الخصوصية والسيادة لا تحصنان الحكومات ضد القانون

الحياة اللندنية : حميد الكفائي

لم يعد التجاوز على حقوق الإنسان شأناً داخلياً كما كان سابقاً بل أصبح شأناً عالمياً لأنه مرتبط بالقوانين والمواثيق الدولية. المجتمع الدولي الحديث يراقب ويحاسب الحكومات التي تسيء التصرف مع شعوبها ويتخذ إجراءات عقابية رادعة حسب القدرة والإمكانات المتاحة.

 المنظمات الدولية هي الأخرى تراقب وتصدر تقارير دورية حول حقوق الإنسان في دول العالم المختلفة وهذه التقارير تؤخذ بنظر الاعتبار عند اتخاذ القرارات وتقويم العلاقات الدولية، والدول التي تنتهك مواثيق حقوق الإنسان والقوانين الدولية تتعرض لعقوبات ديبلوماسية واقتصادية صارمة تؤثر سلباً على نموها الاقتصادي والمستوى المعاشي لسكانها، وتحد أيضاً من تطورها الطبيعي مقارنة بالدول الأخرى. كما أصبح المسؤولون المتجاوزون يُحاسبون شخصياً على تجاوزاتهم أو جرائمهم أمــــام المحاكم الدولية ولم تعد حصاناتهم التي يتمــتعون بها وطنياً قادرة على حمايتهم دولياً. أصبح الاقتصاد العالمي يدار عبر المنظمات والمؤسسات المالية الدولية والشركات العملاقة والتجمعات الاقتصادية، والدول التي لا تجد لها موقعاً مؤثراً في هذه المؤسسات والمنظمات والتجمعات، أو لا تنسجم معها لسبب من الأسباب، تتراجع اقتصادياً وعلمياً وتنزوي وحدها في زاوية مظلمة حتى يقتنع قادتها بالالتحاق بركب الحضارة الدولية.

لقد تأجل انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بسبب عدم اقتناع الاوروبيين بالتزامها الكامل بالمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، خصوصاً ما يتعلق بالتعامل مع سكانها الأكراد. دول أخرى كالصين وباكستان وإيران وبورما وكوبا ونيجيريا تكبدت أضراراً كبيرة بسبب سجلها غير المرضي في مجال حقوق الإنسان وتجاوزها على القانون الدولي.

 ولم يقتصر الأمر على سجل حقوق الإنسان فحسب، بل هناك دول عديدة تنظر إلى سجل حقوق الحيوان أيضاً عندما تقرر سياساتها. التعدي على حقوق الحيوان لم يعد مقبولاً عند الدول المتقدمة، حتى وإن كان الحيوان المعتدى عليه خارج حدودها. فقد علقت استراليا تصدير الأبقار إلى إندونيسيا قبل سنوات بعد أن اتضح أن الأندونيسيين يسيئون معاملتها وينقلونها عبر شاحنات مكتظة لفترات طويلة من دون ماء أو طعام ويبقونها في أماكن تفتقر إلى الحدود الدنيا لحياة الحيوان.

 كما أشارت تسجيلات سرية مصورة إلى أن العمال الإندونيسيين يضربون الأبقار بالعصي على رؤوسها دون مبرر وإنما لمجرد التسلي.

الشركات العالمية هي الأخرى تتردد في التعاقد مع الدول التي تنقصها البيئة القانونية والالتزام بالمواثيق الدولية. معظم الشركات تطلع على المؤشرات الاقتصادية والإدارية والقانونية في البلد الذي تعتزم العمل فيه، فإن كانت تلك المؤشرات، كالشفافية وحقوق الإنسان ومستوى التلوث البيئي، سيئة في ذلك البلد، فإنها تمتنع عن المشاركة في نشاطـــاته الاقتصادية والعمل في مشاريعه الإنمائية.

 كان بعض الشركات العالمية يتجاوز بعض القوانين الدولية المتعلقة بظروف العمل وحقوق العمال وتلوث البيئة عند إنشاء مصانع أو مصافي أو حفر آبار في الدول الفقيرة، لكن متابعة وسائل الإعلام والمنظمات الدولية أصبحت دقيقة الآن ما أدى إلى انكشاف تلك الممارسات غير القانونية واضطرار الشركات إلى العدول عنها والالتزام بالضوابط والمعايير الدولية. مثل هذه الرقابة أصبحت مكثفة الآن فإذا ما اتضح أن هناك تجاوزاً على القوانين فإن الشركات المتجاوزة توضع ضمن القائمة السوداء حتى في بلدانها الأصلية.

 بعض دولنا ما زال متمسكاً بما يسميه بـ «الخصوصية» القومية أو الدينية بهدف البقاء ضمن أطر الماضي وعدم اللحاق بركب التقدم، بينما يلجأ البعض الآخر إلى ذريعة «السيادة» كي يحصِّن نفسه ضد التغيير الآتي من الخارج، بينما ينسى أن السيادة قد تغير مفهومها كثيراً خلال ربع القرن الأخير ولم تعد تعني حق تصرف الحاكم بحقوق الناس المدنية وحرياتها وممتلكاتها داخل بلد معين، بل أصبحت مثل هذه الأمور شأناً دولياً. كما يرفض بعض دولنا ما يسميه بـ «التدخل» في شؤونها الداخلية إن احتجت المنظمات الدولية على ممارساتها المناقضة للقوانين الدولية، لكن مثل هذه الشؤون لم يعد شأناً داخلياً كما كان سابقاً. كما إن اتباع مثل هذه السياسات الانعزالية لم يعد مقبولاً أو صالحاً في القرن الحادي والعشرين، والأفضل لحكومات هذه الدول أن تنسجم مع القوانين الدولية وتعامل شعوبها وفقها، فهذا يخدم في نهاية المطاف الصالح العام ويزيد من تعاون الدول الأخرى معها.

 إن من يظلم شعبه ويحرمه من الحقوق الأساسية ويتجاوز على القوانين الدولية باسم الدين والأعراف والتقاليد والمصلحة الوطنية والقومية إنما يعرض نفسه للمحاسبة الدولية، كما حصل مع الرئيس الصربي الأسبق سلوبودان ميلوسوفيتش وعدد من قادة جيشه الذين انتهكوا القوانين الدولية واعتدوا على حقوق الإنسان في البوسنة والهرسك، فحوكموا في محكمة العدل الدولية في لاهاي ونالوا ما يستحقون من عقاب، على رغم أن ميلوسوفيتش توفي قبل أن تنهي المحكمة أعمالها.

كما يواجه الرئيس السوداني عمر البشير اتهامات من قبل المحكمة الجنائية الدولية بانتهاك ميليشيات «الجنجويد» المدعومة من قبل حكومته حقوق الإنسان في دارفور. وبغض النظر عن صحة هذه الاتهامات أو عدمها لكن المهم هو أن التجاوز على حقوق الإنسان لم يعد شأناً داخلياً وأن الأشخاص الذين ينتهكون القوانين الدولية في بلادهم، وإن ظنــــوا أنهم أقوياء ومحصنون، فإنهم شخــصياً معرضــون للمــساءلة في المحاكم الدولية.

 لم يسكت العالم على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري بل شكلت لجنة دولية للتحقيق في اغتياله، وعلى رغم الجدل الذي أثارته تلك اللجنة في لبنان واختلاف الفرقاء السياسيين حول مقاصدها، إلا أن اهتمام المجتمع الدولي باغتيال سياسي لبناني أمر له دلالاته المعنوية الواضحة وهي أن أي جريمة محلية يمكن أن تأخذ إبعاداً عالمية.

العالم يتجه نحو التكامل، والقوانين الدولية والمصالح الاقتصادية المتشابكة والتجارة الدولية والاتصالات الحديثة أصبحت تشد العالم بقوة وتضيق الخناق على المتجاوزين ومنتهكي حقوق الإنسان حتى وإن كانوا متنفذين وأصحاب سلطة. الخصوصية القومية والدينية أو السيادة لن تحميا خارجاً على القانون الدولي من العقوبة.

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.