الأيروس الجميل.. رقصة حياة على أنفاس أفروديت

أيروس هو إله الحب الجنسي عند قدماء الإغريق، و هو ابن إلهة الجمال أفروديت، إنها لحقيقة تربط الأيروس بالجمال، و قد أدركها الوعي منذ زمن بعيد قبل الميلاد، و لكن اليوم في القرن الواحد و العشرين ما يزال ثمة كثيرون يعجزون عن إبصار هذه الحقيقة، و ما تزال الصورة لديهم معكسوة، و بدلا من الجمال و الاحترام…يحل لديهم التقبيح و التحقير، بل و التعهير!
في هذه المقالة البسيطة سنتكلم عن الأيروس جميل الكلام بقدر ما نستطيع أن نحسن الكلام، و هذا الكلام موجه إلى القادرين على رؤية الجمال الأصيل في الحياة و الوجود أينما كان، و أينما كان لا تخطئه أنوار بصائرهم، فيحسه خصب أنفسهم.. و تصـْدقه حيوية ضمائرهم و تشهد له رفعة عزائمهم.
نحن البشر كائنات جنسية، و هذه حقيقة لا جدال فيها، و سواء كنا دينيين أو علمانيين، فنحن أمام حقيقة معناها أن القوة التي خلقتنا سواء كان الله هو الخالق.. أم الطبيعة هي الخالقة قد خلقت الجنسانية الجوهرية فينا، و جعلتها جزءا أساسيا من تكويننا، وربطت بها تناسلنا و استمرارنا، و ربطتها بعاطفة الحب العشقي، و جعلتها الاتصال الأكثر حميمية بين الإنسان و الإنسان! و هكذا فلن نتحرج بتاتا من القول دون مواربة أن كلامنا سيدور هنا عن الجنس، نعم و ليس عن الحب الرومانسي.. و لا عن الحب العذري أو الحب الصوفي أو أي حب آخر يمكن أن يربط بين المرأة و الرجل، و لم لا؟ فما خطب الجنس؟ و عن طريقه ولد كل البشر بكل ما فيهم من علماء و حكماء و عظماء.. بل وقديسين و أنبياء!
علينا أن نخرج من الكذبة، و أن نكون صريحين مع أنفسنا و متصالحين معها، و كفانا قرنا للجنس بالعيب، و حصارا و إقصاء و تقيدا له، فنحن لم نكتف بطرده تماما من كل آفاق الحيز العام إلى أقصى و أضيق زوايا الحيز الخاص المغرق في ضيقه أصلا، بل حتى هناك تابعنا مطاردته، و في النهاية على ماذا حصلنا؟ لقد وصلنا إلى حالة صار فيها حتى الجنس الشرعي لدينا يعني تقريبا “الفسق المرخص”.. و ما فعلناه لم يجعلنا فاضلين، بل كذبنا كذبة الفضيلة على أنفسنا و غيرنا و صدقناها أو ادعينا تصديقها، و بنتيجة شدة المنع والحظر جاءت ردة الفعل المكافئة لتجعل غالبيتنا الساحقة مهجوسين و مسكونين بالجنس، متكالبين عليه في صراع داخلي بين ما تحتاجه الطبيعة و ما ينجسه العرف! و هكذا دنس هذا العرف سرائرهم و مزقها الصراع.. فأنى لهم أن يعرفوا السكينة و النقاء؟ و هم في سلوكهم هذا يجبرون على تعلم المراوغة و الرياء، فيتقنوها و يعتادون عليها.. و يسحبونها في الغالب على بقية محالات الحياة.
ما تزال المرأة لدينا عموما عورة.. و ناقصة عقل و دين، و ما تزال الأعضاء الجنسية عورات و سوءات، و الجماع الجنسي فحشاء؟ أفبهذه (العقلية) سنكون خير أمة أخرجت للناس و نريهم أن الدين عند الله هو الإسلام؟ و هل ستدخلنا هذه (الثقافة) حضارة القرن الواحد و العشرين بكل ما فيها من فلسفة و علم و فكر؟! كيف لهذا أن يكون و قد همشنا نصف المجتمع، و عوّرنا علاقتنا معه، و جعلنا من الإنسان كله ثمرة فعل العورات و السوءات، فهل لها بعد هذا إلا أن تكون أفسد الثمار؟
إن من لا يستطيع أن يكون متسالما مع نفسه.. و متصالحا معها، و يعجز أن يعترف بطبيعته كما هي، لن يقدر في يوم من الأيام أن يعيش معترفا بسواه.. و يتعايش معه بسلام، و مع الإعتذار للفظة “ثقافة” لاستخدامها في تسمية ما لا يجوز أن يسمى بها، فـ (ثقافة) العيب و السوءة و العورة المتخارجة مع العقل و الفاقدة للحس بالجمال، هي حكما ثقافة مفلسة من الحب و السلام، و هي سماد البيئة التي تنتج الإرهاب و التكفير!
هنا سيـُعترض علينا بشدة .. بأن الغرب الذي ألغى كل حظر عن الجنس ما زال بعيدا هو الآخر عن ثقافة الحب و السلم!
أجل.. لا أحد يستطيع المجادلة في ذلك، لكن شتان بين بعد الغرب عن ذلك و بعدنا نحن عنه، هذا أولا، و ثانيا، موْضـَعة الجنس في مكانه الصحيح..ليست وحدها ما يصنع ثقافة المحبة و السلام، فهناك العديد من العوامل الأساسية الأخرى، أي أن ثقافة الجنس الصحيحة هي شرط لازم ..لكن غير كاف لذلك، و الغرب ما زال يفتقد إلى الكثير من الشروط الأخرى اللازمة، و ثالثا، من قال أن الجنس في الغرب أصبح في مكانه- أو مكانته- الأنسب؟
لقد حرر الغرب الجنس من الحظر.. و أدخله في نطاق العادية بشكل عام، و هذا إنجاز كبير، و الغرب الذي حرر الفرد من قيد السلطة و الملة و الكهنة.. و أعاد له فرديته، أعطاه معها حرية اختيار المعتقد الديني أو اللاديني.. و اختيار المذهب الجنسي الذي يريد، مع ذلك لم يستطع بعد أن يحرر أبناءه تماما من عقدة طهرانية القرون الوسطى الزائفة و يمحو أثارها من ذاكرتهم الجمعية، و ما زالت الشتيمة الجنسية المرتبطة بالصورة الدونية الدنسة للجنس متداولة فيه، و لكن الأخطر هو أن الغرب أسقط أبناءه في لجة السوق و أغرقهم بطوفان الاستهلاك، و هكذا تحول الجنس الغربي في معظمه إلى استهلاك للآخر..و استسلاع له.
نحن لا نرى في الثقافة الجنسية الغربية إلا الإباحية، و نفعل ذلك حصرا بالقياس على عرفيـّتنا المأزومة، و ليس بموجب منطق راسخ و فلسفة عميقة و ثقافة راقية، و نرفع عقيرتنا بالاستنكار و الذم عندما نرى البساطة التي يتعاملون فيها في الغرب مع الجنس و حضوره العلني في حياتهم العامة، و لا نحاول أن نتساءل لماذا و كيف يفعلون ذلك، و لا نحاول فهمهم، و كل عاقل يعرف أن فهم الشيء ، بل و تفهمه، لا يعني بالضرورة تبنيه أو اعتناقه!
ما أحسن الغربيون فعله حتى الآن هو أنهم حرروا الجنس من عقدة الدنس تقريبا، و أعادوا له الكثير من موقعه الطبيعي، و لذا لا يعود غريبا هنا ألا يبقى حبيسا في الزوايا الفردية السرية النائية، وأن يعود – بقدر ما- مكونا من مكونات الحياة العامة، و هذا ما نراه مثلا في حضور الجنس في الفن، بل و حتى في وجود فن جنسي، لكن ما أساء الغرب فعله، بل و أكبر الإساءة، هو أنه بعد أن أسقط عن أيروس صورة البعبع القبيح الممسوخة، عاد فمسخه إلى دمية استهلاك رخيصة، و لم يعد له تلك المكانة الراقية التي كانت له يوما.. و التي يستحقها لتكون!
لقد كان الجنس عند الكثير من البدائين طقسا قدسيا بسبب ارتباطه بالخصب، و كون الخصب أساس الحياة، و لذلك رأى أولئك البدائيون في الكون بكامله و الحياة بكليتها عملية حب و وصال و حمل و ولادة، و يومها أُنـّثت الألوهة، و تربعت “الإلهة الأم” في عرشها السماوي، و كانت ربة الخصب و الحب و الجمال، و بنى لها الإنسان البسيط المتوافق مع الطبيعة و مع نفسه معابده التي حاول فيها تمجيد الجمال و الحب، و أفلح في ذلك إلى حد ما، و ما أفلح فيه نجد له حتى اليوم استمرارية متطورة في مذهب “الطاو” الصيني الذي يرى في الجنس أكثر قوة طبيعية خلاقة .. و مذهب “التانترا” الهندي الذي يرى فيه الطقس القدسي الأكبر، و مع ذلك فكلا المذهبان لا يجعلانه غاية نهائية بحد ذاته، بل يتجاوزه كل منهما على طريقته إلى غاية أكبر هي خير الإنسان و الرقي بالإنسان!
و ما نحتاجه في شرقنا المأزوم بثقافة اللاحياة هو الاعتراف قبل كل شيء بالإنسان، و من ثم و من ضمن عديد شروط تحقق إنسانية الإنسان، الاعتراف بالأيروس واحدا من هذه الشروط الأساسية، و ما نحتاجه جميعا شرقيون و غربيون، هو الارتقاء بإنسانيتنا الجنسية إلى مستوى الجنسانية الإنسانية، و عيش حياتنا الجنسية على مستواها الإنساني الرفيع، فبدون ذلك لن تعرف إنسانيتنا الرفعة.

17-2-2017
السويداء- سوريا

About رسلان عامر

نبذة عن الكاتب: مهندس سوري من موليد 1968.. متخرج من أو كرانيا عام 1994 باختصاص الطاقة الحرارية. يحمل ماجستير في الطاقات المتجددة 2007، و ماجستير في الإدارة عام2001، و دبلوم في الطاقة الشمسية عام 1999، ودبلوم تأهيل تربوي عام 1999 من جامعة دمشق. له كتاب مترجم عن الروسية منشور في دار الكلمة بدمشق، عام 2003 عن فلسفة الحب الطاوية الصينية. و يشارك اليوم في مجلات و مواقع رقمية سورية و عربية.
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.