الفكر الإسلامي بين الانتقائية والتحايل والسذاجة: محمد الغزالي نموذجا 2

عبد القادر أنيس

أواصل في هذه المقالة الثانية قراءة كتاب محمد الغزالي حول “حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة”، لأتطرق هذه المرأة إلى “الحقوق القضائية” كما يراها الكاتب في ضوء التعاليم الإسلامية التي يجهد في جعلها تفضل على حقوق الإنسان كما تصورتها المواثيق الدولية المعاصرة.
يمهد الشيخ في هذا الباب (ص 23-44)، بقوله “فإن من أهم بواعث الأمن واستتباب السكينة والشعور بالراحة النفسية والكرامة الخاصة أن يحس كل إنسان بأنه في حصانة تامة من أي حيف قانوني”. ويستنجد بالقرآن للتأكيد على هذا “لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)، وأيضا (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتهم بين الناس أن تحكموا بالعدل).
وبما أن المثل الأعلى في العدل عنده هو العصر الذهبي لعهد النبوة والخلفاء الراشدين بوصفه ذلك الفردوس المفقود الذي لا يتوقف المسلمون عن الحنين إليه ولا يتوقف رجال الدين عن الدعوة للعودة إليه تحت شعار “لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)، فإن الغزالي لا يمل من اللجوء إلى الحكايات الطريفة العائدة إلى ذلك العهد.
نقرأ للشيخ: “فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتته امرأة فشكرت عنه زوجها وقالت: هو من خير أهل الدنيا يقوم الليل حتى الصباح ويصوم النهار حتى يمسي، ثم أدركها الحياء. فقال: جزاك الله خيرا فقد أحسنت الثناء. فلما ولّت قال كعب بن سوار: يا أمير المؤمنين.. لقد أبلغت في الشكوى إليك. فقال: وما اشتكت؟ قال: زوجها. قال: عليّ بها. فقال: اقض بينهما. قال: أقضي وأنت شاهد؟ قال: إنك قد فطنت إلى ما لم أفطن إليه. قال (مخاطبا زوجها): إن الله تعالى يقول: (فانكحوا ما طاب لكم من الناس مثنى وثلاث ورباع). صم ثلاثة أيام وأفطر عندها يوما وقم ثلاث ليال وبت عندها ليلة. فقال عمر: هذا أعجب إليّ من الأول”.
هذا هو العدل الذي يجهد الشيخ الغزالي لإحلاله محل حقوق الإنسان كما صاغها البشر في العصر الحديث بعد صراعات مريرة ضد قوى الماضي البغيض. ويا له من عدل غريب الأطوار في تفاهته وسذاجته. فعلى المرأة المسكينة، حتى اليوم، أن ترضى بربع رجل، ولو عرفنا بقية الآية وما ورد فيها حول إباحة ملك اليمين من الجواري والسبايا لعرفنا مدى الظلم الذي ظل رديفها طوال قرون الإسلام. العدل عند هؤلاء لا يعني المرأة ولا يأبه لمشاعرها ولا حتى لتدينها. ولا أخال شيخنا يجهل أحاديث محمد مثل:
“لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد، إلا بإذنه” (متفق عليه)،
ومثل “لا تصوم المرأة وبعلها شاهد، إلا بإذنه غير رمضان، ولا تَأذَن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه”.
وقال النووي في (شرح المهذب): “وقال بعض أصحابنا: يكره، والصحيح الأول: الحرمة”، وقال في (شرح مسلم): “وسبب هذا التحريم أن للزوج حق الاستمتاع بها في كل وقت، وحقه واجب على الفور فلا يفوته بالتطوع ولا بواجب على التراخي، وإنما لم يجز لها الصوم بغير إذنه، وإذا أراد الاستمتاع بها جاز ويفسد صومها؛ لأن العادة أن المسلم يهاب انتهاك الصوم بالإفساد”.
فإن صامت المرأة تطوعاً بغير إذن زوجها صح صيامها مع الحرمة عند جمهور الفقهاء؛ والكراهة التحريمية عند الحنفية؛ إلا أن الشافعية خصوا الحرمة بما يتكرر صومه، أما ما لا يتكرر صومه كيوم عرفة وعاشوراء وستة من شوال، فلها صومها بغير إذنه، إلا إن منعها.
“إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت “.
“فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك” )يقصد زوجها)
“لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب (ظهر بعير) لم تمنعه”.
وللحديث قصة: لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم قال ما هذا يا معاذ؟ قال أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فلا تفعلوا فإني “لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب (ظهر بعير) لم تمنعه”).
“لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح أن يسجد بشر لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، والذي نفسي بيده لو أن من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنبجس بالقيح والصديد ثم أقبلت تلحسه ما أدت حقه”
“ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة الودود الولود العؤود على زوجها التي إذا آذت أو أوذيت جاءت حتى تأخذ بيد زوجها ثم تقول والله لا أذوق غمضا حتى ترضى”.
“اثنان لا تجاوز صلاتهما رؤوسهما: عبد آبق من مواليه حتى يرجع، وامرأة عصت زوجها حتى ترجع”
“لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا، إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه، قاتلك الله، فإنما هو عندك دخيل؛ يوشك أن يفارقك إلينا”.
“ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته”.
“لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها قيل: يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا لا يجوز لامرأة في مالها إلا بإذن زوجها إذا هو ملك عصمتها”.
“إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها، لعنتها الملائكة حتى ترجع”.
“أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة”.
“ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبدا على سيده”. (وخبب المرأة على زوجها أفسدها).
ثم بعد هذا يحلو للشيخ أن يأتينا بقصص صبيانية ويستنتج منها أن الناس في الإسلام سواء أمام القانون، مثل:
“حدث أن النبي –وكان في بيت أم سلمة- دعا وصيفة لها مرارا فلم ترد حتى استبان الغضب في وجهه. فخرجت أم سلمة تبحث عنها فوجدتها تلعب فقالت لها: أراك هنا تلعبين ورسول الله يدعوك؟ فأقبلت على رسول الله وهي تقول: والذي بعثك بالحق ما سمعتك! وكان بيد رسول الله سواك، فقال لها: لولا خشية القود لأوجعتك بهذا السواك!!
لكن الشيخ لم يتساءل عن مصير هذه الطفلة الوصيفة أي الرقيقة. كيف وقعت في الاسترقاق؟ ولماذا لم يحررها نبي الرحمة؟ وماذا كان مصير أبويها وأهلها؟ الأرجح أنها من سبايا غزوات المسلمين على القبائل المجاورة من العرب واليهود. وقصة تقتيل ذكور بني قريظة معروفة، حيث شمل الذبح جميعهم وكان يجري التمييز بين الرجال والصبيان عن طريق شعر العانة. أما الأطفال والنساء فقد بيعوا واقتنى المسلمون مقابل ذلك أسلحة. ولا أحسب الشيخ يجهل هذه القصة، كما لا أحسبه يجهل السن المبكرة التي يبدأ فيها شعر العانة في الظهور عند الصبيان (بين 12 و16) وهو ما يعني أن محمد وأصحابه قد قاموا، وبكل وحشية، بذبح أطفال أبرياء.
ومع ذلك وفي مجال العلاقات بين الدولة كتب الغزالي: “لكن الإسلام التزم جانب العدالة المطلقة يوم دانت له الأرض، ولم يبق على ظهرها سلطان مرهوب.. كان الإسلام يستطيع إبادة الجماعات القليلة التي رفضت أن تدين به بين المحيطين. ولو فعل هذا لكان متمشيا مع منطق المعاملة بالمثل.. لكن الإسلام أبى عن ترفع ونزاهة”
فما أغرب هذا الكلام وما أسخفه وأكذبه!! فأي معاملة بالمثل يقصدها الغزالي؟ فأغلب الشعوب والأمم التي سيطر عليها المسلمون كان الشر قادما إليها من الغزاة العرب المسلمين مثلما وقع للمصريين ولسكان شمال أفريقيا ولسكان أسبانيا. ولم يحدثنا التاريخ أن هذه الأقوام قد عادت المسلمين أو طلبت مساعدتهم. فكيف يصف الشيخ هذا الاعتداء بأنه من قبيل المعاملة بالمثل.
يكفي هنا قراءة ما كتبه ابن تيمية عن معاملة أهل الذمة، وما يعرف بالعهدة العمرية نقلا عن:
http://majles.alukah.net/showthread.php?t=9295
(قال ابن تيمية رحمه الله عنها في كتابه القيّم “الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح”.
وقد ذكرها أهل السير وغيرهم، فروى سفيان الثوري عن مسروق عن عبد الرحمن بن غنم قال كتبت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى الشام وشرط عليهم فيه أن لا يحدثوا في مدينتهم ولا حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا يجددوا ما خرب ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم ولا يؤووا جاسوسا ولا يكتموا غشا للمسلمين ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يظهروا شركا ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوه وأن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم إذا أرادوا الجلوس ولا يتشبهوا بالمسلمين بشيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا يتسموا بأسماء المسلمين ولا يكتنوا بكناهم ولا يركبوا سرجا ولا يتقلدوا سيفا ولا يتخذوا شيئا من سلاح ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية ولا يبيعوا الخمور وأن يجذوا مقادم رؤوسهم وأن يلزموا زيهم حيث ما كانوا وأن يشدوا الزنانير ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيفا ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين ولا يخرجوا شعانين ولا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم ولا يظهروا النيران معهم ولا يشتروا من الرقيق (العبيد) ما جرت عليه سهام المسلمين فإن خالفوا في شيء مما شرطوه فلا ذمة لهم وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق).
هذا الواقع الظالم البائس يتفادى (فضيلة الشيخ) الاعتراف به ويقرر قائلا: (والحق أن الإسلام هو أول من قرر المبادئ الخاصة بحقوق الإنسان في أكمل صورة وأوسع نطاق، وأن الأمم الإسلامية في عهد الرسول –عليه السلام- والخلفاء الراشدين من بعده كانت أسبق الأمم في السير عليها”. (ص 8).
طبعا لا نعدم في تاريخ فجر الإسلام وبعده مواقف إنسانية، ولكنا نجدها أيضا في الجاهلية، بل نجد أفضل منها. ما أود التأكيد عليه هو هذه الانتقائية الماكرة التي يلجأ إليها رجال الدين المسلمين لتشويه حقائق التاريخ واستغفال الناس والسعي المسعور لتعطيل انتشار حقوق الإنسان في بلداننا من خلال خداع الناس حول حقوق مزعومة عرفها الأسلاف وطبقوها في هذا المجال تجعلنا في غنى عن الاستفادة من منجزات الحضارة الحديثة؟
يتبع…

About عبدالقادر أنيس

كاتب جزائري
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.