إنتظرنا – ذوبان السكر – ؟؟

صورة قديمة للقدس – بين 1800 الى 1900 م

مثل الفيلسوف ” هنري برغسون ” 1859- 1941 انتظرنا نحن ايضا ” ذوبان السكر ” لكي نحكم على الأفعال بنتائجها. رغم أنه لدينا مثل شعبي مشابه يقول : ” ذاب الثلج وبان المرج ” .
وهكذا ، منذ اللحظة الأولى التي رفع بها سيد البيت الأبيض شعاره الشهير، مترافقاً مع ” سبابته ” اليمنى ..
” أمريكا اولاً ” .. ادركنا ، وفق اطروحات عالم النفس الشهير ” سيغموند فرويد ” طبيعة المأزق ” العنصري، ” الذي أنعطفت نحوه السياسة الخارجية والداخلية معاً . لدولة يعتقد أنها قامت على أساس أنها وطن كل المهاجرين ، وليس فقط أبناء ” سكوتيا ” . رغم أننا هنا لا نود فتح ملف المهاجرين ” البيض ” البريطانيين ، وكيف جرى بيع بعضهم في صفقات ” الرق الزراعي ” . وليس فقط الافارقة السود أو الصينيين ، والهنود . وشكلت ” بريطانيا العظمى ” في حينها ، أكبر مصدر للرقيق على صعيد دولي . قبل و أبان فترة الحرب ” الأهلية ” بين الشمال والجنوب المعروفة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية. ولا نود الحديث عن عمليات ” التطهير ” العرقي والإبادة بحق سكان أمريكا الأصليين . وهي عمليات مشابه لممارسات سلطات الإحتلال في فلسطين . وبطبيعة الحال إذا جرى تشريح هذا الشعار فسنكتشف الجذور النازية له . وهو نفس الشعار ” الآري ..ألمانيا أولاً ” . الذي دفعت ” أوربا والعالم ” ثمنا باهظا لتطبيقات هذا الشعار العنصري. والعالم ليس بحاجة الى حرب جديدة بناء على اساءة مبدأ استخدام القوة ، والتعدي على الديمقراطية.
على كلا الحالات ..
مبدئياً ، من حق أي دولة أو رئيس أن يرفع شعاراً من هذا النوع ، بما يضمن مصالح شعبه وبلاده . ولكن ليس من حقه تقريرمصير شعوب بلاد الأخرين وأنظمة حكمها . ومن حقنا رفع شعار مماثل ” فلسطين أولاً ” وقياساً عليه من حق ” السلطة الوطنية الفلسطينية ” أياً كانت التعامل بالمثل . لماذا .
” فلسطين أولاً ” ليس من موقع عنصري ، بل من موقع اخلاقي . ولا أعتقد أن الأخلاق بحاجة الى وحي
” إلهي ” . من موقع حان الأوان لصحوة ضمير هذا العالم الذي أسكرته تحالف الأديان مع الأستبداد السياسي عبر التاريخ .
ببساطة ، تحملنا ” الصمت غير العقلاني ” للعالم ، طيلة عقود من الزمن على إستمرار الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين .؟ التي ورد اسمها في ” التوراة ” فلسطين الكنعانية.. بهذا الأسم . وليس باسم أخر .
وراهن الشعب الفلسطيني، ومعه أحزابه بكافة أطيافه وقواه السياسية . على ” انسانية ” الولايات المتحدة ، وإمكانية قيامها بدور وسيط ” السلام ” المحايد . في مفاوضات سلام او اجبار الاحتلال على وضع حد لبرامج الاستيطان التوسعية . لكن خضعت الادارة الإسرائيلية لمشيئة اقصى اليمين العنصري ” التلمودي ” ومعها الإدارة الأمريكية . وبطبيعة الحال وبما أنه هناك علاقة بين الأفعال ونتائجها ، فقد تحولت الأرض الفلسطينية الى بؤر من المستوطنات السرطانية ..
وبات الحديث عن دولة فلسطينية مستقبلية ، بنظر ” تل أبيب ” ينحصر في حصول الفلسطينيين على اعتراف الإحتلال ، بولايتهم على المساحة الصغيرة المتآكلة و المتبقية من مفاوضات ” أوسلو ” وغيرها .
هذا المخطط التدميري ، الإستيطاني لآفاق قيام دولة وطنية فلسطينية مستقلة ، وعاصمتها القدس الشرقية . فرغ قضية المفاوضات من مضمونها ، وحولها الى عملية عبثية. مستثمرأ الزمن لصالح تكثيف الإستيطان وتحويله الى أمر واقع … فعندما تدمر مرتكزات السلطة وهياكلها ، فضلاً عن إقتصادها ، وضعف إمتلاكها لأدوات الحكم والسيطرة الضعيفة على مواردها وبنيتها التحتية ، ففي هذه الحالة تفقد القدرة على الوفاء بالتعهدات التي تنطوي عليها عملية المفاوضات . أو تلك التي تتمخض من المفاوضات . لم يعد هناك ما يمكن ان تتنازل عنه … وهذا ما سعت اليه سلطات الإحتلال . إضافة الى حالة الإنقسام الكارثي في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية . ووضع عربي مفكك لا يراهن عليه . وهيئة أمم عاجزة على تنفيذ قراراتها الشرعية . ووصلت الأمور الى طريق مسدود أكبر من الجدار ” العازل “.
يذكرالكاتب ” نعوم تشومسكي ” الناقد الأكبر للسياسة الخارجية الأمريكية في كتابه ” الدول الفاشلة ” الحادثة التالية ، كمثال حول قضية المستوطنات . يقول :
” عندما جرت عملية إجلاء المستوطنين عن مدينة ” ياميت ” في سيناء المصرية في 1982 ، وصفها الصحافي الاسرائيلي ” امنون كابليوك ” في صحيفة ” هآرتس ” بانها واحدة من اكبر عمليات غسيل الدماغ التي قامت بها الحكومة الاسرائيلية ، لاقناع الشعب بانه تعرض الى ” صدمة قومية ” وكان الغرض منها خلق اجماع قومي ، معارض لاي انسحابات اخرى من المناطق المحتلة . وقال الجنرال ” حاييم ارينز ” الذي قاد عملية الاجلاء ان كل شئ كان مخططا له ، ومتفقا عليه وطلب من المستوطنين ابداء شئ من المقاومة ” ؟؟! “
مشكلة المستوطنات كانت دائماً بنداً رئيسياً على طاولة المفاوض الفلسطيني ، دون حل . في مفاوضات ” أوسلو وكمب ديفيد وفي كافة المفاوضات المارثونية ، دون نتائج . وكابد الفلسطينيون بصمت دولي الوحشية والاذلال،على حواجز المرور ونقاط التفتيش ومصادرة وهدم المنازل . بينما لم تتجاوز ردود الفعل الدوليه اكثر من بيانات إدانة تحافظ على مصالحها مع دولة الاحتلال.
وراهنا أيضاً حتى على ” إنسانية ” الخصم المحتل ، بإعتباره تعرض لعملية ” إبادة ” من قبل النازية . بيد أن المحتل تحول بدوره الى نازي أخر . وكنا نحن كشعب فلسطيني ” الضحية الحقيقية ” للنازية . فقد دفعنا ثمن أخطاء ” هتلر ” وسياساته العنصرية . وثمن سياسات الإحتلال البريطاني الذي قبض ثمن وعده بإقامة وطن قومي نقداً وعداً. وحال دون إفلاس بريطانيا العظمى في العام 1917.
كذلك دفعنا ، ثمن الفرصة التي سمحت لبلدان العالم الصناعي الصاعد أنذاك بالتخلص من ” شيلوك المرابي ” الذين ينتمي الى عصر الإقطاع ، وتهجيره الى وطن الأخرين . بعد أن جرى شطب فكرة وطن قومي في أوغندا وقبرص ، في المؤتمر السابع للحركة الصهيونية ، واستقر الرأي على فلسطين .ومعها بدأت عجلة أو ميكانيزم ترسيخ ثقافة مزيفة ،هدفها تبرير الإستعمار والإستيطان ،بغطاء ميثولوجي وأساطير لاتملك برهانها .
ترى هل علينا الأن أن ندفع مزيداً من الفواتير ..؟!
أرض فلسطين الباقية ، تحولت بفعل جرارات الإحتلال، وقطعان المستوطنين الى كانتونات غير قابلة للعيش . حتى المياه جرى سرقتها ..؟!
ثم ماذا بعد ؟؟
هناك شئ واحد بقي غير قابل للسرقة ، وهو عضونا التناسلي …؟ فنحن بطبيعة الحال معادين للعالم البيولوجي ” مالتوس ” . ومع تحسين النسل وتخصيب العالم . ولا نعاني من عقم ثقافي، أو عنصرية ثيوقراطية . فلسطين وطن تاريخي ، ننظر الى الأمور من موقع أهمية الحفاظ على الإنسان وروح المحبة الكامنة فيه.
إخراج المنطقة من أزمتها الراهنة تتطلب أحد حلين تاريخيين . إما دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشرقية . أو دولة ثنائية القومية ديمقراطية. تؤسس لمصالحة تاريخية مع الماضي والمستقبل . وبعيدأ عن كافة أشكال الهوس ” الديني ” والثيوقراطي . تجربة ” جنوب أفريقيا ” التي وضعت حدأ لنظام ” الأبرتهايد ” .
وحتى تحقيق هذا الحلم الإنساني والأخلاقي ، فإن الحالة الفلسطينية مدعوة لتصويب وضعها وإعادة النظر في كيفية الحفاظ على الحقوق الوطنية ، وصيانة المستقبل الديمقراطي للشعب الفلسطيني .
وعلى سلطات الإحتلال أن تدرك أن وجودها في المنطقة ، رهن بموافقة الفلسطينيين وليس إعتماداً على مبدأ القوة . أو الجدار العازل العنصري ، والبندقية لا تمنح حاملها الشرعية السياسية ، والقانونية ، ولا الأخلاقية بطبيعة الحال .
وعلى الجانب الأخر ، يبدو أن العالم مدعو لخوض معركة ضد ” جنون العظمة ” السياسية ، وذلك
” الإنتفاخ النرجسي ” . الذي شكل حالة مرضية لنوع جديد من ” الشيزوفرينا ” السياسية ، ليس فقط في الشرق الأوسط، ، بل وفي علاقاته مع بلدان اخرى . وعلى المجتمع الدولي تحمل مسؤلياته الأخلاقية والسياسية . لأن قرار ” ترامب ” ببساطة يعتمد على بديهيات مفقودة من التاريخ . وإذا كان البعض لايدرك الفارق بين المعارف العامة وبين الحقائق …فما عليه سوى إنتظار رحيل ” الرئيس ترامب ” لكي يرحل معه الى أرشيف الرؤساء. مشكلتنا ليست ذات طابع ديني .. بل هي مشروع المستقبل السياسي للشعب الفلسطيني والأسرائيلي معاً . ووضع حد للعنف والدماء والفوضى المدمرة وليست الخلاقة على طريقة ” بوش الصغير ” .
وبعد أن ” ذاب السكر ” هل حريتي معدومة … وحرية الآخر لا نهائية ؟؟!
يبدو لي فعلا، على رأي ” لامارك ” الفرنسي أن عنق الزرافة قد طال أكثر مما يجب..؟!

About سيمون خوري

سيمون خوري مواليد العام 1947 عكا فلسطين التحصيل العلمي فلسفة وعلم الأديان المقارن. عمل بالصحافة اللبنانية والعربية منذ العام 1971 إضافة الى مقالات منشورة في الصحافة اليونانيةوالألبانية والرومانية للكاتب مجموعة قصص قصيرة منشورة في أثينا عن دار سوبرس بعنوان قمر على شفاه مارياإضافة الى ثلاث كتب أخرى ومسرحيةستعرض في الموسم القادم في أثينا. عضو مؤسس لأول هيئة إدارية لإتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين فرع لبنان ، عضو إتحاد الصحافيين العرب منذ العام 1984. وممثل فدرالية الصحافيين العرب في اليونان، وسكرتير تجمع الصحافيين المهاجرين. عضو الهيئة الإدارية للجالية الفلسطينيةفي اليونان .
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *