أين الإسلام في برنامج حزب النهضة؟

أين الإسلام في برنامج حزب النهضة؟

عبدالقادر أنيس

مهد محررو هذا البرنامج بما اعتبروه خلاصة مشروعهم الإصلاحي، فكتبوا: “يلحظ المتابع لمسار البلاد الحضاري والثقافي منذ أزيد من قرن ونصف وعيا عاما في أوساط الشعب ونخبه السياسية والثقافية والإدارية ذا ثلاثة أبعاد يظل الحوار بينها مستمرا حول درجة عمق أحدها بالقياس إلى الآخر. أولها الوعي بالتخلف الحضاري مقارنة بما حققته أمم الغرب من تقدم أكسبها قوة وعزة وثراء. ويعزى هذا التقدم إلى تحرر العقول من الأوهام وتحرر الحكم من الاستبداد. وثانيهما الوعي العميق بالضرورة القصوى لردم هذه الهوة عن طريق بذل الوسع في اكتساب العلوم الحديثة والتقنيات وتطوير الإدارة والمؤسسات السياسية بما يحقق النجاعة ويطور وسائل الإنتاج ويدرأ آفة الاستبداد. والثالث، الوعي العميق والثقة في صلاحية الإسلام وتراثه مرجعية قيمية وثقافية وأساسا لهذا المشروع الإصلاحي والتحديثي عبر الاجتهاد والتجديد وتفعيل الحوار مع قضايا العصر وعلومه ومكتسباته وتلك هي خلاصة المشروع الإصلاحي”.
http://www.365p.info/livre/index.html
باستثناء هذا الادعاء الأخير الكاذب (صلاحية الإسلام…) لم يقدم لنا خبراء وعلماء النهضة الذين أشرفوا على صياغة هذا البرنامج أي دليل في طول وعرض هذا البرنامج الانتخابي الذي لا يختلف عن برامج العلمانيين حول “صلاحية الإسلام وتراثه مرجعية قيمية وثقافية وأساسا لهذا المشروع الإصلاحي التحديثي عبر الاجتهاد والتجديد وتفعيل الحوار مع قضايا العصر ومكتسباته”، إلا إذا كان الاجتهاد عندهم قد تحرر نهائيا من أي صلة له بالإسلام وراح ينهل من الخبرة الغربية بدون تحفظ . ورغم أنهم ختموا هذه الفقرة بقولهم “وتلك هي خلاصة المشروع الإصلاحي” فلم يكن هذا المشروع الإصلاحي إلا مشروعا حديثا تتخلله بعض التوابل الدينية، وهو يغرف من نفس المنهل الذي غرفت منه الأحزاب الأخرى العلمانية مثل حزب المؤتمر من أجل الجهورية مثلا
http://ar.webmanagercenter.com/management/article-6165-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%
قال حمادي الجبالي، الأمين العام للحزب، في افتتاح أحد اللقاءات: “شارك في إعداد هذا البرنامج أكثر من 182 خبيراً من كوادر الحركة، وتطلب 150 يوماً من العمل، وعبر أكثر من 42 تظاهرة مختلفة، حتى تتمخض عن برنامج ثري، يقدم في 365 نقطة مقترحة، بعدد أيام السنة، في المجالات جميعاً: سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وغيرها”.
http://www.arabstoday.net/index.php?option=com_content&view=article&id=147838&catid=39&Itemid=111
إن قراءة متأنية في نقاط هذا البرنامج سوف تكشف لنا أن الإسلام الذي هو عنوان وهوية هذه الحركة وسبب وجودها وسر قوتها وشعبيتها، لم يساهم في مضمون هذا البرنامج إلا في شكل عموميات مدسوسة دسا قد يحاولون فيما بعد تفعيلها فتتحول إلى قيود حقيقية.
لماذا هذا الغياب؟ هل يعود الأمر إلى ازدواجية في الخطاب؟ فمن جهة هناك برنامج مقدم للاستهلاك العام وخداع الناخبين، لأن الحرب خدعة، فجاء مطبوعا بمسحة عصرانية متفتحة ديمقراطية بل وحتى علمانية وهناك، من جهة أخرى، برنامج آخر ينتظر في الأدراج أو حتى في الصدور ريثما تأتي الظروف المناسبة لإخراجه ووضعه موضع التطبيق، حسب اتهامات بعض خصوم النهضة؟
تقديري الشخصي أن هناك فعلا برنامجان في الخطاب الإسلامي في أيامنا هذه: هذا البرنامج العصري الذي بين أيدينا والآخر يكمن ليس بعيدا عن الأول بل هو مدسوس في ثناياه رغم الحرص الشديد على تمويهه، فليس من المعقول أن يتغير القوم بهذه السرعة، مع أنه تغير محمود. لكن السبب في تعمد هذا الدس وإخفاء النوايا لا يعود فقط إلى تكتيكات انتخابوية، بل يعود أصلا، وقبل كل شيء، إلى عاملين اثنين على الأقل: الظروف الداخلية والخارجية القاهرة التي فُرضت عليهم فرضا وجعلت مجرد التعبير عن الأفكار الإسلاموية المعهودة لديهم من قبيل المجازفة والانتحار. ما يدعم تهمتي هذه هو أن الإسلاميين قبل عشرين سنة عندنا، وكان الغنوشي من مؤيدي الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، لم يكونوا يتحرجون ولا يقتصدون في تحميل خطابهم من العنف المعادي للحرية والديمقراطية والحداثة، بحجة أنهم لا يخشون في الله لومة لائم وأن هذا هو الإسلام الذي ارتضاه الله للمسلمين وأنه لا خيار لهم إلا الصدع به. فلماذا صار الغنوشي وصحبه يخشون الناس ولا يخشون الله بحيث نراهم يقدمون لهم برنامجا ضمن هذه الصياغة العلمانية حتى وإن دسوا فيها ألغاما دينية يمكن تفعيلها مستقبلا كما قال الغنوشي نفسه؟
http://www.onislam.net/arabic/islamyoon/observatory/104485-2008-02-07%2017-23-29.html
رأيي، وهو يندرج هنا في العامل الثاني، أن السبب يعود إلى خلو الإسلام وتجارب الحكم الإسلامي من أي خبرة سياسية واقتصادية وإدارية يمكن أن تتلاءم مع العصر وتفيده، خاصة بعد أن فشلت المحاولات الحديثة في تقديم بدائل جدية للتحديات الحديثة وهو ما دفع الإسلاميين في تونس إلى التزام صمت القبور عن كل شعارات الحركة الإسلامية التي كانوا يرفعونها في وجوهنا قبل عشرين سنة فقط عندما كانت تستبد بهم حمى أسلمة كل ما هب ودب: المأكل والملبس والمشرب والمجلس والمركب والاقتصاد والسياسة والتسيير ومختلف العلوم الاجتماعية وحتى العلوم الدقيقة حتى ابتدعوا مضحكات مبكيات من قبيل الخزعبلات الزغلولية؟ وقبل هذا وبعده فهم أبرع الناس في الانتقائية والاحتيال في التحريم والتحليل والسطو على إبداع الآخر بحجة أن الحكمة ضالة المؤمن يأخذ بها أنى وجدها وينتحلها وينسبها إلى دينه، ولا ضير عندهم من تجاهل الإشارة إلى مبدعها والاعتراف بجميله.
جهود أكثر من 182 خبير من كوادر الحركة، و150 يوم من العمل، وأكثر من 42 تظاهرة مختلفة، و365 نقطة مقترحة، تمخضت عن برنامج انتخابي علماني في عمومه مع الحرص على تلغيمه بتحفظات دينية هنا وهناك، جرى التعبير عنها بلباقة من قبيل : “أن تونس دولة حرة مستقلة، الإسلام دينها”، ومن قبيل “الإسلام باعتباره مرجعية وسطية عليا متفاعلة عبر الاجتهاد مع كل خبرة بشرية ثبتت فائدتها” ومن قبيل “أن الإسلام يستوعب كل نافع ويحض عليه من مثل ما ورد في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والتي تتماشى بصفة عام مع قيم الإسلام ومقاصده”، رغم أن الغنوشي قد صرح بما يناقض هذا الكلام في حوار معه بعد ظهور نتائج الانتخابات:
http://www.nourpress.com/elections-tunisie-2011/10252–q-q-ganouchi.htm
لنعد لتفكيك هذه الأبعاد الثلاثة التي وردت في هذه المقدمة الخلاصة:
“أولها الوعي بالتخلف الحضاري مقارنة بما حققته أمم الغرب من تقدم أكسبها قوة وعزة وثراء. ويعزى هذا التقدم إلى تحرر العقول من الأوهام وتحرر الحكم من الاستبداد”.
“وثانيهما الوعي العميق بالضرورة القصوى لردم هذه الهوة عن طريق بذل الوسع في اكتساب العلوم الحديثة والتقنيات وتطوير الإدارة والمؤسسات السياسية بما يحقق النجاعة ويطور وسائل الإنتاج ويدرأ آفة الاستبداد”.
“والثالث، الوعي العميق والثقة في صلاحية الإسلام وتراثه مرجعية قيمية وثقافية وأساسا لهذا المشروع الإصلاحي والتحديثي عبر الاجتهاد والتجديد وتفعيل الحوار مع قضايا العصر وعلومه ومكتسباته”.
المؤسف في صياغة هذه الأبعاد الصحيحة نسبيا، خاصة النقطتان الأوليان، أن هؤلاء الخبراء الـ 182 لم يتحلوا بالشجاعة الأدبية الكافية لممارسة ولو قدر متواضع من النقد الذاتي كحركة إسلامية مطالبة بالنزاهة والصدق تجاه مواطنيها وهي تتأهب لتولي أمرهم، على غرار ما فعلته الكثير من الأحزاب العلمانية بعد فشل تجاربها يمينا ويسارا، ويتحملون، ولو جانبا، من المسؤولية عما تعيشه منطقتنا من تخلف وإرهاب ، لعل أبسطها الاستبداد السياسي الذي لا يتحمل وحده كل ما تعانيه مجتمعاتنا من انسداد حضاري حقيقي طال أمده.
لم يقل لنا هؤلاء كلمة صادقة نزيهة حول كون هذا “الوعي بالتخلف الحضاري مقارنة بما حققته أمم الغرب من تقدم أكسبها قوة وعزة وثراء”، لم ينطلق أصلا من صميم الحركات الأصولية غربا وشرقا وقناعة ذاتية وتطور أصيل فيها وهي التي ربطت مصيرها لمدة طويلة بأعتى دكتاتوريات المنطقية النفطية وتحالفاتها الرجعية ووضعت نفسها في خدمة أحد أطراف الصراع العالمي لكسر شوكة الطرف الآخر دون أن يعود ذلك بأية فائدة على مصائر منطقتنا، ولا انطلق هذا الوعي من رجال الدين ولا من رحاب المؤسسات الدينية مثل الأزهر في مصر والزيتونة في تونس وغيرهما، بل انطلق من خارجهما بل حتى من تجرأ من رجالهم على الخروج عن القطيع عانى من الحصار والمحنة والعزل (مثال علي عبد الرازق وأمثاله في كل بلد)، وخاصة معارضة هذه المؤسسات الشرسة لكل تجديد ولكل نداء للاستفادة من منجزات الحداثة وارتهان مصيرها بمصير الأنظمة الاستبدادية العربية وتبرير توجهاتها الاستبدادية إسلاميا.
أما عندما يكتب هؤلاء الخبراء “ويُعْزَى هذا التقدم إلى تحرر العقول من الأوهام وتحرر الحكم من الاستبداد”، فهذا يدعو إلى الاشمئزاز منهم، ذلك أنه من حقنا أن نمطرهم بأسئلة كثيرة محرجة: ما هو هذا التقدم الذي تفوق به الغرب علينا؟ هل هو تقدم تكنولوجي فقط أم هو تقدم في شتى المجالات لا يمكن الفصل بينها مثلما ظل الإسلاميون يفعلون وهم يوهمون الناس أنه بالإمكان تحقيق التقدم عندنا باستيراد التكنولوجيا المادية الغربية دون الحاجة إلى العلوم الإنسانية والأنظمة السياسية والاجتماعية والتعليمية وما ينجر عنها من انقلابات فكرية وخلقية وعلاقات اجتماعية كانت في أصل هذا التقدم؟ ثم ماذا يقصد هؤلاء (الخبراء) بـ “تحرر العقول من الأوهام”؟ وتحرر الحكم من الاستبداد؟ ما هي الأوهام التي تحررت عقول الغربيين منها ويجب أن تتحرر عقولنا منها كذلك ؟ أليست هي بالذات الأوهام الدينية المعششة في عقولكم والتي صورت لكم دائما أنه يمكن الاكتفاء بخبرة وتجربة ومعرفة دينية أنتجها السلف وادّعوا لها العصمة والكمال وأغلقوا دونها باب الاجتهاد وحرية الفكر والتعبير تماما مثلما كانت تفعل المؤسسات الكنسية؟ أليس كبيركم الغنوشي هو من كتب قبل أقل من عام فقط عن ((دولة المدينة التي تأسست على دستور مكتوب اعترف بحقوق المواطنة لجميع المكونات الدينية والعرقية للسكان باعتبارهم “أمة من دون الناس” حسب تعبير دستور المدينة المعروف باسم “الصحيفة” (سيرة ابن هشام) حيث نصت على أن “اليهود أمة والمسلمين أمة” (أي أمة العقيدة) وأن “المسلمين واليهود أمة” (هي أمة السياسة أو المواطنة) بالتعبير الحديث أي شركاء في نظام سياسي واحد يخولهم حقوقا متساوية باعتبارهم أهل كتاب وأهل ذمة أي مواطنين حاملين لجنسية الدولة المسلمة من غير المسلمين))، ولا نجد أثرا لهذا الكلام في هذا البرنامج؟
http://www.ghannoushi.net/index.php?option=com_content&view=article&id=417:mouatana&catid=25:fikr&Itemid=2
فأي أوهام أكثر من هذه؟ وإذا لم يكن هذا من قبيل الأوهام، فلماذا لا يتجرأ هؤلاء الخبراء فيكشفون للناس عن هذه الكنوز الدينية الثمينة المدفونة والتي لم ينفض عنها المسلمون الغبار طوال القرون ولم يستفيدوا منها ويفيدونا ويقدموا لنا دستور المدينة بدل تضييع الوقت والجهد في صياغة دستور جديد كلنا نعرف أنه لابد أن يُسْتَوْحَى من أَلِفِه إلى يائه من الخبرة الدستورية الغربية وإلا فَقَد أي صلة بالدساتير؟
ثم ماذا تقصدون أيها (الخبراء) من حديثكم حول “تحرر الحكم من الاستبداد”؟ هل كان الغرب وحده خاضعا للاستبداد أم أن ديار الإسلام هي أيضا ظلت خاضعة له طوال تاريخ الخلافة الإسلامية التي طالبتم دائما بإحيائها؟ وهل في الإسلام نظرية سياسية للحكم غير استبدادية تعرفونها ونجهلها وجرى العمل بها في عصر من العصور؟
أما “..ثانيهما: الوعي العميق بالضرورة القصوى لردم هذه الهوة عن طريق بذل الوسع في اكتساب العلوم الحديثة والتقنيات وتطوير الإدارة والمؤسسات السياسية بما يحقق النجاعة ويطور وسائل الإنتاج ويدرأ آفة الاستبداد”. فهو كلام جميل ولكنه لا يعفينا من مساءلتكم: لماذا تَدْعَون الآن فقط إلى “ردم هذه الهوة (بيننا وبين الغرب) عن طريق بذل الوسع في اكتساب العلوم الحديثة والتقنيات وتطوير الإدارة والمؤسسات السياسية بما يحقق النجاعة ويطور وسائل الإنتاج ويدرأ آفة الاستبداد”؟ لماذا تضيعون وقتكم ووقت الناس في بذل الوسع في اكتساب العلوم الحديثة والتقنيات وتطوير الإدارة والمؤسسات السياسية بما يحقق النجاعة ويطور وسائل الإنتاج ويدرأ آفة الاستبداد؟ أليس عندكم في الإسلام البديل على الأقل في الجانب السياسي والاقتصادي والإداري كما قلتم لنا دائما؟ أين ذهبت كل الجهود التي كانت تمولها حكومات النفط الخليجية ولوثت بها العقول والمنظومات التعليمية في مختلف أطوارها حول البدائل الإسلامية في الاقتصاد والسياسة والمال والتربية والعلوم؟ ألم تكن إذن مجرد تشويش على مطالب الحداثة والتقدم من أجل تعويقها؟ ومنه ألا يحق لنا أن نحاسبكم ونرفع ضدكم دعاوى أمام المحاكم بسبب الفرص التي أضعتموها على شعوبنا مثلما تطالبون أنتم اليوم بمحاكمة المستبدين لنفس الأسباب؟ أين خرافة الحل الإسلامي التي تسببتم بها في كل هذه الفوضى والإرهاب والضياع؟
أما البعد الثالث فهو من قبيل دس السم في الدسم ! فبقدر ما إن البعدين الأولين عبرا عن رؤية صحيحة وواضحة ومنشودة ومحمودة بقدر ما إن صياغة هذا البعد الثالث: “الوعي العميق والثقة في صلاحية الإسلام وتراثه مرجعية قيمية وثقافية وأساسا لهذا المشروع الإصلاحي والتحديثي عبر الاجتهاد والتجديد وتفعيل الحوار مع قضايا العصر وعلومه ومكتسباته”، يعبر في نظري عن بلبلة عميقة في خبرتكم التي لم تمكنكم من الذهاب بعيدا في صياغة برنامجكم بما يتماشى ومتطلبات البعدين الأولين.
لقد بحثت فلم أجد في برامج الأحزاب السياسية في بعض البلدان الأوربية التي يدعو الإسلاميون إلى الاستفادة من خبرتها، بما فيه تلك التي تنتمي إلى أقصى اليمين، كل هذا الحرص عند أحزابنا جميعا، بما فيها الأحزاب الإسلامية، على ربط برامجها بهذه اللازمة المملة حول هواجس الهوية المرضية. لماذا كل هذا الإلحاح على التحدث عن “صلاحية الإسلام وتراثه مرجعية قيمية وثقافية وأساسا لهذا المشروع الإصلاحي والتحديثي عبر الاجتهاد والتجديد”. هل عقولنا عاجزة عن ابتكار مرجعيات قيمية وثقافية جديرة بالاهتداء بها وغير معصومة وقابلة للتعديل والتغيير والتطوير أم أن السلف قد بلغ الكمال وأغنانا شر الاجتهاد والابتكار؟
لكي نصدق مزاعم هؤلاء لا بد أن يثبتوا لنا أن إفلاس حكوماتنا السابقة ومؤسساتنا الاقتصادية والإدارية والتربوية وغيرها يعود إلى تنكرها لهذه المرجعية الإسلامية القيمية والثقافية؟ وهل الواقع في البلدان الإسلامية التي احتكمت منذ مدة طويلة إلى هذه المرجعية الإسلامية أفضل حالا من نظيرتها في تلك التي يتهمهما الإسلاميون بلوثة العلمانية والتغريب وتجاهل البعد الإسلامي في سياساتها؟ ثم متى ننتهي من هذه الأغنية السقيمة حول الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المتواصلة منذ بدايات النهضة قبل قرنين؟ هل العيب في عقم فينا وبلادة غريزية وتقصيرنا عن بذل الجهد الاجتهادي التجديدي أم أن حقيقة الأمر تكمن في كون هذا الموروث لم يعد يجدي معه أي اجتهاد بعد أن أعطى أقصى ما يمكن مع عصور الإسلام الأولى ويجب اليوم أن نتجاوزه، وهو ما فعله خبراء النهضة أيضا، والحق يقال، كما حاول ذلك المعتزلة والفلاسفة وانهزموا أمام تحالف أسلاف الإسلاميين المعاصرين مع حكام الاستبداد؟
وأخيرا لا بد أن نشيد بالكثير من المواقف المنيرة والحصيفة في هذا البرنامج ونتمنى أن تشكل نقلة نوعية صادقة في فكر هذه الحركة نحو مزيد من الوعي بمقتضيات العصر وما تتطلبه من ضرورة إحداث قطائع حقيقية مع الجمود والتخلف المرتبطين بالدين أصلا بوصفه الوجه الآخر للاستبداد. وهي نقلة لا أخال الإسلاميين قادرين على إنجازها وحدهم في غياب حركة علمانية قوية تتمكن من تعديل موازين القوى لتحول دون استفراد الإسلاميين بتقرير مصير مجتمعاتنا.

About عبدالقادر أنيس

كاتب جزائري
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.