تقويم «المايا»

سمير عطا الله    الشرق الأوسط

قال لي السائق الذي ينقلني من مطار نيويورك قبل أسابيع إن العالم سوف ينتهي في 21 ديسمبر (كانون الأول)، وإن المدينة هنا هي الأكثر تعرضا لأنها على البحر، والتوقع هو أن يسقط نيزك ضخم في بحر العالم ويرمي اليابسة خارجا. قلت للسائق العربي، بعد ثماني ساعات سفر، إنه إذا كانت المسألة كبيرة إلى هذا الحد، فالحقيقة أنني لا أستطيع المساعدة في شيء. في الزمن القديم كان ظهور نجم مذنب يعتبر مقدمة لحدث هائل ما. لكن منذ أوائل القرن التاسع عشر صار المذنب نفسه هو الذي سوف يدمر الأرض. عام 1832 تنبأ الفلكيون بأن كوكبا هابطا سوف يغطي أوروبا كلها، ويرخي بثقله فوق ألمانيا. أوقف كثيرون أعمالهم ذلك العام وجلسوا ينتظرون لحظة تحول القارة إلى ذرات.

كان الرعب البشري يزداد مع اقتراب نهاية العالم في أزمان الأوبئة. خلال السنوات التي ضرب فيها الطاعون أوروبا (1345 – 1350) ظهر العرافون في مدن ألمانيا وفرنسا وإيطاليا يعلنون أن نهاية العالم خلال عقد. عام 1536 تنبأ عراف بريطاني أن النهاية واقعة في 13 أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام. ذهب الألوف من الناس إلى تلال لندن ليشاهدوا كيف ستدمر المدينة. في حالات اليأس والخوف يصغي الناس إلى العرافين من دون أي تساؤل. عام 1628 ظهر مذنب في سماء ميلانو فقال عرافون إن الطاعون قادم وفعلا هذا ما وقع بعد عامين. وكانت قصيدة شعبية قديمة تقول إن الشيطان سوف يظهر في ميلانو ذلك العام ويسمم أهل المدينة. وضرب الجنون الجميع. وصار عشرات الرجال يسلمون أنفسهم للموت والحرق، على أنهم التقوا الشيطان وكلفهم توزيع السم. واعتقد كثيرون آخرون أن مبعوثين من الجحيم جاءوا يهلكون المدينة. لقد سمم الشيطان كل شيء: المياه والذرة في الحقول والثمار على الشجر. وكل ما تلمسه مسمم: جدران المنازل، بلاط الأرصفة، وحتى مسكات الأبواب. أقيمت لجان حراسة خاصة لمراقبة مبعوثي الشيطان. وكل من كان لديه عدو يريد الخلاص منه، يزعم أنه شاهده يلوث مسكة الباب بالسم. وشوهد رجل تجاوز الثمانين يمسح المقعد الحجري في الساحة العامة ليجلس عليه، فقالت شاهدة إنه كان يضع عليه السم. هجمت الغوغاء على الرجل وأحرقته.

عام 999 باع ألوف الأوروبيين كل ما يملكون واتجهوا نحو القدس لانتظار القيامة فيها، مع اقتراب نهاية الألفية الأولى. كانت مظاهر الجنون الجماعي لا توصف. لا أذكر مرور فترة قصيرة لم يظهر فيها عراف ليعلن نهاية العالم، محددا الوقت والساعة.

وبسبب شعور اليأس الذي يحيط بنا، كان السائق العربي واثقا من أن سنة «المايا» سوف تصح، موضحا في الوقت نفسه أنه رجل مؤمن وليس من المايا.

وسألته إن كان يستقبل جميع المسافرين بأخبار ظريفة من هذا النوع، فقال إنه يحب أن يعمم المعلومات التي لديه. وعدت أسأله إن كان يشتغل ذلك اليوم لكي أستفيد من خدماته، فقال لم يقرر بعد. الأمر يتوقف. الأمر يتوقف على ماذا؟ على حركة المذنب، هل سوف يسقط أم لن يسقط. وكان الرجل مقتنعا لدرجة ألا يناقش، ولكنني لا أعرف لماذا يصر على إقناعي أنا أيضا. فأنا، في الحقيقة، لا أتبع تقويم المايا. والحمد لله.

About سمير عطا الله

كاتب صحفي لبناني الشرق الاوسط
This entry was posted in الأدب والفن, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.