تشريح مقولات جنت علينا 3: من رأى منكم منكرا فَلْيُغَيِّرْه بيده

khlaftiyhتشريح مقولات جنت علينا 3:” من رأى منكم منكرا فَلْيُغَيِّرْه بيده…”.
“من رأى منكم منكرا فَلْيُغَيِّرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”. (رواه مسلم).
العمل بهذا الحديث قد يصلح للتدخل في بسائط الأمور، كأن يتدخل المواطن أو جمعية مواطنين لتنبيه صغار السن أو كبارهم عندما يرتكبون حماقات تضر بالمحيط والبيئة مثل قطع الأشجار وتلويث الشوارع والإضرار بالحدائق العمومية والإساءة إلى الحيوانات والمس بطمأنينة السكان، على أن يتوقفوا عند توجيه النصح والتوبيخ باللسان فقط. وقد يكون بوسعهم، عند اللزوم، أن يلجئوا إلى السلطات المخولة بحماية الأمن والممتلكات، لكن العمل بهذا الحديث، عند تعميمه ليكون سلوكا عاما يخول للناس ارتكاب جرائم باسم الشرف أو الذود عن حياض الدين، فهو يتناقض تمام التناقض مع مقتضيات الدولة الحديثة التي تحتكر لنفسها وحدها ممارسة التدخل لتغيير الانحرافات أو وقف التجاوزات أو حتى اللجوء إلى العنف ضد الخارجين عن قوانينها من المواطنين. وكونهم مواطنين فهذا يخول لهم التمتع بحقوق والقيام بواجبات لم تكن الدولة التقليدية تتيحها. من واجب المواطنين احترام القوانين، ومن حقهم الدفاع عن أنفسهم ضد كل التجاوزات على حقوقهم مهما كانت الجهة الفاعلة عبر أدوات سلمية وفرتها الدولة الحديثة مثل التقاضي أمام محاكم محايدة، ومثل التظاهر والإضراب وعرض التظلمات في الإعلام …، بالإضافة طبعا إلى أدوات الدفاع الحديثة التي وفرتها الديمقراطية للناس، مثل حرية التنظيم في جمعيات وفي نقابات وأحزاب، وحرية الاعتراض والتعبئة من أجل التغيير السلمي عبر آليات ديمقراطية مثل الانتخابات.
بالإضافة طبعا إلى أن مفهومي المنكر والمعروف إسلاميا قد تجاوزهما الزمن. حقوق الإنسان كما نصت عليها الأمم المتحدة وصدقت علينا بلداننا، لم تعد تقبل المساس بحقوق كانت سابقا من قبيل الخروج عن أخلاق الدين وقيمه. حرية الاعتقاد ألغت التكفير، حرية التفكير ألغت الاتهام بالزندقة، وحريات كثيرة لا ترضى عنها الأديان.
المسلمون عموما، والإسلاميون خاصة غير معنيين بمستحقات الدولة الحديثة وقيمها الإنسانية. فهم ما أن يحوزوا سلطة حتى ينصبوا أنفسهم دعاةً وقضاةً ومنفذين. أفعال هؤلاء تتطور في الدرجات إذا لم تجد من يردعها، حتى تتحول إلى دولة داخل دولة. في بلادي، وعندما تقوّى الإسلاميون شكلوا شرطة، سموها، (الشرطة الإسلامية)، حملوا هراوات وسلاسل وخناجر ونزلوا إلى الساحات العامة وإلى المنتزهات وراحوا يطبقون حديث: (من رأي منكم منكرا فليغيره بيده..). رأيناهم يعترضون طريق الأزواج والأقارب ويطلبون منهم تقديم بطاقات الهوية التي تثبت أنهم فعلا أزواج أو أقارب، وعندما لا يجدون عندهم ما يطلبون يوبخونهم ويهددونهم وقد يعتدون عليهم خاصة إذا ما حاول الضحايا الاحتجاج وعدم الاعتراف لهم بهذا السلطة. وقد تطور الأمر حد التحريض على البطش بغير المحجبات ثم صب الحامض على سيقانهن ثم الدخول في الإرهاب لتغيير المنكر بالعمل على إسقاط الدولة نفسها كمنكر أكبر، لأنها لا تحكم بما أنزل الله.
منجزات الدولة الحديثة تعرضت للنسف بمثل هذا الحديث وما شاكله من أحاديث وآيات تمثل أسس الأيديولوجيا الإسلامية التي تشكلت في ظلها جماعات إسلامية ترقى أحيانا في تنظيمها ونشاطها حتى تشكل دولة داخل دولة بعد أن تُسْقِطَ في أعين أتباعها كل تبعية للدولة التي ينتمون إليها. أتذكر بهذه المناسبة كيف أن قاتل فرج فوده حظي بتأييد الإسلاميين في أعلى المستويات، رغم أنه بفعله هذا، كان قد خرج على قانون الدولة وحكم على الكاتب ونفذ الحكم تطبيقا لهكذا حديث وتأييدا لجماعات إسلامية خارجة عن القانون أقنعته، وهو الذي لم يقرأ شيئا لفرج فوده، أن الرجل ملحد يستحق عقوبة الإعدام، ويُكَافَأ من ينفذها عند الله. ولقد أمكن له القيام بفعلته الشنيعة لأن الدولة في حد ذاتها كانت قد فرطت في صلاحياته وراحت تتنازل أمام ضغوط الإسلاميين، الذين نصبوا من أنفسهم حكاما وقضاة.
شهادة محمد الغزالي لصالح القاتل أمام المحكمة كانت مهزلة المهازل. نقرأ في كتاب القرضاوي: (الغزالي كما عرفته)
http://urlz.fr/2oRw
((سئل الغزالي (من الدفاع): ما حكم من يجاهر برفض تطبيق الشريعة الإسلامية جحودا أو استهزاءً؟
(… ليس بمؤمن يقينا من يجاهر برفض تطبيق الشريعة الإسلامية جحدا أو استهزاء. بل كما قال الله تعالى في وصف هؤلاء الناس في قوله تعالى: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون”… (إلى أن يقول) .. ويعرف الإنسان أنه منافق من رفض حكم الله..)
ثم سئل: (ما حكم من يدعو إلى أن يُسْتَبْدَل بحكم الله شريعة وضعية تحل الحرام وتحرم الحلال؟)
فأجاب: (ليس هذا بمسلم يقينا).
ثم سئل: (هل يعد هذا عملا كفريا يخرج صاحبه من الملة؟)
قال: (نعم، ….)
وتوالت أسئلة الدفاع التي كان مرادها جمع كل الحجج التي تبرئ القاتل، وكان الغزالي، بلا شك متواطئا مع محامي الدفاع حتى انتهى بالحكم على فرج فوده بأنه مرتد وأن (بقاءه في المجتمع جرثومة ينفث سمومه ويحض الناس على ترك الإسلام، فيجب على الحاكم أن يقتله).
وتتواصل المهزلة، فسئل الغزالي: (من الذي يملك إيقاع الحد على المرتد المستوجب قتله؟)
فأجاب: (المفروض أن جهاز القضاء هو الذي يقوم بهذه المهمة، فهو الذي يقيم الحدود ويقيم التعازير ويحكم بالقصاص، ولا يكون لآحاد الناس حتى لا تكون فوضى).
سأل الدفاع: (فماذا لو كان القضاء لا يعاقب على الردة والقضاء لا يوقع الحدود؟
أجاب: (هذا عيب القضاء، وعيب المسئولين عنه، والقانون معيب).
فسئل: (ماذا لو أن القانون المطبق لا يعاقب.. هل يبقى الحد على أصله من وجوب الإيقاع؟)
قال: (حكم الله لا يلغيه أحد.. والحد واجب الإيقاع).
فسئل: (ماذا لو أوقعه فرد من آحاد الأمة، هل يُعَدُّ مرتكبَ جريمةٍ أو مفتئتا على السلطة؟)
أجاب: (يعد مُفْتَئِتاً على السلطة (أي متعديا على صلاحياتها)، وأدى ما يجب أن تقوم به السلطة).
فسئل: هل هذا المفتئت على السلطة، بفرض أن السلطة تُوقِع حدا، هل له عقوبة في الإسلام؟)
أجاب: (أنا لا أذكر أن له عقوبة في الإسلام؟)
القرضاوي وقف بقوة مع الغزالي الذي تعرض، حسب قوله، لألسنةٍ حِدادٍ نالت منه بغير وجه حق. في كتابه هذا يروي لنا ما جرى بعد هذا الموقف الإرهابي من محمد الغزالي، وكيف تعاملت دولة مبارك وصحافتها المتواطئة بجبن وخسة لا نظير لهما مع موقف الغزالي. (أنظر ابتداء من ص 280).
طبعا الغزالي محق إسلاميا. فهذه الطريقة في تطبيق حديث (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده…) من السهل أن نجد ما يدعمها من شواهد في تاريخ الإسلام. ولكن كان ذلك قبل 14 قرنا. ومع ذلك مازال الإسلاميون لم يتزحزحوا عنها قيد أنملة. فهم في هذا غير قابلين للتطور، ومع ذلك صدقهم البعض عندما قبلوا بالدولة المدنية!!!
من هذه الشواهد على العمل بمقوله “من رأى منكم منكرا…” ما نقلته كتب السيرة، حيث يروى (أن أعمى كانت له أم ولد (ملك يمين من سبايا الغزوات) تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر، قال فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه، فأخذ المغول – سيف قصير- فوضعه في بطنها، واتكأ عليها، فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذُكِرَ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمع الناس فقال: أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام، فقام الأعمى يتخطى رقاب الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول، فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا اشهدوا أن دمها هَدَر).
هكذا حكم محمد على براءة الأعمى بلا علم ولا محاكمة ولا شهود ولا فصل بين السلطات لمجرد الزعم بأنها شتمته وقرر تطبيق حكم (من رأى منكم منكرا..) دون أن يعود إلى أي سلطة ولا يرى نفسه ملزما بأي إثباتات، رغم أن جريمة محمد وصحبه في حقها شنيعة. فهي تعرضت للسبي وأهْدِرَت كرامتُها لتجد نفسها ملك يمين بين يدي هذا الأعمى وأدنى رد فعل يمكن أن يتوقعه أي حر كريم منها أن تشتم المتسبب في نكبتها. وهذا يدعم قول الغزالي بأن القتل في إطار النهي عن المنكر لا عقوبة له إسلاميا.
محمد نفسه، عندما تعلق الأمر به وبشرفه سن قانونا تعجيزيا وهو أن تسليط عقوبة الرجم على الزانيين المحصنين يجب أن يتوفر فيها أربعة شهود لا بد أن يشهدوا كله بأنهم رأوا المِرْوَد في المِكْحَلة وكان قد قرر هذا بعد حادثة الإفك التي اتُّهِمَت فيها عائشة بالزنا. حيث تحكي لنا كتب السيرة عن قصة المغيرة بن شعبة والي الكوفة، في عهد عمر بن الخطاب، أنه شوهد وهو يزني بامرأة تدعى أم جميل.
(وقد شهد عليه بذلك كلٌّ من: أبي بكرة ـ وهو معدود في فضلاء الصحابة وحَمَلَة الآثار النبوية ـ، ونافع بن الحارث، وهو صحابي أيضاً، وشبل بن معبد، وكانت شهادة هؤلاء الثلاثة صريحة فصيحة بأنّهم رأوه يُولِجُه (يعني ذكره) فيها إيلاج الميل في المكحلة، لا يكنّون ولا يحتشمون، ولمّا جاء الرابع ـ هو زياد بن سميّة ـ ليشهد، أفهمه الخليفة رغبته في أن لا يُخْزِي المُغِيْرَة، ثمّ سأله عمّا رآه، فقال: رأيت مجلساً وسمعت نفساً حثيثاً وانتهازاً، ورأيتُه مُسْـَتْبِطَنَها.
فقال عمر: أرأيتَه يُدْخِلُه ويُخْرِجُه كالميل في المكحلة؟
فقال: لا، ولكن رأيته رافعاً رجليها، فرأيتُ خصيتيه تتردّد إلى ما بين فخذيها، ورأيتُ حَفْزاً شديداً، وسمعت نفساً عالياً.
فقال عمر: رأيتَه يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة؟
فقال: لا.
فقال عمر: الله أكبر! قم يا مغيرة إليهم فاضربهم.
فقام يقيم الحدود على الثلاثة.
http://www.al-milani.com/library/-print-er.php?booid=26&mid=307&pgid=3889
لكن محمدا نفسه قرر قتلَ عبده مابور القبطي الذي جُلِبَ إلى المدينة ضمن هدية المقوقس حاكم مصر مع جاريتين: ماريا وسيرين، لمجرد قيل وقال، وبدون شرط توفر أربعة شهود لا بد أن يكونوا مُجْمِعين على أنهم رأوا المرود في المكحلة. فبعد أن حملت ماريا بمولودها (إبراهيم) كثر الكلام على أن الحمل ليس من محمد. وحتى عائشة قالت له: “إنه لا يشبهك”. فأرسل إليه عليا بن أبي طالب ليقتله:
(الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه و أحمد في مسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه، (مفاده) أن رجلاً كان يُتهم بأم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: “اذهب فاضرب عنقه”، فأتاه علي رضي الله عنه، فإذا هو في ركيٌّ – أي بئر – يتبرّد فيها ، فقال له علي: “أخرج”، فناوله يده فأخرجه، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكفّ عليٌّ عنه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “يا رسول الله، إنه لمجبوب ماله ذكر”.
http://articles.islamweb.net/media/index.php?page=article&lang=A&id=91055
بهذه الفوضى التشريعية يريد الإسلاميون أن يحكمونا في العصر الحديث.

About عبدالقادر أنيس

كاتب جزائري
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *