العلمانية: مفهوم للترك أم للتبني؟

قالي هو قراءة لمقال كتبه السيد منصف المرزوقي التونسي، الغني عن التعريف طبعا، بفضل نضاله الطويل ضد الاستبداد ونهجه السلمي من أجل توطيد أركان الحكم الديمقراطي في تونس وفي غيرها من بلادنا المنكوبة بالاستبداد. المقال محل قراءتي يمكن الاطلاع عليه كاملا في:

http://www.alhiwar.net/ShowNews.php?Tnd=8877

ولقد تعمدت الاحتفاظ بنفس العنوان لأنني شخصيا لم أجد إجابة شافية منه على السؤال الذي تصدر مقاله كعنوان (العلمانية: مفهوم للترك أم للتبني؟). مآخذ كثيرة على مواقفه حول قضايا كثيرة في هذا المقال ظلت تلح عليّ حتى عبرت عنها هنا. ورغم أن المقال يعود إلى 2010، فقد قررت القيام بقراءة نقدية له ولو جاءت متأخرة، بعد أن اطلعت على تدخلات كثيرة حديثة للكاتب، ولم أجد مواقفه تغيرت عما كانت عليه قبل انتصار الثورة في تونس التي أطاحت باستبداد بن علي، خاصة في هذا المقال موضوع قراءتي.

يصف السيد منصف المرزوقي نفسه في هذا المقال ((كديمقراطي حقوقي علماني)). رغم ذلك يقول مباشرة بعد هذا الوصف بـ ((أن العلمانية بالنسبة للإسلاميين مرادفة للإلحاد. وأنه ليس لي أنا نفسي عنها غير بعض الأفكار السطحية تتلخص في أن المفهوم ترجمة غير موفقة للمصطلح الإنجليزي secularism، وللفرنسي laïcité، أن بعض أصحابه يخفون وراءه عداء بدائيا للإسلاميين وحتى للإسلام، ويخفي بعض أعدائه عداء لا يقل بدائية للديمقراطيين والديمقراطية. خاصة أنه يختزل في الشعار المبتذل: فصل الدين عن الدولة)).

هذا كلام لحقوقي وسياسي تونسي يصف نفسه بأنه ((ديمقراطي حقوقي علماني))، وقضى شطرا كبيرا من حياته في الدفاع عن حقوق الإنسان تسبب له في المضايقات والملاحقات والسجن والمنفي. اعتباره شعار فصل الدين عن الدولة شعارا مبتذلا موقف غريب في نظري خاصة بعد أن سبق ووصف نفسه بأنه ديمقراطي حقوقي علماني. كيف ذلك؟

يقول: ((كل ما توصلت إليه (حول العلمانية) لخّص في كتاب نشر بالفرنسية سنة 2004 عنوانه Le mal arabe الداء العربي ، وكنت أتوقع له بعض النجاح. لكن “ربها واحد” والبشر يتصرفون بنفس الكيفية في كل عصر ومكان: إن لم تسمعهم ما يريدون سماعه، هددوا بقطع لسانك كما يفعل “المتخلفون”، أو تجاهلوك كما يفضل “المتقدّمون”)).

ولست أدري كيف يسوي الكاتب بين قطع اللسان (الراجح أنه يقصد الإسلاميين) ومجرد التجاهل (العلمانيين).

طبعا، فموقف ملتبس مثل هذا لا يرضي أحدا، وليس أمامنا إلا أن نصدقه عندما يقول بـ ((..أنه ليس لي أنا نفسي عنها (أي العلمانية) غير بعض الأفكار السطحية تتلخص في أن المفهوم ترجمة غير موفقة للمصطلح الإنجليزي secularism، وللفرنسي laïcité)).

ورغم هذا بذل الكاتب كنوزا من الحيل للجمع والتوفيق بين المتناقضات كمحاولة الجمع بين الماء والنار والإسلام والعلمانية وحقوق الإنسان العالمية ولاحقوق الإنسان الإسلامية والأحزاب الإسلامية والأحزاب الديمقراطية، ولكنه مع ذلك يظل غير مرتاح لهذا الموقف وهو ما يجعله يغرق في تخبطات محيرة.

أن يقول الكاتب بعد هذا الرفض للعلمانية على أنها شعار مبتذل عندما تنادي بالفصل بين الدين والدولة لا بد أن يقود الكاتب إلى تبني هذا التنازل للإسلاميين: ((لكن الإسلام كان في تاريخنا ولا يزال راية الثوار ضد الفساد والظلم)).

السبب في هذا الرفض لرفع شعار العلمانية عند الكاتب هو ((أن الطلاق الذي حصل بين الدين والدولة في فرنسا كان ممكنا لوجود جسمين مهيكلين أي الكنيسة والدولة. لكن عندنا لا وجود لكنيسة، فبين من ومن يقع الطلاق؟)).

قبل مناقشة هذا الرأي بودي أن أنبه أن المسألة ليست مسألة مصطلحات “علمانية، ديمقراطية، فصل الدين عن الدولة…” ولا حتى مؤسسات دينية “الكنيسة، المسجد، الفاتيكان، الأزهر، الحوزات الشيعية…”، بل هي مسألة مضامين لأفكار تهيمن على حياة الناس بغض النظر عن مروجيها والمؤسسات المدافعة عنها والمصطلحات التي تحملها. فماذا يهمنا نحن في البلاد الإسلامية حتى لو سلمنا مع الكتب بغياب المؤسسات الشبيهة بالكنيسة الكاثوليكية بينما يطغى نفوذ الدين بواسطة مؤسسات أخرى “الدولة، المسجد، وزارات الشؤون الدينية، الزوايا الطرقية، الحوزات…”، وتمكنت بشتى الوسائل من تعطيل الانتقال إلى مجتمع الحرية والديمقراطية والعلمانية بحجة أن لنا في ديننا ما يغنينا عن ذلك؟

ومن جهة أخرى، لو جارينا الكاتب في قوله ((الإسلام كان في تاريخنا ولا يزال راية الثوار ضد الفساد والظلم)) ووافقنا على أنه لعب دورا إيجابيا، فلابد أن نلاحظ أن الإسلام لم يكن وحيدا بين الأديان في القيام بهذا الدور، المسيحية البروتستاتنية أيضا لعبت دورا عظيما في التحولات السياسية والاجتماعية بل وحتى الاقتصادية في أوربا وكذلك المسيحية الكاثوليكية عبر لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية هي الأخرى لعبت أدوارا أكثر تقدمية مقارنة مع الحركات السياسية الإسلامية، بل على الضد، إذا قارناها بحركات الإسلام السياسي وحتى بالثورة الإيرانية بقيادة الملالي، ومع ذلك ساهمت الأفكار الإصلاحية البروتستانتية والكاثوليكية في التمهيد للعلمانية، بينما عادتها الحركات الإسلامية. فلماذا نقبل فصل الدين عن الدولة في البلاد المسيحية ولا نقبله في البلاد الإسلامية؟

لهذا أرى من المعيب أن يتبنى الكاتب فكرة مغلوطة وهو يقول بـ ((أن الطلاق الذي حصل بين الدين والدولة في فرنسا كان ممكنا لوجود جسمين مهيكلين أي الكنيسة والدولة. لكن عندنا لا وجود لكنيسة، فبين من ومن يقع الطلاق)) ولا أرى أن مجتمعاتنا تختلف عن المجتمعات الأوربية التي بادرت إلى العلمانية؟ وأرى عكس ما يزعمه الكاتب في أنه لا يوجد عندنا ما يقابل الكنيسة؟ بل توجد عندنا مؤسسات دينية تبدأ من تنصيب الدولة نفسها كحامية للدين وحارسة على تطبيقه في كثير من المجالات خاصة مجالات الأسرة والأخلاق، وهي أهم المجالات في حياة الإنسان لعلاقتها بالحق في المواطنة التامة، بل أرى أن الإسلام كسياسة دولة يهيمن على حياة الناس كلها في بعض البلدان الإسلامية بما فيها رفض حقوق الناس في المشاركة في حياة بلدانهم وتقرير مصيرها السياسي والاقتصادي وغيرهما؟ وتوجد مؤسسات أخرى لها من القوة والنفوذ لا يقل عن الفاتيكان والكنيسة، مثل الأزهر والزيتونة والقرويين والزوايا الطرقية والحوزات الشيعية وغيرها من العتبات المقدسة في النجف وقم وغيرها كما سبق أن ذكرت بالإضافة إلى تكفل الدولة بفرض نوع من الدين المذهبي كمصدر تشريع دون سواه، بعد أن تقمع كل المذاهب الأخرى أو تهمشها. بل، إحقاقا للحق، لابد من التنويه بموقف الكنائس المسيحية التي تطورت نحو قبول التعايش السلمي مع الدولة العلمانية والديمقراطية عكس مؤسساتنا الدينية.

قلت، هذا يحدث في كل بلد إسلامي تتعدد فيه المذاهب وتتصارع وتستخدم آلة القمع الحكومية للانتصار لطرف على آخر. لكن أغلب المذاهب الإسلامية المتصارعة بما فيها المستضعفة تتفق مع دولها على اضطهاد المختلف دينا ومذهبا كما تتفق على رفض حرية الاعتقاد، وتتفق على اضطهاد المرأة وإخضاعها لقوانين مهينة بالدفاع عن تطبيق شريعة ظالمة تجعل منها كائنا قاصرا من المهد إلى اللحد.

ألا يبرر هذا تبنينا لعلمانية مناضلة شأن العلمانية الفرنسية تبعد الدين عن الدولة وتحصره في مجال الحريات الخاصة حتى تتحقق المواطنة الكاملة لجميع سكان البلد الواحد؟

ومنه، أفلا يحق لنا أن نتساءل عما إذا كان الإسلام في تاريخنا فعلا وبالمفهوم العصري ((راية الثوار ضد الفساد والظلم))، على ماذا ثار الإسلام وحقق إنجازا يعتد به في ميزان الفكر التحرري المعاصر؟ وما هو الفكر الذي يمكن أن ينعت بالثورية في هذا الإسلام؟ بحيث يمكن الاعتداد بما أنتجه هؤلاء الثوار من أفكار تغنينا عن المطالبة بالعلمانية وما تقتضيه من تبنينا لكامل حقوق الإنسان كما صاغتها المواثيق الدولية؟ ليس بين أيدينا أمثلة حية، ولم يقدم لنا المرزوقي أمثلة تؤيد رأيه. الصحيح أن الثورات القومية العربية كانت قد وجدت نفسها تكافح على جبهتين: جبهة الصراع ضد الاستعمار وجبهة الصرع ضد القوى التقليدية المتمترسة بالدين، وأما استثمارها لعامل الدين كعنصر لتحريك الجماهير، فهو لا يخفي خلفيتها الأيديولوجية التي استمدتها من الأفكار القومية الأوربية التي لا مقابل لها في موروثنا الروحي، ولعل هذا سبب في فشلها لاحقا لأنها لم تحدث القطيعة الضرورية مع الفكر الرجعي عموما، ولأنها، وهذا هو الأهم، تعاملت مع الشعوب مثلما نتعامل مع القُصًّر أو المعتوهين الذين نخفي عنهم بعض الحقائق ونحجر عليهم ونمنعهم من التصرف الحر بحجة أنهم غير ناضجين لذلك. هذا حدث مثلا مع ثورة التحرير الجزائرية (1954-1962)، وهي ثورة غير إسلامية، بل هي أقرب في برامجها وطروحاتها وإدارتها للحرب إلى النهج العلماني كون أغلب قادتها قد تكوّنوا في المدارس الفرنسية العلمانية وتعلموا النضال في النقابات والأحزاب الفرنسية العلمانية أو على الأقل تأثروا بأساليبها في العمل السياسي والجمعوي، ولكن الشباب الذين صاغوا بيانها الأول أضافوا (إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الاسلامية). ولقد اكتسب هذا البيان على مر الأيام طابعا مقدسا تعالى على التجاوز، كما ظلت شبه الجملة (في إطار المبادئ الإسلامية) بمثابة مسمار جحا أو حصان طروادة تستغله القوى الرجعية كلما اتخذت الدولة قرارات تقدمية، حتى بعد أن قال أحد محرريه، الرئيس المغتال محمد بوضياف، إنه هو وصحبه لم يكونوا يقصدون به الدولة الإسلامية ولا تطبيق الشريعة، بل كانوا متأثرين بشعار (الدين لله والوطن للجميع).

المرزوقي يقدم لنا المطالبة بالديمقراطية بديلا عن المطالبة بالعلمانية. لأنها حسب رأيه: (( تضمن كل الحريات، ناهيك عن كونها أرضية تتلاقى عليها كل الثقافات بدل اللائكية التي تبقى خاصية ثقافية فرنسية لم تستطع تصديرها حتى لأوروبا)).

القول بأن العلمانية بقت “خاصية ثقافية فرنسية لم تستطع تصديرها حتى لأوربا” قول جريء جدا على الحقيقة. ومن النادر أن نجد من ينكر أثر أفكار الثورة الفرنسية العلمانية في أوربا بأسرها، بل حتى في إعطاء إشارة الانطلاق للنهضة العربية.

سنرى كيف يتمكن الكاتب الخروج من هذا المأزق، بعد أن جرد الديمقراطية من أهم عناصرها الحيوية وخاصة العلمانية وحقوق الإنسان وفصل الدين عن الدولة. أقول “جرد” متعمدا، لأن كل القوى السياسية اليوم تنادي بالديمقراطية بما فيها الإسلاميون الذين كانوا بالأمس القريب يكفرونها، ولكنها يجردونها من أهم ركائزها مثل العلمانية وحقوق الإنسان وفصل الدين عن الدولة.

دعونا إذن نواصل قراءة أفكار المرزوقي. كتب: ((حصل القذف من الأعماق المجهولة يوم سألني صحفي عن موقف اللجنة العربية لحقوق الإنسان من مشروع قانون فرنسي يمنع الحجاب، فرددت أن موقف حركة حقوق الإنسان عربيا ودوليا كان وسيبقى إدانة فرض لبسه بالقوة كما يفعل النظام الإيراني، وإدانة نزعه بالعنف كما يفعل النظام التونسي)).

طبعا لا بد أن القارئ النابه يكون قد انتبه إلى هذا التشويه للمواقف ووضع الجميع في سلة واحدة رغم الفارق الحضاري الكبير. فإذا كنا مثلا نعرف أن الحجاب فُرِضَ وعُمِّمَ على جميع النساء بقوة القانون والقمع في إيران والأمر كذلك في السعودية منذ تأسيس الدولة، وهو أيضا كان يجابه بقوة القمع في تونس فإن ما يتعمد المرزوقي إغفاله أو لا ينتبه إليه على الأقل هو أن ظاهرة الحجاب في تونس وفي كل البلاد الإسلامية ظاهرة سياسية غير محايدة وليست مجرد اختيار حر من المرأة، فمؤيدوها يعلنون لمن يريد أن يسمع ومن لا يريد عن نيتهم في السعي تعميم هذه الظاهرة على جميع النساء، وإلى الإطاحة بحكوماتنا المستبدة ليس لأنها مستبدة سياسيا بل لأنها في نظرهم علمانية لا تحتكم إلى شرع الله، وهم يدعون لإقامة الدولة الإسلامية التي لا تختلف في استبدادها عن الدولة القومية التي يعملون على الإطاحة بها. الحجاب إذن هو شعار سياسي يتم فرضه في كثير من الأحيان على المرأة في الاسرة وفي الشارع وفي المؤسسات التربوية عبر التخويف والترهيب والتكفير. ولا أخال الكاتب يجهل ما تتعرض له الفتيات من ضغط من طرف أو أطراف مختلفة تبدأ من الأخ الإخواني مرورا بالمعلم والإمام إلى غاية رجل الشارع الذي ينصب نفسه حارسا للأخلاق إلى الدولة الموافقة أو المتواطئة، ويبلغ الضغط حدا لا يطاق أحيانا. وفي الجزائر لجأ النشطاء الإسلاميون إلى شتى الاعتداءات من شتم وحصار وصب الحامض ثم القتل خلال حربهم الجهادية. فأين نحن من حرية الاختيار التي تدخل في إطار حقوق الإنسان المقدسة، والتي يجب أن نحترمها ونوفر لكل شخص الحماية المطلوبة لممارسة حقه في التعبير عما يعتقد، بما فيها عن طريق الكلمة واللباس. كما لا يجب أن نتجاهل هذا الكم الهائل من النفاق الذي لجأ إليه الناس خوفا من الإسلاميين في لباسهم وكلامهم وجباههم. نفاق لوّث تصرفات الناس في الأسرة والسوق والإدارة وفي كل مكان دون أن تستفيد منه الأخلاق، عكس ما يدعيه الإسلاميون، بل ازدادت تدهورا.

في الجزائر، وبما أن الكاتب تعرض بالنقد للقائد السياسي العلماني سعيد سعدي، فإن الحجاب التقليدي لم يكن أبدا يثير أية مشكلة، ولا كان يقابل بالاستهجان من طرف الناس مهما اختلفت مواقفهم الفكرية والسياسية. كانت النساء عندنا ترتدين أنواعا مختلفة من الأحجبة منها الملاءة السوداء التي تستر كامل الجسم وحتى الوجه يختفي وراء العجار (البرقع)، ومنها “الحيك” الأبيض الذي تلبسه الشابات وتحرصن على إظهار بعض مفاتن الجسم كأن يكشفن عن جانب من الساق أو بعض خصلات الشعر مع ستر الوجه، مثلا، ومنها حجاب نسميه بوعين تستر به المرأة كامل جسمها وتبقى ممسكة به بيد على مستوى وجهها فلا تترك إلا عينا واحدة للنظر وكانت هذه اأحجبة تتعايش في سلام مع اللباس العصري الوافد إلينا مع الفرنسيين بما فيها الميني جيب والجِين، وكثيرا ما يشاهد المرء تعايش جميع الأنماط في أسرة واحدة، أما نساء الأرياف فلم يكن يتحجبن خاصة في الحقول والبساتين.

المفارقة أن الملاءة هذه تعرضت للنقد من طرف شاعر جمعية العلماء المسلمين في أربعينات القرن الماضي، محمد الصالح خبشاش:

تـركـوكِ بـيـن عبـاءةٍ وشقـــــاءِ ++++_مكؤوبةً فـي اللـيلة اللـــــــــــــيْلاءِ

مسجـونةٌ مزْجـورةٌ محـــرومةٌ ++++ محفـوفةٌ بـمـلاءةٍ ســــــــــــــوداء

ثم يتساءل الكاتب: ((… ما “وقود” المعركة بين أنصار المفهوم وأعدائه؟)) ويجيب: (( تاريخيا لم يعلن اللائكيون الفرنسيون “جهادهم” ضد الكاثوليكيين إلا للانتقام من استبدادهم القديم وخوفا من تجدده. نفس الشيء عن تعلق بعض العلمانيين في المغرب العربي بالمفهوم وهم يرون فيه السدّ المانع أمام اكتساح الإسلاميين المتهمين بالإعداد للاستبداد)).

أين الخطأ هنا في موقف اللائكيين الفرنسيين والعلمانيين في المغرب العربي؟ ألم تمارس المؤسسات الكنسية في أوربا قمعا تواصل لقرون من الزمن ضد الشعوب، ضد المختلفين، ضد المفكرين، وحتى ضد العجائز بتهمة السحر فأقامت للجميع المشانق والمحارق. وعليه فقمع العلمانيين تجاههم هو جزء ضئيل من بضاعتهم ردت إليهم أما في المغرب العربي فالشر بدأ من الإسلاميين الذين راحوا، أمام مسمع ومرأى الجميع، يشحذون الخناجر والحناجر للفتك بكل المعترضين على مشروعهم الإسلامي. لكن عندما يكتب المرزوقي ((الإسلاميين المتهمين بالإعداد للاستبداد))، فكأني به لا يصدق أن الإسلاميين ظلوا دائما يعدون للاستبداد، وحيثما وصلوا إلى الحكم مارسوه (إيران، السودان، طالبان، الصومال، السعودية..)، وبالتالي فكلمة “متهمين” ليس في محلها لأن الأمر ليس مجرد اتهام بلا دليل بل إن الإسلاميين يصرحون دائما عن نواياهم في إقامة الدولة الإسلامية. ولم توجد دولة دينية غير فاشية ماضيا وحاضرا.

رغم نقدي لهذه المواقف فهناك سؤال سأتعرض للإجابة عنه في المقال اللاحق، وهو : هل إن الثورات العربية قد وضعت مجتمعاتنا في مأمن من عودة أي نوع من الاستبداد، خاصة الاستبداد الديني، حتى لو وصل الإسلاميون عن طريق الانتخابات إلى السلطة؟

يتبععبدالقادر أنيس فيسبوك

About عبدالقادر أنيس

كاتب جزائري
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.