتأكيد مشوّه لأن الحياة متغيرة وتحتاج للتغييّر بعقائده بنسب متوازنة وتعادل ذلك التغيير , وبعكسه سيتخلف عن العالم المحيط . كانت قبل زواجها مليئة بطموح وأهداف كثيرة خابت جميعها وانزلقت من بين يديها وكأن ايادي ساحرة تسللت اليها واقتنصت منها تلك الاحلام , هذه الأيادي أجبرتها على ترك دراستها لا لسبب سوى تفوقها على أخيها الأكبر وغيرته منها , فحُرِمت من دراستها وتحطم بذلك جزء من حلم كان يراودها دائما . أخذتها الحياة بعجلة دورانها مرغمة وهي تشعر باضطهادها حين تفرغت لخدمة أهلها وأخيها الذي حرمها من حلمها الكبير , فهي لا تدري كيف السبيل للخروج من مأزقها وكيف تسترد ذلك الحلم لأنها بلا معين يذكر, فتأملت بذلك الشاب الذي طرق بابهم يوما طالبا يدها علّه ينجدها من ذلك الاخ المستبد ومن ابوين يقدسانه لحد الجنون كونه ذكرا بالرغم من مساوئه . قضت نادية من حياتها ردحاً من زمنٍ غابَ فيه وعيها وكأنها كانت بغفوةٍ طويلة وأفاقت منها على ثلاثة من الأطفال أصبحوا الآن بعمر المراهقة , استفاقت من تراكم مآسيها الواحدة تلو الأخرى وعلى حطام نفسها دون وعي منها , فأحيانا المعاناة تكون لصالح صاحبها واحيانا تزيدهُ سباتا وخنوعاً , لكنها للأسف كانت من النوع الثاني وذلك حسب نشأتها في بيئة فرضت عليها شعور بأنها الجنس الأدنى , وفرضت عليها عزلة تامة وأفكارجعلتها تعيش في وجوه عديدة , فهي أمام رغباتها تكون حالمة دون أن تتجرأ بالبوح بها , وأمام محيطها تكون ضد طبيعتها لتصبح بنظرهم أنثى رقيقة دوما لا تعرف الأحتجاج ولا العناد , فأصبحت تعيش الأزدواجية فهي لا تمتلك وعياً يساعدها على النهوض بحالها الذي اصبح مزريا .
تفاجئت بعد اشهر من زواجها بأنه لم يكن ذلك المنجد ألذي تأملت به بعد أن احتكرها هو الآخر في البيت , وحاول بكل ما أوتي من قوة أن يهشم طموحها ويهمش عقلها كليا ليجعلها دمية بلا أرادة , ليفعل بها ما يشاء , فكشف بذلك عن هويته الحقيقية والتي هي عكس ما كان يُظهر لها , حيث بدأ بمرور الأيام بمحاولاته للأستحواذ على كيانها وفكرها وكل ما تملك , فلم يكن بحال أفضل من أخيها وأبيها فأرادها للبيت فقط ولا يهمه فكرها بل لا يريد لها التفكير بشيء سوى بيتها وأنجابها له عدد من الأبناء وخصوصا الذكور .
لم يكتفي بهذا ألقدر فبعد أن أشبع غرائزه منها بدأ يلهث من ورائها على شيء يملي نقصه وعُقده من خلال خياناته المتكررة لها والأستهانة بها , فأباح لنفسه ما توفر له من فرص لخيانتها , ويستطيع أن يجد الكثير من الحجج لذلك بعد أن جعل حياتها مقتصرة على الاطفال لتتحمل مسئوليتهم بمفردها فكانت تشعر بتعب أضافي ولاهية عنه بأطفالها المرغمة عليهم فأصبحوا كشفرات أضافية , فمن أين لها أن تعطي شيء حسن لذاتها ولأبنائها وهي من حولها قيودٌ….قيودْ  وكيف ستبني هذا الجيل ؟
تفاجئت بتصرفاته تلك فلم يكن المنقذ الذي ارادته ففاض بها الكيل بما آلت اليه أمورها بعد أن أستسلمت لغفوتها تلك .
كيف لها أن تخرج تلك ألشفرة التي حشرها المجتمع ببلعومها ؟ فضاقت مرارة وعذاب ذلك الجرح لسنين طوال ومنذ الولادة حيث كان والدها ثم أخيها ثم الزوج وأخيرا الاطفال . كيف لها تحمل خيانته لها دون أن تنكسر نفسها ؟ أصبح شعورها نحوه وكأنه حشرة متطفلة عليها تمتص دمها يوما بعد يوم وهي وحيدة في مجتمع أعطى له كل لحق , فلا تستطيع الحراك والخلاص منه فقوته المتمثلة بالقانون ستحميه دوما , والحرية التي منحها أياه ألمجتمع منذ طفولته جعلته يستقوي أكثر فلا يستطيع أن يفهم بأنها رفيقتة بعد أن تحدّب فكره وضمر ضميره بجعلها كيان لتلبية رغباته فقط وعليه أن يمارس ذكورته ليفرح هو بها ويُفرح أهله أيضا ليشعروا به رجلا بحق . كانت كلما شكته لأهلها أو صديقاتها يضعون اللوم عليها كعادتهم خوفا على مصيرها أو يرون بأنها لا تنفع لغير مصيرها هذا ومن حيث أنه يقيم بواجبها من ناحية أطعامها وأكسائها , فماذا تريد أكثر ؟ نظرتهم لحياة المرأة هي طعام وكساء لا أكثر , فاستسلمت بالبداية مرغمة لقدرها فمن غير المعقول بأنها صائبة ومن حولها هم خاطئون . خسائرها كانت الواحدة تلو الأخرى بعد أن بدأت تقدم التنازلات له وشعورها بأنها تتبلد يوما بعد آخر كان في تزايد مستمر وفكرها قد أخذ قالب الجمود بأيام عاشتها كقطرات الماء متشابهة بشكلها وحجمها ولونها , لكنها توقفت بعد أن فاض بها الكيل وعند هذه النقطة فلا يزال فيها نفسٌ ينبض لحياة حقيقية بعيدة كل البعد عن رتابة حياتها , هذا النَفس النابض بالحياة كان من بذرة صغيرة جدا منذ أيام طفولتها , لكنه لم يجد الارض الخصبة له من خلال أهمال محيطها له وعدم تشجيعه فيها لكنه بقي مغروسا بداخلها , فتأملت به وحاولت أن تخرجه عندما كانت تشتاق روحها للحياة خارج القضبان التي أرادوها لها , لكنه سرعان ما يصطدم بنفس القضبان من خلال زوجها ومحاولاته بوأد ذلك الحلم عندما كان يشعر بالتغيير الذي يطرأ على تصرفاتها وكان يبدي علامات الأستغراب من قوة شخصيتها والتي نمت عن حرية بفكرها أثناء تعبيرها عن رأيها بمواقف معينة فكان يكسر بها هذا الطموح خوفا من تفوقها عليه عندما تكتشف بوعيها مدى مظلوميتها التي أسكنها بها , فأخذ بالتضييق عليها والأستهزاء بها فهي بنظره للبيت فقط ولا يحق لها غير ذلك وتهديدها كان سهلا عليه بمنعها كما يحلو له من الخروج أو بالضرب أو حتى بالزواج عليها . لكنها تمسكت بهذا النفس وأخذت بمحاولة لأنعاشه من خلال قرائة كل كتيب يقع بيدها بأوقات خلوتها وبمحاولة منها ان تسترد حلم طالما راودها بعد أن وعت من خلال فطرتها البسيطة بأن لا سبيل لخلاصها سوى عقلها , وتعجبت كيف كان يدير الكفة لصالحه دوما واستطاع بكل سهولة أن يستغل سذاجتها وأن يسلبها سنينٍ من عمرها هي أغلى ما تمتلكه من خلال سلبه لحقها بالحياة الحرة . وكيف لا والحق والقانون بصفه دوما  أن تعي الزوجة بعبوديتها وتحاول كسر قيودها هو أشد ما يرعب الزوج المتخلف
فصرختْ بوجهه أخيراً بعد أن وعت …. كفاك قهري  وكفاك سلبي  كفى ما ضاع مني دون جدوى منذ أن كنت طفلة حيث كنتَ أنت على هيئة أبي وبعدها ظهرت على هيئة أخي وأخيراً أتيتني على هيئة زوجي الذي استلمني أنقاض مهدودة القوة , مهيئة تماما لخضوعك الأبدي  فأنت ايها الزوج أردتَ أن تكون آخر الوجوه التي اراها ومن بعدك تخرجني ألى القبر  لكن مهلك فأنا لا أرتضي عبوديتك ولا أرتضي بقضبانك التي سجنتني بها  سئمتٌ انتظارك عندما تعود لأقضي لك أحتياجاتك وأغسل ما أتسخ من ثيابك  دون أن اتجرأ وأسألك اين كان غيابك وأنا واثقة بأنك  فلست معتمدة ألا لسواك  لأنك السيد المتحكم جسديا وماديا , ناسيا أو متناسيا بانني كنت الاصل في التكوين منذ الخليقة الاولى  جعلتني ارتضي لنفسي المهانة  وان اكون عبدة بعلاقه عفنة  سنين قضيتها وأنا موافقة …موافقة ….. فأنقطعت علاقتي معك بالحياة أيها الأب والأخ والزوج المتخلف  تدعي بانكَ أكرمت النساء في الوقت الذي كنت به قواما على فكرها فأين كرمكّ وأنصافكّ لها قل لي بحق جحيمك وخرافاتك التي أسكنتني بهما دون ذنب  قل لي بالحق الذي لم ألمسه يوما فيك
اتمنى أن تكون نادية عنوانا للتمرد على العبودية والتخلف 
أبداعنا بوعينا وقوتنا بأملنا بهم نهزم التخلف وننصر الأنسانية

‎فؤادة العراقية (مفكر حر)؟‎

About فؤاده العراقيه

كاتبة عراقية ليبرالية
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

1 Response to تنهدات امرأة

  1. جيني says:

    عزيزتي فؤادة …قصة ناديا ليست الوحيدة الفريدة في الوطن العربي الإس….هناك ا3/4 المليار

    أنا ألوم من أعطى الرجل فرصة عبودية المرأة الي هي فريضة على الرجل العربي

    فهم يتبعون القول المقدس : إصربوهن واهجروهن في المضاحع

    إثنتان وثلاث ورباع ومــــا ملكـــــت أيمانكم

    أنت تعلمين بقية الأقوال التي تهين المرأة

    فلنجاهد لإزالة هذه الأقوال

    ×خذي ناديا لبلد غربي ولنر مصيرها الحقيقي

    ولنر مصير أبيها وأخيها وزوجها هناك

    لك تحيتي أستاذة فؤادة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.