بماذا يمكن لأزمة السويس أن تذكرنا فيما يتعلق بنفوذ الولايات المتحدة؟

ديفيد إغناتيوس – 27/01/2013 -الشرق الاوسط

 لقد كان يعنيها تشاك هاغل عندما كان يصف نفسه بـ«جمهوري من أنصار أيزنهاور». لقد كان يحتفظ بتمثال نصفي للرئيس دوايت أيزنهاور في مكتبه بمجلس الشيوخ لعدة سنوات ولديه أيضا صورة له معلقة على جدار مكتبه الحالي في جامعة جورج تاون. مع ذلك أكبر دليل على هوس هاغل هو شراؤه لثلاث درزينات من كتاب سيرة أيزنهاور وإعطاؤه نسخا لأوباما ونائبه بايدن ووزير الدفاع آنذاك، بوب غيتس، بحسب مؤلف الكتاب ديفيد نيكولز. ويتناول الكتاب الذي أثار اهتمام هاغل

«Eisenhower 1956»

 (أيزنهاور 1956) لحظة من أهم وأخطر اللحظات وأدقها في فترة رئاسة أيزنهاور. ويتحدث الكتاب، الذي نُشر عام 2011، عن كيفية إجبار أيزنهاور لإسرائيل وبريطانيا وفرنسا على الانسحاب من قناة السويس، وهو ما أدى إلى ترسيخ مكانة الولايات المتحدة كقوة مهيمنة مستقلة في الشرق الأوسط. ومن المستحيل قراءة كتاب نيكولز دون التفكير في التوترات التي تشهدها العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل بسبب التهديد الذي يمثله برنامج إيران النووي. ومثلما كان الزعيم المصري متقلب المزاج، جمال عبد الناصر، يمثل خطرًا كبيرًا على إسرائيل خلال فترة الخمسينات، وهذا هو حال آية الله علي خامنئي اليوم.

والمثير في أمر أيزنهاور هو أنه في الوقت الذي كان متعاطفًا فيه مع احتياجات إسرائيل الدفاعية، كان عازمًا على الحفاظ على استقلال سياسة الولايات المتحدة وتفادي خوض حرب ربما تؤدي إلى تدخل الاتحاد السوفياتي. وقال أيزنهاور في آخر خطاب له قبل انتخابات عام 1956 في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني): «نحن نعتقد أن قوة الأسلحة الحديثة لا تجعل الحرب خطيرة فحسب بل أيضا غير معقولة».

 وتزامنت هذه الانتخابات مع أزمة قناة السويس وغزو الاتحاد السوفياتي للمجر لإخماد الثورة التي كانت مندلعة هناك. لقد كانت بحق اللحظة التي تمثل اختبارًا لإيمان المحارب القديم بأنه يجب ألا يكون هناك المزيد من الحروب.

 ومع تناقش مجلس الشيوخ في أمر تعيين هاغل وزيرًا للدفاع، ينبغي أن يضع جيدًا في الاعتبار خطاب أيزنهاور. ويعد هذا دليلا مفيدا لفكرة هاغل عن القوة الأميركية في الشرق الأوسط ويفسر أيضا الأفكار التي يتقاسمها مع أهم شخصيتين في صناعة السياسة وهما أوباما وبايدن. وجمعت السويس الكثير من الأمور: الإمبراطوريتين الآفلتين البريطانية والفرنسية والهيمنة الأميركية البازغة على العالم واضطراب العالم العربي والدور الهجومي غير المتوقع لإسرائيل، التي وجدت نفسها، كما هو الحال الآن، تقاتل من أجل الحياة وسط دول

 إسلامية معادية. وكان أيزنهاور يراقب الشرق الأوسط بتوجس منذ توليه الرئاسة عام 1953. وقال في مؤتمر صحافي عُقد في يناير (كانون الثاني) عام 1956 إنه ينبغي على الولايات المتحدة تبني سياسة عربية – إسرائيلية «تفوق عالم السياسة» وشجّع على إقامة نوع من الصداقة بين الجانبين أو على الأقل تعاون بينهما. وحان وقت اختبار هذه الفكرة الشفافة عن الحيادية. وذكر أيزنهاور في خطاب إلى ونستون تشرشل بتاريخ 29 مارس (آذار) عام 1956 أن الشرق الأوسط هو أهم وأكثر المشكلات التي تواجهها دولنا حاليًا إزعاجًا. وازداد قلقه في يوليو (تموز) بعد تأميم عبد الناصر قناة السويس.

 وكان البريطانيون والفرنسيون والإسرائيليون – الذين كانوا مجهولين لأيزنهاور ومستشاريه – يخططون سرا لمنع سيطرة عبد الناصر على السويس. وقد تم تشكيل تحالفهم الثلاثي، الذي كان يطلق عليه اسم «عملية الفرسان الثلاثة»، بصورة رسمية في بروتوكول سري في الرابع والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول)، والذي نص على أن تقوم إسرائيل بغزو شبه جزيرة سيناء بعد خمسة أيام. وقام الثلاثة أطراف بوضع ما أطلق عليه نيكولز اسم «شاشات الدخان» لإخفاء خططهم عن الولايات المتحدة.

 وعندما جاء الغزو الإسرائيلي في التاسع والعشرين من أكتوبر، قبل أسبوع واحد من الانتخابات الأميركية، كان أيزنهاور غاضبا للغاية وقال لوزير الخارجية جون فوستر دالاس: «فوستر، قل لهم إننا سوف نقوم بفرض عقوبات، سوف نذهب إلى الأمم المتحدة، وسوف نقوم بكل ما يمكننا القيام به من أجل إيقاف ذلك». وبالفعل، نجحت الولايات المتحدة في الحصول على قرار أممي بوقف إطلاق النار، على الرغم من معارضة كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل.

 ودخل أيزنهاور في مخاطرة سياسية، وتعرض للانتقاد من قبل منافسه الديمقراطي، أدلاي ستيفنسون، الذي صرح في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) أنه كان يمكن تجنب الحرب لو قدمت الولايات المتحدة دعما أكبر لإسرائيل. وعلى الرغم من ذلك، فاز أيزنهاور بولاية رئاسية ثانية، مما اضطر الغزاة إلى الانسحاب من قناة السويس والإعلان عن استراتيجية أمنية تقودها الولايات المتحدة في المنطقة والتي أصبحت تعرف باسم «مبدأ أيزنهاور».

 والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف تنطبق هذه الأحداث على إسرائيل والولايات المتحدة الآن، ولا سيما في ضوء إدارة أوباما، التي تتعهد بمنع إيران من الحصول على أسلحة نووية، وتتمنى تجنب شن عمل عسكري على طهران؟

 في الحقيقة، من المستحيل عقد مقارنة بين أوجه التشابه في الحالتين بدقة، ولكن المهم هو أن أيزنهاور، الذي كان يتسم بالحذر والاستقلالية، يعد نموذجا يحتذى لوزير الدفاع القادم في الولايات المتحدة.

 * خدمة «واشنطن بوست»

About ديفيد إغناتيوس

كاتب اميركي الواشنطن بوست
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.