أين الحلقة المفقودة؟

أين الحلقة المفقودة؟

أثناء عودتي من عملي وعلى محطة مترو الأنفاق وقع بصري على مشهد غريب؛ الا وهو مجموعة من الأولاد في المرحلة الثانوية وهم يعبرون من رصيف المترو الى الرصيف الآخر سيراً على القضبان! وهم يضحكون وكأنهم يستعرضون بطولة أو انجازاً عظيم، ونظرات الواقفين على رصيفي المحطة في ذهول وخوف من حدوث أمرٍ خطير، وليس موضوعي أو تساؤلي عن المسئولين وإهمالهم، وكيف سُمح لهؤلاء الأولاد بتعريض حياتهم للخطر بهذه البساطة ولو أن كل هذه الأسئلة وأكثر مطروحة!! ربما لأن هذا الموقف إستدعى إلى ذهني مشهدا آخر شاهدته منذ أيام قليلة.. وأيضا على رصيف المترو؛ مجموعة من الفتيات أعتقد إنهن في بداية المرحلة الجامعية ، يحاولن دفع زميلة لهن لتركب المترو بالقوة وعلى سبيل المزاح وقد تعالت ضحكاتهن مما تسبب في غضب الركاب المحيطين بهن و قام أحدهم بزجرهن محذراً من الحوادث التي تحدث بسبب هذه التصرفات غير المسئولة.وكان جزاؤه ردود متبجحة غير مهذبة لا تراعي سناً أو مبادئ او أخلاق.. أين المشكلة؟ ماهو دافع هؤلاء الشباب والفتيات؟ هل تطورت ملامح مرحلة المراهقة لتصبح على هذا النحو المستهتر؟

شاركني في حيرتي رجل بسيط كان يتعجب؛ كيف يجرؤ هؤلاء الصبيان كما دعاهم على هذه السلوكيات؟ وماهو موقف آبائهم منهم، وقال أن والده كان يعاقبه بشدة بالضرب عند اعوجاج سلوكه وأنه كان مطالباً بالعودة لمنزله في العاشرة مساءَ وكثيراً ما تعرض للطرد والمبيت خارج المنزل عند تأخره، وانه كان يتذمر عندما يعاقبه أبوه بهذه الأساليب لمجرد مخالفته لبعض قواعد الذوق والأخلاق! ولكنه أصبح يقدر هذا الأب وطريقته في التربية عندما كبر ووجد أنه تعلم الالتزام وتهذبت اخلاقه بينما يعاني المجتمع من تسيب وانفلات العديد ممن تربوا بالتدليل واللين المبالغ فيه.. وظللت طوال الطريق حتى عودتي افكر في هذا الكلام وأربطه بما شاهدته وأشاهده يوميا ًمن هذا النوع من السلوكيات.. أضف الى ذلك مجموعات من الشباب تحاول تعطيل المرور وتتسبب في زيادة ازدحام الشوارع عن عمد؛ وهم يحيطون السيارات بشكل همجي متعمد، ولا ننسى من يعاملون ابائهم ومدرسيهم بكل وقاحة واذا فتحوا افواههم خرج منها سيل من الشتائم والأفاظ النابية.

هل ماتعلمته واقتنعت به وقبلته من كل ما اتفق عليه علماء النفس وخبراء التربية بخصوص استخدام الضرب في تربية الأطفال، وتحديد سن السابعة على الأكثر للتأديب بهذه الطريقة واستبدالها بأساليب اخرى تناسب السن والاستيعاب والإنسانية- هل ثبت فشل هذا الرأي؟ كنت أؤمن بأن الضرب وسيلة غير انسانية تماما ًوكنت أرفضها وأنادي بمنعها تماما، هل تدل هذه السلوكيات المنتشرة على فشل هذا الرأي؟

في حديث مع صديق من إحدى ولايات امريكا اللاتينية؛ كان يقول انه يُعَاقَب بالضرب من قبل والدته على أي سلوك غير مقبول ولا يمكنه الاعتراض أو المقاومة في هذه الأثناء! و لم أتوقع على الإطلاق أن يكون هناك من يؤدب أولاده بالضرب في أي مكان في العالم خارج البلاد العربية.. وسألته : هل تقبل أن تُضرب من والدتك وقد تخطيت الخامسة والعشرين من عمرك؟ وكان رده مفاجئاً: نعم ولها كل الحق، هكذا تفعل كل الأمهات في بلدي!

هل التدليل الزائد عن الحد وضعف الأباء والأمهات أمام محبتهم لأولادهم لدرجة سهوهم عن تأديبهم قد تسبب في انتاج جيل بهذه السلوكيات؟ أم أن انشغال الأبوين في العمل والسفر وغير ذلك قد أدى إلى إنتاج جيل معظمه هشاً غير قادر على تحمل المسئولية، مستهتراً لا يعرف الحد الفاصل بين الحرية والانفلات؟ ولا استثني من هذه الفئة أبناء بعض المثقفين ورجال الدين وغيرهم.

أصبحتُ رغم عدم إيماني بقضية استخدام الضرب كوسيلة للتربية والتأديب خاصة منذ بداية مرحلة المراهقة؛ أقف حائرة بحثاً عن بديل بعد أن تهاون الأهل في تربية أولادهم واعتبروا أن حبهم لأولادهم وتلبية كل طلباتهم بالكامل هو دورهم الوحيد تجاه الابناء، والأعجب انهم يضحكون معتبرين أن تلفظ طفلهم بألفاظ غير لائقة، وأن المزاح مع الأم والأب بلطمهم على وجوههم هو نوع من الدعابة المقبولة.. ربما إعتقادا منهم أن التأديب والتربية الحاسمة تتنافى مع المحبة! لا أزال غير مؤيدة للضرب حتى ظهور إشعار آخر من المتخصصين المصريين، فما ينطبق على الغرب قد لا يناسب مجتمعنا بكل مافيه. فهناك حلقة مفقودة لا أعرفها.

هل من اراء؟

محبتي للجميع

About مرثا فرنسيس

مرثا فرنسيس كاتبة مسيحية، علمانية، ليبرالية
This entry was posted in الأدب والفن, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.