سياف الزهور- الخد الأيسر

يتركون لنا بقايات الشمس لندفأ

بقايا الموائد لنأكل

بقايا الليل لننام

بقايا الفجر لنستيقظ

بقايا الموسيقى لنسمع

بقايا الأرصفة لنمشي

بقايا الأصابع لنكتب

ثم يتركون لنا الوطن من المحيط إلى الخليج، لنقاتل ونموت من أجله.

***

بكوفيّتي البيضاء كإعرابي

ومعلّقاتي السبع كجاهلي

وسفني الجوابة كفينيقي

… بأظافري الطويلة والمهملة كأعشاب الخرائب

ونظراتي التائهة كطيور الغروب

أريد ثمن الهوان القديم من الألف إلى الياء

ثمن كل إطراقة في المطار

وهلع وامتقاع وجه على الحدود

وصرخة أواهة في غرف التحقيق

وكل صورة كاريكاتورية لأي إعرابي على جمله في صحف الغرب

ثمن كل عصفور خرج من سماء الوطن ولم يعد

وكل سنونو عاد إليها ، وانقطعت أخباره

وثمن الدموع التي تعفنت في موانئها ومجاريها، لأن أحداً لا يسمح لها بالعبور أبداً خارج القصيدة، أو اللوحة، أو مغلفات الرسائل، أو الاختلاط بأي نوع من أنواع الدموع في العالم، كانها دموع موبوءة، أو تحت الوصاية،…

أو آلام من الدرجة الثانية.

ولذلك لن نذرفها بعد الآن على الأغاني العاطفية، والأفلام والمسلسلات العربية والمكسيكية، بل سنذرفها في المغاسل، في زجاجات وأكياس خاصة، ونلقي بها خلسة في الحاويات والآبار البعيدة، للحفاظ على قيمتها ورفع مستواها، كما تفعل أمريكا عندما تلقي بملايين الأطنان من القمح في أعماق البحار والمحيطات كل عام، للحفاظ على مستوى الأسعار، ومستوى الجوع في العالم…

***

كما أريد حصتي من الشمس والقمر والنجوم، والشروق والغروب..

من الحقول والسهول، والجبال والوديان، والحرّ والقرّ والمناخ المعتدل…

والأنهار والسواقي والينابيع…

والسفن والأمواج والرياح، وذرى الأمواج وقاع المحيطات…

من الكهوف والمغاور، والأوابد الأثرية، والموقع الاستراتيجي، وملتقى الأقوام والحضارات…

من الأبجدية والدولاب، والحدائق المعلقة إلى الأبد كدموع التماثيل.

والجسور والمنعطفات، والساحات، والعَرَصَات، والجدران والسطوح والميازيب…

من البرق والرعد والصواعق وأغاني الرعاة والصيادين والملاحين …

من الغسق والضحى

من الربيع والخريف

من السيول والحرائق والفياضانات

من الماضي ، والحاضر، والمستقبل…

أريد حصتي ، حتى من التصحّر وتلوّث البيئة !!

***

ولن أقبل أبداً ببضع قطرات من الدم على محرمتي كل صباح مثل شوبان…

أو زمهرير وجورب في كل يد، وضحكة بلهاء تحت الجسور مثل موزارت…

أو ساق مبتورة وضماد يغطيه القمل وسلاسل العبيد مثل رامبو…

أو بضع نوبات من الصرع أو الجنون مثل نيتشه أو دوستويفسكي…

أو عاهرة، وأذن مقطوعة، وباقة من أزهار عباد الشمس، وفراش عتيق لا يكاد يلحظه أحد في “مصح عقلي” مثل فان كوخ…

***

أما: راتب شهري… راتب تقاعدي… تعويض عائلي؟

مكافأة أسبوعية… سنوية؟

فهذا لا يعنيني أبداً …

فأنا لست رجل شهور وأسابيع وسنوات… بل رجل قرون ودهور وأجيال..

منذ سبعة آلاف سنة، بنيت الأهرامات، ونقلت حجارتها على ظهري من أسوان إلى الجيزة، تحت لسع السياط وحريق الهاجرة،. والآن أتألم، وأشكو ضآلة الأجر وسوء المعاملة!!

About محمد الماغوط

محمد أحمد عيسى الماغوط (1934- 3 أبريل 2006) شاعر وأديب سوري، ولد في سلمية بمحافظة حماة عام 1934. تلقى تعليمه في سلمية ودمشق وكان فقره سبباً في تركه المدرسة في سن مبكرة، كانت سلمية ودمشق وبيروت المحطات الأساسية في حياة الماغوط وإبداعه، وعمل في الصحافة حيث كان من المؤسسين لجريدة تشرين كما عمل الماغوط رئيساً لتحرير مجلة الشرطة، احترف الفن السياسي وألف العديد من المسرحيات الناقدة التي لعبت دوراً كبيراً في تطوير المسرح السياسي في الوطن العربي، كما كتب الرواية والشعر وامتاز في القصيدة النثرية وله دواوين عديدة. توفي في دمشق في 3 أبريل 2006.

This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا, كاريكاتور. Bookmark the permalink.

Leave a Reply