الصين: من الحس الوطني المتشدد إلى الحس الوطني المعتدل

دانيال بيل 

إن الحس الوطني الصيني سيئ؛ أو هكذا يبدو لبقية دول العالم. على مدار معظم فترات القرن العشرين، نظرت الصين لنفسها بوصفها ضحية للاستئساد الأجنبي، واعتمد القادة الصينيون على مشاعر السخط بهدف توطيد أركان الدولة. والآن، بعد أن بدأت قوة الصين تزداد، عادت للاستئساد والتنمر على الدول الأخرى. ومن الطبيعي أن تخالج الدول الأخرى مشاعر القلق جراء هذا.

 غير أن ثمة نمطين من الحس الوطني في الصين. يتركز النمط «المتشدد» الذي عادة ما تشير إليه وسائل الإعلام الأجنبية في الأوساط العسكرية في بكين والمستويات العليا بالحزب. زار القائد الجديد للصين، تشي جينبينغ، المتحف الوطني الصيني الذي يسلط الضوء على حروب الأفيون و«قرن الخزي والعار» اللاحق في الصين. بعدها، طالب بإدراك «سبب تجديد الروح القومية» الذي بدا متزامنا مع التأكيد المتزايد على الحق في ملكية الجزر المتنازع عليها.

 لنكون أمناء فإن الحس الوطني المتشدد ليس بالضرورة سيئا. وتتمثل النقطة الجوهرية في بناء قوة الدولة في تحقيق الاستقرار السياسي، بحيث يتسنى للناس أن يعيشوا حياة كريمة من دون قلق من الحرمان المادي وعدم الاستقرار. ومن ثم، يبدو من المعقول إقامة قوة دولة وقتما كانت الصين فقيرة وتتعرض لاستئساد متكرر من قبل قوى أجنبية.

 بالطبع تكمن المشكلة في أن الصين الآن تمثل قوة اقتصادية كبرى لها حدود إقليمية آمنة نسبيا. ومن ثم، يصعب الآن تبرير الحس الوطني المتشدد. يبدو أنها لا تهدف فقط لتذكير الصين بإهانتها على أيدي قوى خارجية، ولكن أيضا لجعل الناس ينسون الإهانة الأخيرة للصينيين على أيدي حكامهم.

 نظرا لأن قليلين فقط هم من لا يزالون يؤمنون بالماركسية، فإن الحزب «الشيوعي» الصيني يسعى للشرعية باستحضار صورة من الحس الوطني تتخذ شكل علاقة معادية وتنافسية للصين ببقية دول العالم. بعبارة أخرى، عادة ما يوظف الحس الوطني في جعل الناس يخدمون الحكومة، وليس العكس.

 غير أن هناك شكلا آخر للحس الوطني – ولنشر إليه بمسمى «الحس الوطني المعتدل» – يشكل الوعي الأخلاقي في الصين المعاصرة. يتركز الحس القومي المعتدل في نانجينغ عاصمة الصين القديمة. وفي مقابلة إعلامية صينية أميركية جرت مؤخرا في نانجينغ، شارك في تنظيمها كل من جامعة جياوتونغ وجامعة إيموري، أخبرنا باحث مقيم في نانجينغ بأنها كانت نقطة الالتقاء بين الشمال «الكونوفوشيوسي» والجنوب الأكثر تركيزا على التجارة، ومؤخرا بين الثقافتين الكونفوشيوسية والغربية.

 كانت نانجينغ عاصمة للسلالة الحاكمة 10 مرات إبان تاريخها الذي يعود إلى 2500 عام. وعملت مؤخرا كعاصمة للصين تحت حكم الحزب الوطني الشعبي الصيني. إن ما نظر إليه في البداية بوصفه فترة «إقطاعية» و«رجعية» أصبح ينظر له بمنظور أكثر إيجابية الآن. إن سقف ضريح الأب المؤسس، صان يت سن، مزين بشعار «الحزب الوطني الشعبي الصيني» (الكومنينتانغ)، ويعرض المتحف المجاور تاريخ الحزب بصورة أكثر توازنا.

 اشتق حزب الكومنينتانغ الشرعية على الأقل جزئيا من ترويجه للقيم الكونفوشيوسية، والكونفوشيوسية هي ما يكمن في جوهر الحس الوطني المعتدل. يعتبر معبد كونفوشيوس أحد أبرز عناصر الجذب السياحي في نانجينغ، وهناك مقولة شهيرة منقوشة على ضريح صان يت – العالم ينتمي إلى العامة – من الكتاب الكونفوشيوسي القديم، كتاب الطقوس.

 يعتز الحس الوطني المعتدل من الطراز الصيني بالقيم الكونفوشيوسية – النظرة الإنسانية وتحسين الذات عن طريق التعلم من الآخرين – وهاتان القيمتان بارزتان في العاصمة نانجينغ.

 تعتبر نانجينغ موقعا لأحلك اللحظات في «عقد الخزي والعار» في الصين – ذبح 300 ألف مدني على أيدي القوات اليابانية في عام 1937. يصور متحف مذبحة نانجينغ المذبحة ليس فقط ككارثة قومية، بل كارثة إنسانية. لقد حلت الروايات الموثقة جيدا عن الضحايا الأفراد محل الدعاية العاطفية المعادية للأجانب. تشيد المظاهر الرمزية بالأفراد الذين قتلوا، على نحو يماثل متحف الهولوكست في القدس. علاوة على ذلك، فإنه يشاد بالأجانب الذين أنقذوا المدنيين الصينيين، إضافة إلى الأجانب الذين تعرضوا للضرب على يد القوات اليابانية.

 وهناك متحف آخر موجه لذكرى جون رابي، الذي أنقذ حياة مئات الصينيين أثناء مذبحة نانجينغ بفتح منزله للمدنيين. تجاوزت روح رابي الإنسانية إلى حد ما انتماءاته النازية. إن المتحف المجاور مخصص لبيرل باك. يتم تصوير باك، الذي كان يشار إليه في السابق بوصفه رأسماليا أميركيا رجعيا، الآن في صورة كاتب بارع أبدى تعاطفه مع الفقراء في الصين ونظم حملة للدفاع عن حقوق الإنسان في الولايات المتحدة.

 تضم القاعة التذكارية لشهداء الطيران المعادي لليابان إشادة بالطيارين الأميركيين البالغ عددهم 2500، الذين راحوا ضحية القتال مع حزب الكومنينتانغ في الصراع ضد الغزاة اليابانيين. واسم كل طيار قتل منقوش في نصب تذكاري، مماثل لنصب المحاربين القدماء الفيتناميين في واشنطن العاصمة. يوضح لنا مرشدنا الصيني بفخر أنه الموقع التذكاري الوحيد الذي يشيد بالجنود الأجانب.

 تهدف هذه المظاهر إلى توضيح أن الصينيين يتباهون بنظرة تولي قيمة للإنسانية والحنان – «رين» باللغة الكونفوشيوسية – بصرف النظر عن العرق أو الانتماء الوطني.

 هناك مقولة كونفوشيوسية أخرى – معروفة لجميع الصينيين المتعلمين – هي أن أي مجموعة مؤلفة من ثلاثة أفراد دائما ما سوف تضم معلما. النقطة هي أننا يجب أن نسعى دائما لتحسين أنفسنا بالتعلم من الآخرين. عند تطبيق هذا على المستوى الوطني، فإنه يعني أن الدولة يمكن ويجب دائما أن تحاول التعلم من الدول الأخرى، مما يعني توطيد علاقات جيدة بتلك الدول. كانت نانجينغ هي نقطة الانطلاق لرحلات تشينغ هو، الأدميرال الشهير من أسرة مينغ الذي استكشف عدة قارات بأسطوله من سفن المجوهرات.

 لقد تفاخر مضيفونا في نانجينغ بدرجة كبيرة بأهمية التعلم من الدول الأخرى. زرنا مدرسة ثانوية أسستها إرساليات أميركية تقوم بتدريس منهج على الطراز الأميركي، بحيث يتمكن الطلاب من الالتحاق بجامعة في الولايات المتحدة. سألت المدير عما إذا كان يبدو من العدل أن تنفق الصين موارد حكومية على الطلاب الذين قد لا يعودون مرة أخرى، لكنه قال إنه ليس قلقا، فعلى الأقل بعضهم سيعودون، ويمكنهم أن يساعدوا الدولة من خلال المعلومات التي اكتسبوها بالخارج.

 إن معاهد التعليم العالي في نانجينغ حريصة على تأكيد صلاتها الوطنية.

 كانت جامعة نانجينغ أول جامعة في الصين تضفي طابعا مؤسسيا على تعلم الابتكارات العلمية ذات الطابع الغربي. كذلك، كانت أول جامعة صينية تؤسس مركزا دوليا للتعليم العالي: جامعة جون هوبكنز – مركز الدراسات الصينية والأميركية في نانجينغ الذي يقوم بتدريب الدبلوماسيين المستقبليين من الولايات المتحدة والصين. يتعلم الصينيون باللغة الإنجليزية والأميركيون باللغة الصينية.

 تحدث رئيس الحزب في نانجينغ، يانغ ويز، بفخر عن تراث نانجينغ الثقافي. وقد أخبر جماعتنا بأن نظام الفحص الكونفوشيوسي وصل إلى نقطة ذروته في نانجينغ وأقيمت أول حكومة لجمهورية الصين في نانجينغ، الأمر الذي كان مفيدا للإصلاح في التاريخ الصيني اللاحق. وأشار يانغ إلى صلات نانجينغ الخاصة بالولايات المتحدة: بها أقدم مستشفى على الطراز الحديث في الصين – والذي أسسته إرسالية أميركية – وأول مدينة صينية تقترن بمدينة أميركية (هي سانت لويس). تلقى يانغ نفسه التدريب في كلية كيندي بجامعة هارفارد في عام 2006.

 من منظور أخلاقي، ليس ثمة أدنى شك في أن الحس الوطني المعتدل هو – أو يجب أن يكون – أسلوب المستقبل. لكن هل يمكن أن ينتقل من نانجينغ إلى بقية مدن الصين؟ هناك مبررات تدعو للتفاؤل. يدرك معظم المثقفين والإصلاحيين السياسيين الصينيين الحاجة إلى شكل أكثر اعتدالا من الحس الوطني. بالتأكيد يجدي إحياء الأخلاقيات الكونفوشيوسية في النظام التعليمي في الصين. في مطلع يناير (كانون الثاني) 2011، كشف النقاب عن ساحة تيانانمين، وتمثال كونفوشيوس بها، لكنه أزيل بعد ثلاثة أشهر. سوف ندرك أن الحس الوطني المعتدل قد وصل إلى بكين، عندما يعود كونفوشيوس بشكل دائم إلى ساحة تيانانمين.

 * أستاذ بجامعة شنغهاي جياوتونغ ومشارك في تأليف كتاب «روح المدن»

 * شبكة «غلوبال فيو بوينت»

 – خدمات «تريبيون ميديا»

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.