الأحمر ـ في دفتر الرسم

هالا محمد

1
للوطنْ
طَعمُ المِلحِ في الذاكرة
بينَ الشارعِ والبيت
كُلُّ الدُّروب
تُودي إلى الجَنَّة .
الغُيّابُ
يَتركونَ عاداتهم أمانة
في الحارة
كي لا تُطفأ الأنوارُ
في الشارع
كي لا تُغلقَ الشبابيكُ
على المارّة .
2

أيها السنونو
الراحلُ عن ربيعنا
تَمهّل
في بوري الصّوبيا الحَطبْ
الداخلِ إلى البيت
نَسيتَ الصَّدى.
أيها السنونو
الريشةُ في النافذة
زَيَّنا بها صورةَ الشهيدِ
فطارَ الموتُ
مِنَ الصّورةْ.
أيها السنونو…
تَمَهّل
القَشُّ
لِمَنْ يَبنيهِ.
3
لا وقتَ للرياحينِ…
القبورُ
كأنها عابرةْ…
ليس موتاً هذا الموت …
الأجسادُ ساخنة
ضاحكة …
حارّة
حرّة…
كأنها تَحيا
كأنها لا تموتُ.
الطاغية …
يُردي الموتَ قَبراً قَبراً…
يُنهي القبورَ…
كي لا يبقى
احتمالُ قَبرٍ وحيد  له .
4
غَبَشُ الزُّجاج
دُموعُ النافذة .
5
التُّرابُ
في ليلتك  الأولى
فقدَ صَوابَهُ
والزُّهور
على عَمَاها
بلا ألوانٍ
تَنبتُ
دقيقةَ صَمت على روحكِ
هاجر.
الترابُ ملكُ العُشَّاقِ
سلطانُ الرَّياحينِ…
صديقُ المَوتى…
وهذا الدَّهرُ مِنَ الصَّمتِ…
طفولتكِ…
من برزخٍ إلى برزخ
تَعبرُ
يا هاجر
يا هاجر
يا هاجرْ .
فراشة  من ضَوءٍ
تَحطّ على القصيدة
سجادةُ صلاة
تُظلّلُ اسمك
هاجرْ.
6
هذي العيونُ السُّودُ
ليستْ عُيوني…
هذا الفم المكتنز
ليسَ فَمي…
هذا الحِجابُ ليسَ حِجابي…
وهذه الإبتسامة  المَخفيّة
في الخَفر
ليست ابتسامتي…
هاتان اليدانِ…
ترتحلانِ في هذا الكون
ليستا يديَّ
وهذا الصُراخُ البعيد البعيد
ليسَ صُراخي…
صَوتي هذا الصَّباحْ …
ليسَ صوتي…!
يُدندنُ نغمات
لمْ أحفظْها مِنْ قَبل
بِبَحَّةٍ … تَلعبُ على حِبالِهِ
بشجن
صدى الجبالِ والبحارِ
والغابات …
كلُّ الدِّياناتِ
تُصَلّي في صَدريْ
يا زينبْ.
7
تبحثُ الشوارعُ عنك
في أقاصي الريح
في البحارِ…
الإسفلتُ يمتدُّ
يصلُ الليلَ بالنهارِ
من شارع إلى شارع
من قارَّة إلى قارّة…
تنهضُ الحضاراتُ
وتحيا المدنُ التي ماتتْ
يا دمشقُ
يا طريقَ القمر .
8
مطرٌ …
مُعلَّقٌ بينَ السَّماء  والأرض
على الشجرْ
على نوافذِ البيوتِ
في الضوء
زينةُ الحُجِّاجِ الجُدد
طريقُ التَصوّف
خِرقةُ الحرية .
الدموع
أضحياتُ الإبتسامات
تُذبحُ على العَتبات .
مطر
يَميلُ صوبَ القبلة
يَرشقُ القبور
بالنبأ الصلاة
الحياة .
9
بصدرٍ عارٍ
تَسقطُ الدفاترُ…
دروسُ التعبير والقراءة
سندويشات الخبز الطريّ
ومثلثات الجبنة الضاحكة .
أقلام الرَّصاص
تَعاونَ الأهلُ على بَريها
في البيتِ…
توضيبِها في حقيبةِ المَدرسة
بالرصاصِ الحيّ
تَذوي.
القاتلُ الأميّ …
يُلَقِّنُ ابنهُ الحَبيبْ
درسَ التلوين
بالأحمر …
في دفترِ الرَّسم:
الشارع
10
هذا النَّدى…
بُحيراتٌ معلقةٌ في الزمنْ
خلاخيلُ الطبيعة
أقراطُ الزَّهرِ
دموعُ المَوتى
مَرايا الفراشاتِ
الدليلُ القاطع
العدلْ.

About هالا محمد

من مواليد اللاذقية، 1959, درست الإخراج السينمائي في باريس «جامعة باريس الثامنة». عملت مخرجة مساعدة ومصممة أزياء في عدد من الأفلام الروائية السورية الطويلة، مثل «ليالي ابن آوى»، و«صعود المطر»، و«الليل»، و«صندوق الدنيا»، و«تحت السقف». أخرجت مجموعة من الأفلام الوثائقية التي شاركت في مهرجانات عالمية وعربية، انتاج «هوت سبوت فيلمز» وعرضت على «قناة الجزيرة»، أهمها سلسلة أفلام «أدب السجون»، وهي: «قطعة الحلوى»، و«رحلة إلى الذاكرة»، و«إذا تعب قاسيون»؛ وسلسلة أفلام «أدب المقاومة»، وهي :«مديح الكراهية»، و«كم لنا». و«كان يا ما كان» عن الحضور السينمائي العربي في مهرجان كان السينمائي الدولي في دورته الخامسة والأربعين.
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.