الفكر الإسلامي بين الانتقائية والتحايل والسذاجة 7: محمد الغزالي نموذجا

 عبد القادر أنيس

أواصل في هذه المقالة السابعة قراءة كتاب محمد الغزالي (حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة).
تتناول هذه الحلقة فصل: “الحرية الدينية” في الإسلام من وجهة نظر الغزالي. (ص 60).
يستهل الكاتب هذا الفصل بقوله: “الإيمان الصحيح المقبول يجيء وليد يقظة عقلية واقتناع قلبي، إنه استبانة الإنسان العاقل للحق، ثم اعتناقه عن رضا ورغبة”.
وبما أن الغزالي يحصر في كتابه هذا مفهوم الدين الصحيح في الإسلام ومفهوم الإنسان المؤمن في
المسلم فقط دون سائر معتنقي الأديان (السماوية) الأخرى، ولا مكان للوثني (الهندوسي والبوذي مثلا) وغير المؤمن بدين في عالم الغزالي. هذا الموقف يجعله يتبنى تمييزا حقيقيا لا صلة له بحقوق الإنسان كما صاغتها الحضارة الحديثة، بل يتناقض معها تماما من حيث ضيق الأفق الذي يجعله يجرد غير المسلمين من “الإيمان الصحيح المقبول” ومن “اليقظة العقلية والاقتناع القلبي”. أما المسلمون الذين هم مسلمون بالوراثة فلا ينطبق عليهم هذا القول لأنه لا يحق لهم الخروج عن الإسلام ولو كان هذا هو رضاهم وكانت هذه هي رغبتهم في ذلك، وهذا ما سأتطرق له في الموضوع اللاحق عندما أتناول موقف الغزالي من الارتداد.
نفهم هذا من قوله “وقد عرض الإسلام نفسه على الناس في دائرة هذا المعنى المحدد غير متجاوز له في قليل أو كثير”. ليقول: “قصاراه أن يوضح مبادئه وأن يمكن الآخرين من الوقوف عليها، فإذا شاءوا دخلوها راشدين، وإذا شاءوا تركوها وافرين”.
ويدعم هذا الزعم بآية: “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، ويختم هذه المحاججة بقوله: “إن الحرية الدينية في أرحب مفاهيمها هي التي حددت وظيفة صاحب الرسالة!.
بهذا الكلام يعبر الشيخ الغزالي عن مدى ما يعانيه الفكر الإسلامي المعاصر من بؤس وتهافت بالإضافة إلى الانتقائية والتحايل والسذاجة.
قبل تفكيك هذا الكلام أحب أن أشير إلى حقيقة منطقية تجاهلها الشيخ وهي أنه من الناحية الدينية، فإن العبد لله بالمفهوم الديني الإسلامي ليس له أدنى حرية اختيار بين الإيمان والكفر. مصيره واضح بنصوص الدين: “ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين”. ولو أن إله هذا الدين وعد المؤمنين بالجنة وحرم الكافرين منها ووعدهم مقابل كفرهم بالفناء كما هو حال الهندوسية والبوذية لهان الأمر. أما أن يخيّر الناس بين الجنة والنار فلا يمكن أن نسمي ذلك حرية اختيار. التخويف والوعيد والترهيب لا يترك مجالا لأية حرية دينية، أما من الناحية العملية فإن مقولة “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، لم تصمد في فكر وسلوك مؤسس الإسلام أمام إغراءات القوة والسلطة بعد أن تمكن منهما في المدينة يثرب، وأغلب الظن أنها قيلت عندما كان مؤسس هذا الدين الجديد ضعيفا يرجو أن يُمَكَّن في مكة اللبرالية من مساحة من الحرية لبث أفكاره، ليس إلا. ومع ذلك فإن الغزالي قد حذف بقية الآية وهي هكذا: “وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا”.
فأين الحرية الدينية في هذه الآية إذا كان مصير الظالمين أي الكفار كل هذا الترهيب ” نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا”؟
الواقع الذي يعرفه كل دارس لتاريخ الإسلام هو شيء آخر يكذب قول الغزالي: “قصاراه أن يوضح مبادئه وأن يمكن الآخرين من الوقوف عليها، فإذا شاءوا دخلوها راشدين، وإذا شاءوا تركوها وافرين”.
الغزوات التي شنها العرب المسلمون على جيرانهم وجيران جيرانهم وجيران جيران جيرانهم حتى امتدت الأراضي المحتلة ما بين نهر الغانج في الهند ونهر التاج في أسبانيا حسب قول الغزالي نفسه، لم تكن تقتصر على (توضيح المبادئ لتمكين الآخرين من الوقوف عليها)، ولا كان أمامهم الخيار الذي زعمه الغزالي “فإذا شاءوا دخلوها راشدين وإذا شاءوا تركوها وافرين”. بل كان الناس قد وجدوا على حدودهم، بعد إنذار كله تهديد ووعيد (أسلم تسلم)، وفي غالب الأحيان بدون إنذار، جيوشا تضع الناس أمام خيارين لا ثالث لهما: بين قبول الاستعمار الإسلامي ضمن وضعية أشبه بالعبودية يدفعون الخراج والجزية وهم صاغرون (يعني أذلاء مطأطئي الرؤوس)، إذا رفضوا تغيير معتقداتهم وبين الحرب، وفي هذه الحالة الأخيرة فنحن نعرف والغزالي يعرف مصير الأراضي المفتوحة عنوة (أي بالسيف): فالأرض وما عليها ومن عليها مباحة لجيوش المسلمين تقتيلا واستعبادا وسبيا، وفي أرحم الظروف بعد هزيمة المغزوين كان المسلمون يبقون الناس على أراضيهم كخدم للمسلمين بشروط لا إنسانية حتى عندما يعتنق المهزومون الإسلام، تسببت في فتن وثورات دامية مثل ثورة القرامطة وثورة الزنج الذين ظلوا يجلبون من أفريقيا نحو أسواق النخاسة العربية طوال قرون. وقد سبق لي أن عرضت على القارئ نص العهدة العمرية، ولا بأس أن أعيد نشرها هنا، فالذكرى قد تنفع بعض المؤمنين:
(قال ابن تيمية رحمه الله عنها في كتابه القيّم “الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح.
وقد ذكرها أهل السير وغيرهم، فروى سفيان الثوري عن مسروق عن عبد الرحمن بن غنم قال كتبت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى الشام وشرط عليهم فيه أن لا يحدثوا في مدينتهم ولا حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا يجددوا ما خرب ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم ولا يؤووا جاسوسا ولا يكتموا غشا للمسلمين ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يظهروا شركا ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوه وأن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم إذا أرادوا الجلوس ولا يتشبهوا بالمسلمين بشيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا يتسموا بأسماء المسلمين ولا يكتنوا بكناهم ولا يركبوا سرجا ولا يتقلدوا سيفا ولا يتخذوا شيئا من سلاح ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية ولا يبيعوا الخمور وأن يجذوا مقادم رؤوسهم وأن يلزموا زيهم حيث ما كانوا وأن يشدوا الزنانير ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيفا ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين ولا يخرجوا شعانين ولا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم ولا يظهروا النيران معهم ولا يشتروا من الرقيق العبيد ما جرت عليه سهام المسلمين فإن خالفوا في شيء مما شرطوه فلا ذمة لهم وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق” فوافق عمر عليها).
فكيف نفهم في ظل هذا الكلام قول الغزالي: “وإن شاءوا تركوها وافرين”؟ وما مفهومه للفظة “وافرين”؟؟
أما إذا تعرفنا على الشواهد من العيار الثقيل (القرآن) حول خرافة الحرية الدينية التي زعم الغزالي أنها موجودة في دينه، فسوف ندرك مدى الانتقائية والتحايل والسذاجة التي هي مميزات الخطاب الغزالوي والإسلاموي عموما. فالقرآن نفسه يعج بالآيات التي تتناقض مع الحرية الدينية المزعومة التي يتحدث عنها وخاصة الآيات المشهورة بآيات السيف، والتي يقول البعض إنها نسخت مائتي آية من آيات القرآن منها آيات العفو والصفح والآيات التي جاء بها الغزالي في كتابه كدليل على الحرية الدينية في الإسلام.
وقد وجدت للقرضاوي صديق الغزالي نفس التبرير والانتقائية والتحايل. فهو، ردا عن سؤال: وماذا عن الفتوحات التي كانت في خلافة الراشدين، ما الذي جعل الصحابة عليهم رضوان الله يخرجون من جزيرة العرب، أليس في هذا نوع من بسط القوة والنفوذ؟
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-Shariah%2FSRALayout&cid=1251021449659
أجاب بكلام عجيب غريب ذكرني بقصة الذئب والخروف، قال: “هو عندما تقوم الدولة وتريد أن تمكن لنفسها، هناك ضرورات، ومن هذه الضرورات تأمين الدولة إذا كان جيرانك يهددونك، فلابد إما أن تعاهدهم أو تحاربهم، أما هذا الوضع المائع فغير ممكن، والرسول والمسلمون كانوا يرحبون بكل معاهدة، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بعدما دخل المدينة أقام اتفاقية بينه وبين اليهود، وهم الذين بدأوا بنقضها. وفي ذلك الوقت كانت هناك دولتان كبريان تتنازعان العالم، الفرس والروم، وهؤلاء رفضوا الدين الجديد، والروم قتلوا الدعاة، وكسرى مزق كتاب محمد، فكان لابد من هذا الصدام”.
فمن كان يهدد صحراء العرب في ذلك الحين؟ ثم لماذا يجب تخيير الأمم بين الحرب والمعاهدة؟ ثم من راسل ملوك (العجم) برسائل مغلفة بالتهديد، مثلما جاء في خطاب محمد لملك الروم: “أما بعد فإنى أدعوك بدعوة الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فعليك إثم جميع الآريسيِّين”.
ولملك الفرس: “فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك.”
إن آيات السيف التالية لا غموض فيها ولا يمكن للغزالي ولا لغيره الادعاء بحرية الدين أمام وضوح عنفها:
“إِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”
“قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.”
“يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ”
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.”

بالإضافة إلى أحاديث كثيرة أشهرها حديث السيف: “بعثت بالسيف بين يدي الساعة” وحديث: “‏ ‏أمرت أن أقاتل الناس حتى ‏ ‏يشهدوا ‏ ‏أن لا إله إلا الله وأن ‏ ‏محمدا ‏ ‏رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك ‏ ‏عصموا ‏ ‏مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله “.‏
فكيف يستقيم كل هذا الموروث الإسلامي قرآنا وسنة وتاريخا مع تحايل وخداع الشيخ الغزالي وهو يقول: “قصاراه أن يوضح مبادئه وأن يمكن الآخرين من الوقوف عليها، فإذا شاءوا دخلوها راشدين، وإذا شاؤوا تركوها وافرين”.
فماذا يعني الشيخ بـ “أن يُمَكِّن الآخرين من الوقوف عليه”؟ التاريخ يخبرنا أن قريش كانت أكثر تسامحا من محمد ومكنته من التبشير بدينه مدة 13 سنة رغم أنه كان يسب آلهتها ويسخر منها، أما المسلمون بقيادة محمد فقد شكلوا جيوشا لاحتلال البلدان والتمكين لدينهم، وليتهم توقفوا عند هذا الحد. لقد تحولت الغزوات التي ظاهرها نشر الإسلام إلى غزو للاحتلال والاسترقاق والسبي والاستعمار والاستيطان. طبعا يجب أن نعترف أن كل الشعوب كانت تتصرف هكذا تجاه بعضها، أما أن يأتي الإسلاميون اليوم ويوهمونا أن أسلافهم المسلمين كانوا رحمة للعالمين ويجب أن يكونوا قدوة لنا الآن وينتقون لنا نُتَفًا من تراثهم وسيرة سلفهم لاستغفالنا حتى نجعلهم علينا أئمة، فهذا مرفوض.
وقوله: “إن الحرية الدينية في أرحب مفاهيمها هي التي حددت وظيفة صاحب الرسالة !.
ثم يتساءل: “ما وظيفة صاحب رسالة يحترم هذه الحرية ويبني عليها سياسته؟” ويجيب مباشرة بكلام أغرب إن لم يكن أكذب مما سبق: “إنها لا تعدو الشرح والبيان واستخدام القلم واللسان في تحبيب دينه للناس وترغيبهم في قبوله”. تماما مثلما فعل الشيخ الغزالي وإرهابيوه مع فرج فوده !!!
فهل إن الشيخ عندما وقف أمام المحكمة كشاهد وأفتى بجواز قتل فرج فوده كان يجهل هذه الآية “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر؟
طبعا لا، وإنما كانت شهادته مصداقا لمذهبه الأصولي التكفيري ضد الخصوم مهما كانوا.
ثم بعد هذا يواصل الشيخ سرد مزاعم عن دينه لا تستقيم أبدا، كأن يقول: “والقارئ اللبيب يري أن الكتاب العزيز قد تناول المعارضين له والكافرين به بأساليب شتى، ليس من بينها قط إرغام أحد على قبول الإسلام وهو عنه صاد، كل ما ينشده الإسلام أن يعامَل في حدود النصفة والقسط، وألا تدخل عوامل الإرهاب في صرف امرئ انشرح صدره به”.
هكذا يحول الشيخ الضحية إلى مجرم والمجرم إلى ضحية. فحسبه من حق المسيحي أو اليهودي أو البوذي مثلا أن يتخلى عن دينه ويعتنق الإسلام، ومن يعترض طريقه هو إرهابي، أما أن يحاول المسلم ترك دينه ليعتنق دينا آخر أو لا يعتنق أي دين فهو مرتد مصيره القتل شرعا ولا يسمى هذا إرهابا. فأي نصفة (إنصاف) وقسط في هذا الموقف يا شيخ؟
لكن الشيخ الغزالي غير معني بالمنطق الذي يخلو منه كلامه، لأنه ببساطة ظل يصول ويجول في عالمنا الإسلامي ولا يجد من يعترض على أغاليطه بسبب ما يفرضه أتباعه مدعومين بحكومات الاستبداد من قمع على الحريات، وإذا حدث العكس وتحلّى أحد المثقفين بالشجاعة وعبر عن رأيه بلا نفاق فمصير فرج فوده في الانتظار.
مقابل آيات الترهيب والدعوة إلى القتل والقتال والجهاد التي وردت في سورة التوبة بوصفها من بين آخر السور والتي نسخت ما قبلها، يأتينا الغزالي بآيات مثل: “لكم دينكم ولي دين” ومثل “لي عملي ولكم عملكم”، وهي آيات تجاوزها الفكر الإسلامي المدني بعد أن اشتد ساعده وقويت شوكته.
ومع ذلك يقول الغزالي: “هذه الكلمات وأمثالها مما تردد في صدر الإسلام هي التي ظلت تتردد في أواخر العهد المدني ويخاطب بها كل إنسان”.
وشخصيا لا أعتقد أن الغزالي يجهل أن كلامه هذا غير صحيح كون أن الخطاب الإسلامي في فجر الإسلام وفي صدره اختلف تماما عن الخطاب الذي صار يقال في العهد المدني ولهذا وبسرعة البرق نسيه الغزالي وعاد إلى طبيعته الحقيقية ليقول كلاما آخر مغلفا بالتهديد والترهيب:
“كن مسيحيا أو إسرائيليا ولكن لا تكن خصما للإسلام ونبيه وأتباعه تتمنى لهم الشر وتتربص بهم الدوائر… وإذا استفحل في نفسك الكره لهذا الدين فاحذر أن يتجاوز فؤادك إلى الحياة الخارجية عراكا مسلحا، وإلا فأنت الملوم”.
طبعا، وحسب الشيخ، من حق الإسلام والمسلمين أن يسفهوا معتقدات الآخرين كيفما ومتى يحلو لهم وينعتوها بالزيف والتحريف والوثنية والكفر وليس من حق معتنقي هذه الديانات الرد وإلا حولوهم إلى أعداء الإسلام والمتآمرين عليه ووضعوا ترسانتهم التشريعية الإرهابية محل تطبيق.
يتبع: “حول حرية الارتداد”

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

الفكر الإسلامي بين الانتقائية والتحايل والسذاجة 6: محمد الغزالي نموذجا

عبد القادر أنيس

أواصل في هذه المقالة السادسة قراءة كتاب محمد الغزالي (حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة).
تتناول هذه الحلقة مسألة “الحرية الفكرية” في الإسلام من وجهة نظر الغزالي. (ص 53).
يقول الغزالي كتمهيد لمعالجة هذه المسألة: “وظيفة العقل أن يفكر كما أن وظيفة العين أن تبصر… وتَوَهُّمُ أن الإنسان يعيش بعقل معطل التفكير كتوهم أن الإنسان يعيش بعين منغمضة ويد مشلولة وقدم مقيدة…. ويستحيل قبول ذلك في دين شارته الأولى الفطرة، والاستقامة من طبائع الأشياء”.
لا بد أن نقف هنا مع مزعم يحرص الإسلاميون على تبنيه وكأنه حقيقة مسلم بها. هل الإسلام دين الفطرة، وهل الاستقامة من طبائع الأشياء؟
لنفرض أننا تركنا شخصا بدون مؤثرات خارجية، فهل يتوجه مباشرة نحو الإسلام بما يعنيه من إيمان حقيقي بالله كما هي قصة حي بن يقظان لابن طفيل. المقصود بالفطرة لغة هو الخِلقة والجِبِلَّة والطبع، أما اصطلاحا فهي عند الإسلاميين أن الله خلق الناس على حالة تمكنهم من إدراك الحق وقبوله، وبالتالي فخلقتهم وجبلتهم وطبعهم توجههم نحو الإسلام كدين الفطرة.
كلا، فالإنسان حيوان تقوده غرائزه الحيوانية أما الثقافة والدين الذي هو جزء منها شأنه شأن الأخلاق والعادات والتقاليد فهي مكتسبات.
الفارق بين الفطري والمكتسب لم يعد أمرا غامضا في العلوم الإنسانية الحديثة. الفطري يشمل الأشياء والاستعدادات التي يولد الإنسان وهو مزود بها، بينما المكتسب هو ما نكتسبه طوال حياتنا بالتربية والتعليم والتجربة والاحتكاك بالغير.
فهل يولد الإنسان وهو مزود بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره؟ طبعا هذه المزعم لا يؤيده الواقع ولا العلم، أما أن يقول الغزالي بأن الاستقامة من طبائع الأشياء فهو كلام أبعد ما يكون عن الحقيقة، لأن الإنسان المتمدن حاليا لم يكن دائما كذلك. فحقب التوحش والافتراس هي الغالبة في تاريخ البشرية.
ثم يعرض الكاتب علينا مجموعة من الآيات للتدليل على حرية التفكير في الإسلام لمجرد أنه ورد فيها لفظة “يتفكرون”، ولا علاقة لها أصلا بحرية التفكير ولو كانت دعوة لذلك. فلو وقفنا عند آية: “”وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون” (الجافية 13). وآية “هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومن شجر فيه تسيمون، ينبت لكم الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون” (النحل، 10، 11).
وبعد هذا يقول: “والحق أن الإسلام لا يلوم على حرية الفكر بل يلوم على الغفلة والذهول”. فهل هذا صحيح؟ إن عمر بن الخطاب الذي يتخذه الغزالي نموذجا فوق مستوى البشر كان يقول: اللهم ألهمني إيمان العجائز. ولعل هذا الدعاء مرده إلى الحيرة التي تجلبها الأسئلة العقلية بينما الإسلام ينهى عن ذلك (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم).
ولا يبعد قول الغزالي التالي عن ذلك: “فلنؤمن بما جاء به الأنبياء ولنقف عند ما قالوا ولا نثر مشاكل لم يأت بها الأنبياء ولنسد الطريق على من يثيرونها”.
لهذا فإن مفهوم الغزالي لحرية الفكر في واد وحرية الفكر كما صاغتها المواثيق العالمية في واد آخر.
جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادتين 18 و19:
“المادة 18: لكل شخص الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة.
المادة 19: لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود(.
الغزالي عندما يقول بأن وظيفة العقل هي أن يفكر فهو غير جاد لأنه غير مستعد للذهاب بعيدا في هذه الحرية كما لمسناها في هاتين المادتين من الإعلان العالمي وكما نلمسها أيضا من قوله السابق.
مرة أخرى يحصر الغزالي الحرية في الدين وفي الدين الإسلامي حصرا، وهو ما يكشف عن خرافة حقوق الإنسان عنده ويكشف عن غرابة سعيه لإقناع المسلمين بضرورة العمل بحقوق الإنسان في الإسلام بدل تبني حقوق الإنسان كما صيغت في مواثيق الأمم المتحدة.
يقول ضمن هذه الأجواء:” ومنذ نزول القرآن وشَقِّ الرسول به طريق الحياة، شرع العقل الإسلامي يشتغل بجهد رائع ويعمل في حرية مطلقة ويختلف العلماء باختلاف أساليب البحث ووسائل النظر، دون أي حرج”.
هل كلام الشيخ صحيح في ضوء تاريخ حرية الفكر في الإسلام؟
الواقع يخبرنا أن مساحة حرية الفكر في تاريخ المسلمين كانت تتسع أو تضيق حسب درجة قرب أو بعد رجال الدين من السلطة.
كلام الشيخ عن هذه الحرية المطلقة التي عمل بها العلماء واختلفوا باختلاف أساليب البحث ووسائل النظر، دون أي حرج، خرافة أيضا. وهو نفسه لم ينتظر حتى يجف الحبر الذي كتب به هذه السطور ليلتف على كلامه ويتنكر له.
ها هو يقول: “لكن إقحام العقل في عالم الغيب وتكليفه بدراسة فاحصة لما وراء المادة ظلم للعقل واعتات له… والمعتزلة أخطئوا عندما اعتمدوا على الفكر الإنساني في هذا الميدان البعيد”.
بالإضافة إلى هذه الدعوة الصريحة للحجر على العقل، نلاحظ أيضا انتقائية الغزالي وتحايله بادية هنا في موقفه من المعتزلة الذين حرمهم من (الحرية المطلقة) التي زعمها للفكر في إطار الإسلام قبيل قليل.
لم يعد من حق المعتزلة التمتع بهذه الحرية المطلقة التي زعم أنها موجودة في دينه. كذلك شوه سمعة المعتزلة كما شوهها أسلافه عندما حصر إسهاماتهم الفكرية الحرة في مجال الميتافيزيقا فقط. الشيخ تعمد تغييبهم كما غيبهم التاريخ الرسمي السلطاني في مجالات أخرى هي في غاية الحصافة والأهمية بل لعلها أهم مساهماتهم.
ذلك أن فكر المعتزلة يحتل قمة المبادرات الفكرية العربية الإسلامية الأولى لإخراج الفكر العربي الإسلامي من الفوضى العقلية التي تسبب فيها مؤسس الإسلام محمد بن عبد الله بسبب تواضع ثقافته. أهم مظاهر هذه الفوضى تتمثل في مسألة القضاء والقدر التي تبدو في الظاهر مسألة دينية بحتة لكنها في واقع الأمر لها عواقب اجتماعية وسياسية خطيرة جدا ساهمت في جمود العالم الإسلام طوال قرون.
لنر موقف المعتزلة الذين خطَّأهم شيخنا الغزالي:
بالنسبة للمعتزلة فمسألة القضاء والقدر لها علاقة جدلية بالعدل الإلهي ثم بالعدل البشري. الرواية التالية عن الحسن البصري رأس المعتزلة تعطينا فكرة عن خطورة هذه المسألة على حياة الناس. سئل مرة: “يا أبا سعيد إن الملوك يسفكون دماء المسلمين، ويأخذون الأموال، ويفعلون ويفعلون، ويقولون: إنما تجري أعمالنا على قدر الله، فقال، كذب أعداء الله.”
هذه المسألة طرحت في عهد بني أمية الذين كانوا يؤيدون الجبريين الذين يرون كل أفعال البشر تتم بقدر الله. وطبعا من مصلحة أي حاكم ظالم مستبد أن يقتنع الناس بأن كل مآسيهم مقدرة من الله بما فيها طبعا مظالم الحكام، وهم بالتالي ليسوا مسؤولين عنها ولا جدوى من المقاومة للمطالبة بالعدل وبالحكم الراشد.
المسألة لا زالت راهنة إلى أيامنا. عندنا في الجزائر تسبب إهمال السلطات في فداحة الخسائر التي تسببت فيه أمطار طوفانية وانهيارات أتربة التلال المطلة على أحد أحياء العاصمة (باب الواد). الكارثة هذه ذهب ضحيتها مئات الناس من سكان هذا الحي الشعبي بعد أن دفنوا أحياء وهم نيام تحت الأوحال. مسؤولية السلطات تتمثل في ترك التلال تتعرى من غطائها الغابي وفي ترك الناس تحتل الوادي في فوضى عمرانية منفلتة. ومع ذلك فقد عزا الرئيس فداحة الخسائر إلى قضاء الله وقدره عندما كان يزور المنطقة. كذلك يعود ارتفاع ضحايا زلزال بومدراس بالقرب من العاصمة أيضا إلى التهاون في مراقبة مقاييس البناء والغش في مواده وغيرها، لكن أئمة المساجد تحدثوا عن قضاء الله وقدره.
لهذا يعتبر المعتزلة صفحة مشرقة في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، ولو تمكن هذا الفكر من الذهاب بعيدا لأحدث قطيعة حقيقية مع الفكر البدوي القدري، ولكان حال هذه المنطقة مختلفا اليوم.
يضع المعتزلة العدل صفة ومبدأ أساسيا لهم.. لأنهم يربطون بين العدل الإلهي والعدل في الأفعال الإنسانية ويرون أن الإنسان حر في أفعاله وهم يقولون ذلك لكي ينقذوا التكليف الشرعي ولأن الإنسان المسلم مكلف شرعيا وهو مسئول عن هذه الأفعال حتى يستقيم التكليف ويكون الثواب عدلا والعقاب عدلا. خلافا للجبرية الذين يعتقدون أن الأفعال من خلق الله والإنسان مجبور عليها. بينما المعتزلة يرون أن عدل الله يقتضي أن يكون الإنسان هو صاحب أفعاله.
الصراع بين المعتزلة والجبرية أسلاف الأشاعرة ثم السنة بمذاهبهم الحالية لم يعمر طويلا كصراع فكري حر إذ سرعان ما تدخلت السلطة لحسم الصراع لصالح المذهب الجبري الملائم تماما لكل أنظمة الاستبداد.
نفهم مما سبق أن حرية الاختيار عند المعتزلة ظلت مسألة محورية في تفكيرهم، فلماذا يُخَطِّئُهم غزالي القرن العشرين بعد أن خطأهم وكفرهم عزالي القرن الرابع الهجري الحادي عشر الميلادي؟ السبب الحقيقي في نظري مرده إلى أن فكره ينتمي إلى سلسلة المفكرين السلفيين الجبريين الذين تسببوا في انحطاط العالم الإسلامي، ولا يزالون، انطلاقا من أحمد بن حنبل ومرورا بأبي حامد الغزالي وابن تيميه إلى غاية حسن البنا رفيق الغزالي في درب الحركة الأصولية المعاصرة بوصفها رد فعل رجعي رافض للحداثة والتقدم.
المضحك المبكي في هذه المسألة أن فكر المعتزلة مازال يتفوق في جرأته الفكرية الساعية للتحرر من قيود النص وجبروت النقل على غالبية مفكرينا وسياسيينا اليوم، لهذا لا نرى أي انعكاس له في مناهجنا التعليمية وهو ما انعكس في انحطاط مستوى العقلانية في مجتمعاتنا.
لنتابع قراءة الغزالي:
يقول: “وقد اعتل الفكر الإسلامي يوم استعمل حريته العظيمة في بحوث الإلهيات القصية عن مداركه وحطها بفلسفات دخيلة عقيمة لا قيمة لها”.
المضحك هنا أيضا أن المسلمين اليوم لا يجدون ما يفتخرون به في علوم الأسلاف سوى علوم هؤلاء الذين وصف الغزالي فكرهم بالمعتل وهم الذين استعملوا حريتهم العظيمة في بحوث الإلهيات وفي غيرها من بحوث المنطق بوصفه بابا لكل مباحث العلوم.
من بين المفكرين الذين نجدهم في سلسلة أسلاف الغزالي، نذكر أبا حامد الغزالي وابن الصلاح. أبو حامد الغزالي برع في ذم الفلاسفة وتسفيه الفلسفة والمنطق، أما ابن الصلاح فقد برع في استعداء السلطة ضد المفكرين العقلانيين ومارس إرهابا حقيقيا على العقل والفكر، لنقرأ له هذه المحاكمة ضد الفلسفة: “الفلسفة أس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف، عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين، ومن تَلَبَّسَ بها، قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان، وأظلم قلبه عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، …. واستعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية من المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة وليس بالأحكام الشرعية ـ ولله الحمد ـ افتقار إلى المنطق أصلا، هو قعاقع قد أغنى الله عنها كل صحيح الذهن، وأي فن أخزى من فن يعمي صاحبه، وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع، ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين فالواجب على السلطان أعزه الله أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المشائيم، ويخرجهم من المدارس ويبعدهم.. .”
الغزالي ينطبق عليه المثل: “يرى الشعرة في عين خصمه ولا يرى الخشبة في صاحبه”. ها هو يقول بعد أن فرغ من تقديم محاكمة لأوربا القرون الوسطى وما طال الفكر الحر فيها من أهوال: “ولا جدال في أن تاريخ الإسلام لم يعرف هذا الاضطهاد الشنيع لحرية الفكر والعلم الذي عرفته أوربا”.
وشخصيا أشعر بدهشة كبيرة أمام هذا التغييب البائس لتاريخنا. هل يجهل الغزالي مثلا الصراعات المذهبية المريرة الدموية التي دارت في ساحات المنطقة العربية الإسلامية؟ أين يضعها الغزالي إذا لم تكن تعبيرا عن الانغلاق الديني والمذهبي والفكري الذي ساد تاريخنا؟
ومع ذلك يكتب بدون حرج مستشهدا بـ(المسيو سيديو الوزير الفرنسي الأسبق وأحد علماء الغرب المنصفين) حسب زعم الغزالي: “أتى النبي فربط علائق المودة بين قبائل جزيرة العرب ووجه أفكارها إلى مقصد واحد أعلى شأنها حتى امتدت سلطاتها من نهر التاج المار بأسبانيا والبرتغال إلى نهر الكنج وهو أعظم أنهار الهند…).
هذه النرجسية العربية الإسلامية مضرة جدا لأنها لا تستريح إلا إلى من يمدح ويشكر ويجمّل ما عندنا ولو على حساب تاريخنا الحقيقي الذي نحن أعرف به من غيرنا أما النقد الموجه إلينا فسرعان ما يتحول إلى مؤامرة يقف وراء أعداء الإسلام.
يكتب الغزالي هذا الكلام وكأنه يجهل أن تاريخ المسلمين لا يختلف عن تاريخ غيرهم من الأمم يومئذ وما ساده من غزو وسطو واحتلال واستعباد للشعوب، مع فارق أن ما كان يقوم به المسلمون كان يجد تبريرا دينيا مقدسا لا زال أتباعه يجهدون في تبريره بعد أن صار من الصعب تغييبه.
نواصل مع هذه الانتقائية لشواهد من التاريخ الإسلامي حول حرية الفكر التي نَعِمَ به الناس حسب شيخنا الذي يقول مدافعا عن حرية الفكر في الإسلام: “كما أن لعلي موقفا ممن خرجوا على خلافته وسموا بالخوارج، فقد بعث إليهم عبد الله بن عباس فناظرهم، فرجع إلى صفوف علي أربعة آلاف منهم وأصر أربعة آلاف آخر على عدم الرجوع، فأرسل إليهم يقول: “كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم ألا تسفكوا دما حراما ولا تقطعوا سبيلا ولا تظلموا أحدا فإن فعلتم نبذت إليكم الحرب”.
فهل يجهل مثلا أن علي بن أبي طالب نفسه كان قد عاقب جماعة من المرتدين حرقا؟ أليس الارتداد مسألة فكرية بحتة؟ سنرى في مقال لاحق تخريجات الغزالي البائسة في تبرير الحكم على المرتد.
لكننا نعرف اليوم أن الفتن والحروب الدامية التي نشبت بين المسلمين والتي لا يجب أن يجهلها المسيو سيديو ولا الغزالي، والتي هي تكذيب لمزعمهما بأن النبي قد (ربط علائق المودة بين قبائل جزيرة العرب ووجه أفكارها إلى مقصد واحد أعلى شأنها). ولعلنا لا نخطئ لو قلنا إن النبي ربط علائق التحالف بين قبائل جزيرة العرب ووحد سيوفهم نحو مقصد واحد هو الغزو والاستيلاء على غرار ما كان يقوم به الغزاة الآخرون في جميع بقاع الدنيا.
يختم الغزالي حديثه عن حرية الفكر قائلا: “إن حرية الفكر لم تزدهر في جماعة كما ازدهرت في حضارة الإسلام” !!!
يتبع.. المقال القادم حول الحرية الدينية.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

غزر وطال..

هناء شني

ما دام لا يؤبه في الاعتناء بأناقة سلوكياته رغم حرصكِ على تأجج صوتكِ
أنتِ ترين أن أكبر الذكورداهية خُلق من مادة يتكّحل بها الأثم ومن ثم يتبرأُ منها
حينذاك يتشكّل مخلوق ينظر من زاوية مستثمر شبق * نحو الخطوط الخلفية*
اذا ارتضيتِ ورضختِ لوخز ابرته وتنظيم ابيات جميلة عنه
وتأجيل خطة تسليمه لمجلس التأديب والتهذيب الى اجل غير مؤّرخ ؟!..
في هذه الحالة كيف ستتمكنين من اخماد أفرازاته اللاأدرية ؟..
واذا ناداكِ الى الصلاة بصيغته الشعرية ذات الدهاء والفطنة مستقرّها المنارة؟!..
يغري ويهيج الحق بالباطل..يضرب ويحرث صحرائه على قمة جبلكِ العظيم

أن جميع الدلائل الجيولوجيا تأكد أصل نوعه ؛ ( أرضة)..
أنه يعاني من عسر تطوري فمن الاستحالة محاصرته بلمعان سيفكِ..

اللهم استجب للاهه
وصفّي وجدانك
خذه بين احضانك عسى ان تستنير بدهائه الى ابد الاباد
امييييييييين

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

قسٌّ بَهاءُ المسيح نوَّرَهُ

 رياض الحبيّب

خاص: موقع لينغا    الاحد، 09 أيلول 2012

هلِّلْ فؤادي لأنّ إيماني * بفضل رَبّي عليَّ قوّاني
 
كلُّ صَلاةٍ لهُ اٌستجاب لها * نابعةٌ من صميم وجداني
 
رُبَّ صلاةٍ صَلَّيتُها وَصَلتْ * بعد صلاةٍ مِن مَصْدَرٍ ثانِ
 
واٌتصلتْ هذهِ بتلكَ وإنْ * كان لهذي وتلك وقتانِ
 
فألفُ مِيلٍ بيني وبين أخي * قد يتلاشى بعَرض إحسانِ
 
وما أخي مِن أبي وأمِّيَ لو * عَرَفتُ حقًّا ربّي وإخواني
 
كذلك الأختُ لا يُفرِّقـنا * جنسٌ لأنَّ الإنسان جنسانِ
 
ليْ ألفُ أختٍ هُنا وألفُ أخٍ * هناكَ في الهند، في خُراسانِ
 
ولي أخٌ، ما رأيتُ منظرَهُ * ولا رآى منظري، بإيرانِ
 
صلَّيتُ مِن أجلِهِ وصلّى معي * مليارُ شخصٍ يُدعى نَدَرْخاني
 
قسٌّ بَهاءُ المسيح نوَّرَهُ * ما خافَ مِن ظُلمةٍ وشيطانِ
 
سِيق إلى السِّجن غيرَ مكترثٍ * لظُلم حُكْمٍ وقيد سَجّانِ
 
ما حُجَّةٌ في يد القضاء على * منتصِرٍ بالمسيح مُزدانِ
 
والموتُ قدّامَهُ وموعِدُهُ * بإذن ربٍّ عليهِ حَنّانِ
 
تطوَّع الناسُ للتدخّل في * مِحْنتِهِ مِن قاصٍ ومِن دانِ
 
مِن حَقِّهِ أنْ يَختار عِيشَتهُ * حُرًّا بفِكْرٍ لهُ وإيمانِ
 
مِن حقِّ أمثالِهِ مغادرةُ الحَبس فلُطفًا قُضاةَ طهرانِ
 
أنْ تُطلِقوا الحُرِّيَّاتِ أجْمَعَها * والدِّينُ منها لكُلِّ إنسانِ
 
ما اٌنتدَبَ اللهُ قاضيًا أبدًا * من دونِهِ فهْوَ خيرُ دَيّانِ
 
أو بات مِن حقّ الإنس في زمنٍ * نيابةً عنهُ ختمُ إعلانِ
 
لنا لقاءٌ يوم الحِسَاب مع الله جَميعًا فدَهْـرُنا فانِ
 
واللهُ يقضي لنا سَـواسِـيةً * جَنّاتِهِ أو حقولَ نيرانِ
 
إنِ اٌختلفنا على عبادتِهِ * شكلًـا ونوعًا أو بعضُنا زانِ
 
فإنّ ربَّ العبادِ يَعرفُ مَن * مِنّا مُصِيبٌ ومَن هُوَ الشّاني
 
قضاؤُهُ فوق كُلِّ مَحْكمَةٍ * في عَدْلِهِ ما تخالفَ اٌثـنانِ
 
فالدِّينُ لله والحياةُ لنا * حَقٌّ بحَقٍّ لنا فحَقّانِ
 
و(أنتَ حُرٌّ ما لمْ تضرَّ) فإنْ * أنصفتَ مِثلي فنحنُ سِيّانِ
 
* * *

نُظِمت يوم الأحد الموافق التاسع من أيلول- سپتمبر 2012 على بحر المنسرح، في إثر تلقّيّ خبر إطلاق سراح القسّ الإيراني يوسف نادرخاني. مجدًا للربّ يسوع. هلِّلويا
¤ ¤ ¤ ¤ ¤

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

زمن الغسالات

محمد البدري

تشريعات البشر الوضعية هي تعبير مباشر لما حققه العقل الاجتماعي والسياسي من مكاسب في بنيته وفهمه للواقع بعكس ما كانت تشريعات الاديان منصبة في معظمها علي فهم البشر البدائي لما هو عضوي من جسد الانسان أو الملكيات البدائية الفقيرة. و بقدر ما ارتقت التشريعات الوضعية فاصبحت تهتم بالمكاسب السياسية للمواطنين بقدر ما ظل العقل الديني المؤمن اسير الاعضاء الجسدية وما يحوطها من اهتمام. تشريعات البشر تماثل التكنولوجيا في كل عصر، فالاثنين من منجزات العقل بقدر ما تحقق من معرفة، وتحطيم كلاهما دليل علي عدم وعي بكلاهما.

كانت العمالة المأجورة في بدايات عصر الصناعة المميكنة تقوم بتحطيم الالات وقت أن كانت التكنولوجيا في بداياتها، لانها توفر طاقة انتاجية لصاحب العمل باكثر مما توفروه قوة العمل الانسانية عبر قدراتهم العضلية والذهنية بارثهم القديم لها. بل وتحيلهم للتقاعد حرمانا لهم من مصار عيشهم بالوقر في البيت لانها أكثر كفاءة منهم. واخذ اليسار المراهق الذي قيل انه يؤمن بالتطور والتقدم هذه الحجة لاشهارها كمبرر لادانة ملاك هياكل الانتاج واصحاب الملكيات من استيعاب البشر الحاليين في ظل الميكنة وبعد ان يضاف اليهم الانتاج الليلي المجاني لقوي بشرية جديدة لن تجد في المستقبل مكانا في ظل تعميم الميكنة في الصناعة. فسر احد المؤمنين بالله ورسوله سلوك هذه العمالة، بسذاجة وجهل، انهم يكرهون وجود شريك لهم في العمل حبا في اصحاب العمل واخلاصا لمن افاء الله عليهم من بركاته.

ولن نخوض فيما آلت اليه العمالة من إرتقاء والعلم من تقدم والماكينات من تطور والعقول والتشريعات من رقي، واختلاف متزامن للعقل الانساني، ووعي سياسي في الدول التي عرفت معني التقسيم الطبقي للعمل، إنما سنخوض بعمق اسفل الملابس الداخلية، في تلك المجتمعات التي قرأت ولم تفهم وعملت ولم ترتقي واحتقرت كل ما هو وضعي لصالح ما هو ديني وانتهي بها الامر لانتاج عقول بافكار بدائية وجاهلية مفضوحة.

في مصر أم الدنيا تحقق هذا القول، فبعد تعيين جوقة من المستشارين لرئيس مصر الثورة ليساعدوه ويرشدوه الي ما فيه صلاح البلاد والعباد خرجت علينا مستشارته الانثي / اميمة كامل واقتحمت بجرأة ثورية ما يشغل المجتمع المصري في ملف ختان الاناث وقال بالحرف: “المرأة التي لم يحدث لها عملية الختان فإيمانها ناقص” و “أن الختان غير مجرم قانونا وأن هذه العملية مجرد عملية تجميلية”.
فكما إمتازت ثورة يناير بالشفافية إمتازت نائبات ثوار يناير أن ما بين فخذي المرأة المضطهدة الضائعة هو هدفهم من الثورة وما خلع مبارك واسقاط النظام الا وسيلة للوصل الي الهدف باسرع مما يصل اليه المتحرشين والمغتصبين للنساء جنسيا. ولوقف جرائم التحرش فان عملية تجميل لفرج المرأة كفيل بحل ما لم يقدر مبارك عليه. ففتاوي بطلان الختان كثيرة لانتهاكها الصريح لجسد المرأة الا ان اسلاميي بعد الثورة لهم راي آخر في حق الانتهاك وتشويه الاعضاء وحرمان المشاعر وكبت الطاقات كلها بحجة العفة التي لا نعرف كيف ستتاتي علي يد السيدة أميمة الخبيرة نظريا وعمليا بما للختان من فوائد. مفتي الجمهورية د. علي جمعة من خلال بيان رسمي عا م 2007 حرمه وذكر ما تعانى منه الفتاة طوال فترة حياتھا النفسية. لكن الم تات الثورة للقضاء علي النظام؟ فالمفتي كان جزءا من النظام بحكم وضعه الوظيفي. فالنظام في راي مستشاري الاخوان ليس من سرق ونهب وقتل وافسد انما من لم يقم بعملية تشويه لفرج بناته.

وتسائل أحد فلول النظام كيف يكون نمص الحاجب حراما (النمص نتف بعض الشعيرات من حاجب المرأة من اجل تجميله حتي لا تبدو المرأة مثل جوردازيلا أو أمنا الغولة !!!) لكن بتر عضو كامل منها أمر يثاب عليه المؤمن يوم القيامة بعد ان يحرم منه في الحياة الدنيا. فاخطر ما في ثورة يناير هو التلاعب بالالفاظ الذي يجيده تنظيم الاخوان المسلمين ويحترفه مشايخ الاسلام علي الطريقة الوهابية مع درجات متقنة من التمويه عند اللزوم. وهو ما قامت به واحدة من إناث الحزب د. منال ابو الحسن أمينة الاناث بحزب الحرية والعدالة حيث افتت في أحد المؤتمرات: عمل المرأة هو المقصود به البناء الحقيقى وليس المستورد الذى روجت له الدول الأجنبية ووسائل الإعلام المضادة لفكرة النهضة وحرية المرأة، وأشارت أبو الحسن إلى أن عودة ريادة العرب فى المنطقة سيكون ثمرة من ثمرات الربيع العربى ونتوقع أن تأخذ المرأة مكانتها ووضعها الريادى الذى تستحقة وهو التمسك بالشريعة الإسلامية كمصدر رئيسى للتشريع وتحقيق مصلحة الإنسان وتحقيق الإبداع ليس الإبداع الذى يروج له الفنانين والفنانات، والذى شوه صورة المرأة المسلمة، فطالبت القيادات النسائية أن تظهر حقيقة المرأة لكافة المنظمات العالمية ودول العالم والصورة الحقيقة التى التى كفلها الإسلام لها، حيث وصى النبى علية الصلاة والسلام بالمرأة وقال «استوصوا بالنساء خيرا، ورفقا بالقوارير.

أما أم ايمن عضوه مجلس الشعب السابق فسبقتهم جميعا عندما كانت تقف بشموخ في المجلس الموقر لتدافع عن حق الذكر في مضاجعة الصغيرات في السن بتخفيض سن الزواج الي الحد الادني الممكن الوصول اليه عبر اتفاق الذكور الاعضاء عليه. بمعني انها فوضت لمن يحق له الاغتصاب في تحديد السن العمرية للضحية بقدر ما يراه هو مناسبا من نضج اعضائها، التي تم تجميله لها قبل ذلك.وهنا تبدو مسألة تسليم أعضاء الانثي للبتر والتشوية أو الاعمار لتحديد صلاحية المجامعة هي من مطالب ثوار التحرير. ولم يفوتها التحدث عن فروج النساء حيث افتت بان الختان فهو عفة للبنت ويجب اصدار تشريع بفرضه علي كل السيدات. لكنها لم تشرح لنا إذا ما كان التحرش الذكوري بالاناث يتم بسبب عدم ختانهن وكيف يعرف المتحرش صلاحية هدفه من عدمه والبنات يلبسن اغطية فوق الرأس والصدر وحول الفخذين بما يكلفهن بما لا يطاق اقتصاديا منعا لما يمكن نيله بالشريعة الغراء. ولهذا طالبت النائبة الموقرة، التابعة لحزب الحرية والعدالة عن دائرة 6 اكتوبر بـ بتطبيق الشريعة و ” بإلغاء قانون التحرش الجنسي، وبررت ذلك بأن “سبب التحرش هو عُري النساء وبالتالي فالمتحرش غير مخطيء”!!!!

الاناث من مستشارات ونائبات، من ثوار بعد الثورة قدمن ما يثبت انتمائهن الي بروليتاريا ما قبل زمن بدايات العصر الصناعي الحديث حيث يعشقن الاستخدام الجسدي والبدني في بيوت ازواجهن بعد تجميله علي طريقتهن, ورغم ذلك نجدهن يعشقن كل انواع التكنولوجيا والميكنة في اداء الخدمة للازواج في البيوت التي يجب الوقر فيها طبقا للشريعة. هن نوع من العبيد المتبرجز ايمانيا والمسلح بالاحاديث النبوية لتجميل ما خلقه الله مشوها. هذا النوع من المحصنات والعفيفات منذ زمن الصحابة علي قاعدة الاسلام الحنيف عشن طوال عصور الاسلام والي وقت قريب دون تكنولوجيا أو ميكنة الي ان تدخلت الدول الأجنبية ووسائل الإعلام المضادة لفكرة النهضة الاخواني وحرية المرأة في برنامج الحزب واتت بكل ما ناصبته بروليتاريا تلك الدول العداء قديما فحطمته. فلماذا لا تحطم أم ايمن وأميمة كامل كل تكنولوجيا تعمر بها بيوتهن خاصة الغسالات الفول اوتوماتك ليس فقط غيرة منها لانها تنظف بكفاءة افضل وتقدم خدمة أرقي بل لانها من منجزات الكفار واعداء الامة ويتفرغن هن لبحث كيف يفقدن اللذة علي سنة الله ورسوله بتجميل بنات جنسهن والدفاع عمن سيغتصبهن تطبيقا للشريعة أتناء عودة ريادة العرب فى المنطقة ودعم للبحث العلمي بتركيب فرج مختتن للغسالات والاجهزة المنزلية مع مراعاة الا يجمع الزوج من حزب العدالة والتنمية او الاحزاب السلفية باكثر من اربعة أجهزة في وقت واحد.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, فكر حر | Leave a comment

خسئت يا…اتحاد أدباء العراق

محمد الرديني

لم أتخيل انه سيأتي اليوم الذي اسمعك فيه كلاما لايعجبك يا رئيس اتحاد أدباء العراق فاضل ثامر.
لا احد ينكر مكانتك الأدبية خصوصا في ساحة النقد الأدبي رغم انك لم تكتب منذ سنوات ولم نسمع لهذا الاتحاد الهش تحرك قيد أنملة .
احتفظ ، وهذا رجاء، بما تبقى لك من سمعة أدبية وقدم استقالتك احتجاجا على اقتحام مقر الاتحاد للمرة الرابعة.
لا ادري كيف استطعت ان تواجه الناس من خلال احدى القنوات الفضائية وتقول قلته بعد اقتحام المقر قبل امس الاول.
كيف يسمح لك حسك الأدبي ان تنظر للاقتحام وكأنك تريد ان تقول ..لاباس فهم ينفذون الأوامر ودعونا ننتظر التوضيح.
ولك اي توضيح؟ هل تعتقد ان الجواهري او الزهاوي او الرصافي يقبل بما فعله فاروق الإعرجي ام انت أعرج البصيرة مثلهم؟.
اجلس في بيتك أستاذي الكريم واقرأ عن عظماء التاريخ واذا اردت سوف ابعث لك المواقع التي خلدت ذكراهم.
وحسبي الله على المثقفين الذين انتخبوك رئيساً لهذا الاتحاد الذي طاح (ح….) في زمانكم الأغبر.
اسرع بتقديم استقالتك قبل ان يعلن كل الشرفاء قرفهم منك ومن تنظيراتك.
لم يبق لك من العمر ما تخسره فقد تعديت الستين ورغم انك منكب هذه الايام على متابعة حفلات الشعر فقط لتقول أني هنا وما انت هناك.
واذا لم يعجبك قولي،وهذا أكيد، فان الافضل لك في هذه الظروف ان ترشح الى منصب وزير الاعلام حتى (تهلس(اخر شعرة من مؤخرتها)..او اذا. اردت فالأفضل لك ان ترشح لمجلس البرطمان حتى تخربً فد مرة (هي خربانة خربانة بقت عليك) ..وربما. يقنعك ابو إسراء لتصبح سفيرا في جزر الواق واق او جزر الكناري حيث الكتابة هناك ستكون لابو موزة.
ها..؟هل اقتنعت بتقديم استقالتك ام تريد من اعضاء الاتحاد الشرفاء ان يجبروك على ذلك.
واذا صحت النبوءة واصبحت كما تريد فنصيح جميعا( ياايها الزمان ماذا فعلت بجاهل متعلم).
فاصل رقمي بدون عداد:في العراق الآن 6 ملايين امي(اروحلك فدوى ياوزير التربية والتعليم)، وهناك 7 ملايين تحت خط الفقر (وهمينة فدوى لأبو اسراء) ونصف مليون خريج جامعي عاطل عن العمل(وهاي فدوى ثالثة لوزير التعليم العالي والبحث العلمي).
منو بقى …؟ بس عمال المسطر واولاد الملحة.. هذوله مو اروحلهم فدوى، لا والله، ذولة رجليهم المفطرة تسوى كل من سكن المنطقة الخضراء.

Posted in الأدب والفن, فكر حر | Leave a comment

تأليف القرآن- الكشف الوافي بقلم معروف الرصافي- الحلقة 13

رياض الحبيّب

لقد ورد “اللوح المحفوظ” مرّة واحدة في القرآن وتحديداً في سورة البروج: 22 فما هو هذا اللوح وأين مكان حفظه؟
لقد جرت العادة أن أستعين بتفاسير بعض المفسّرين من أئمّة المسلمين الكبار، ثمّ القيام بالتعليق على التفاسير- وهذا في رأيي هو المنهج العلمي الصحيح للبحث، إذ لا يجوز للباحث في قضايا الدين أن يُفسّر تفسيراً خاصّاً أو على هواه، لأنّ الدين من المواضيع الحسّاسة التي تهز مشاعر المتديّنين والمتديّنات وقد تخدشها في أحيان كثيرة، لذا وجب على كلّ كاتب استقاء التفاسير من المفسّرين المعتمَدين لكتاب يُعتـَبَرُ مقدّسـّاً عند أتباعه وبعدئذ يحقّ له أن يُبدي رأياً في التفسير أو يُحلّل نظريّة ما.
وبالمناسبة؛ لقد وجدتُ أكثر الكتـّاب جهالة في الغرب والشرق بل أقلـّهم مرتبة في تقديري مِنَ الذين ينتقدون كتاباً لم يقرأوه من مصدره إنـّما قرأوا عنه ما قيل وما كـُتِب- ولا سيّما الإنجيل- وهكذا قرأتُ الحكمة القائلة: لا تحكـُمْ على كتاب من غلافه. فمن ظنّ من الكتـّاب أنّ القرّاء لا يميّزون بين كاتب قارئ وباحث وبين آخر لم يقرأ ولم يبحث يكنْ مُخطئاً وعليه تالياً أنْ يتقبّل من القرّاء انتقاداً ما لا يليق بشخصيّته وما قد يؤدّي إلى انتهاء مصداقيّته؛ لأنّ الكتابة مسؤولية أخلاقيّة كبرى وعلميّة من جهة أخرى وعلى الكاتب أن يفكـّر بما يكتب في جميع الجهات ما أمكن قبل أن يُرسل بمادّته إلى النشر مرتاح الضمير. فكفى بالكتـّاب السّذ ّج سذاجة- إن جاز التعبير- لأنّهم والقرّاء الكرام يعيشون في عصر الإنترنت أي عصر المعلوماتيّة السريعة.

هنا في البداية تفسير الإمام الطبري- المفسّر والمؤرّخ ت 310 هـ- وسوف أضع ملاحظاتي بين قوسين كبيرين [ ] كما جرت العادة:
عن مجاهد {في لوح} قال: في أمّ الكتاب-
[في معجم “لسان العرب” عن ابن عباس: أُمُّ الكِتاب القرآن من أَوله إلى آخره. وقال قَتادة: أُمُّ الكتاب أَصْلُ الكِتاب]
عن قتادة {في لوح محفوظ} عند الله
عن أنس بن مالك, قال: إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله {بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ} في جبهة إسرافيل-
[في القاموس المحيط: اسْرافيلُ، بكسرِ الهمزةِ: اسمُ مَلَكٍ، وقيل خُماسِيٌّ هَمْزَتهُ أصْلِيَّة- وهذا ما ورد في “لسان العرب” أيضاً. وإسْرَافِيلُ: لُغَة في إسْرافينَ، أعْجَمِيٌّ مُضافٌ إلى إيلَ- وهو قول الأخفش أيضاً]

وهنا تفسير القرطبي ت 671 هـ:
أيْ مكتوب فِي لَوْح. وَهُوَ مَحْفوظ عِنْد اللَّه تعَالَى مِنْ وُصُول الشّياطِين إليْهِ. وَقِيلَ : هُوَ أُمّ الكِتاب; وَمِنْهُ اُنتـُسِخَ القـُرآن والكُتـُب
وقال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش
وقال ابن عباس: أول شيء كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ “إني أنا الله لا إله إلا أنا , محمد رسولي , من استسلم لقضائي, وصبر على بلائي, وشكر نعمائي, كتبته صدّيقاً وبعثته مع الصدّيقين , ومن لم يستسلم لقضائي ولم يصبر على بلائي, ولم يشكر نعمائي, فليتخذ إلهاً سواي”

وهنا تفسير ابن كثير ت 774هـ:
أي هو في الملإ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل
عن ابن عباس أن رسول الله ص قال: إن الله تعالى خلق لوحاً محفوظاً من درّة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور لله فيه في كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويعز ويذل ويفعل ما يشاء.

وهنا تفسير الجلالين- المَحَلّي ت 864 هـ والسّيوطي ت 911 هـ:
“في لوح” هو في الهواء فوق السماء السابعة “محفوظ” بالجرّ من الشياطين ومن تغيير شيء منه طوله ما بين السماء والأرض, وعرضه ما بين المشرق والمغرب, وهو درّة بيضاء قاله ابن عباس رضي الله عنهما-
[أي رضِيَ الله عن العباس وعن ابنه]

– تعليقي: سأترك التعليق على ما تقدّم من تفاسير لذوي الألباب. ورُبّ سائل يسأل: من هو ابن عبّاس، هذا الذي لا يخلو كتاب تفسير من أحاديثه؟
ويكيبيديا أجابتْ والكاتب يتصرّف ويختصر، لأنّ المستوى اللغوي في القسم العربي من الموسوعة المذكورة ما يُرثى له وكذلك المعلوماتيّة:
{هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، حَبْر الأمّة وفقيهها وإمام التفسير، ولد ببني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين، وقد روي له 1660 حديثا. كان مقدّماً عند أبي بكر وعثمان بن عفان، ثم جعله عليّ بن أبي طالب والياً على البصرة وكان عمره يوم وفاة محمد 13 عاماً وقيل 14} انتهى

– تعليقي: كان ابن عبّاس صغيراً بالسّنّ وفي الأقلّ لم يُعاصر زمن قيام محمد بادّعاء الرسالة ليعي ما جرى، ولا علِمَ بـ “أسباب النزول” إلّا ممّا رُويَ له فقلّ ما وعى، فكيف أصبح بهذه المكانة من الأمّة- حبرها وفقيهها وإمامها؟ سُبحان مانح المواهب وموزّع المناصب. ولله درّ لبيد بن ربيعة* صاحب إحدى المعلـّقات إذ قال في معلـّقته الموسومة:
عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقامُها *** بمِنَىً تأَبَّـدَ غـَوْلُهَا فرِجَامُهـا
فمَدَافِعُ الرَّيَّان عُرِّيَ رَسْمُهـا *** خَلَقاً كَمَا ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها
دِمَنٌ تـَجَرَّمُ بَعْدَ عَهْدِ أنِـيسِها *** حِجَجٌ خَلَوْنَ حَلالُها وحَرَامُها
إلى أن يقول:
فَوَقفتُ أَسْأَلـُها وَكَيْفَ سُؤالـُنا *** صُمَّاً خَوَالِدَ مَا يَبيْنُ كَلامُها
عَرِيَتْ وَكانَ بها الجَميْعُ فَأَبْكَرُوا *** مِنْهَا وَغُودِرَ نُؤْيُها وثـُمَامُها

والجدير ذكره بالمناسبة أنّ الأديب الراحل طه حسين، ممّا ورد في كتابه- حديث الأربعاء، كان من المعجبين بشِعْر لبيد*

————–

وهنا بحث تفصيلي شامل ودقيق عن لوح القرآن “المحفوظ” ممّا قام القمّص زكريا بطرس في قناة الحياة الفضائية في خلال بحثه بجهد مميّز، معلومات كثيرة وأدلّة علميّة موثـّقـَة، هذا عَبْر برنامجه الأسبوعي- حوار الحق- والحلقة المرقمة 109 والتي يمكن مشاهدتها من الرابط التالي:
http://islamexplained.com/Programs/TruthTalk/tabid/136/Default.aspx

وقد ورد في هذه الحلقة ما يوثـّق أنّ “اللوح المحفوظ” من عقائد السومريّين والأيزيديّين ما زاد عن 3000 سنة قبل الميلاد. وقد عُرف اللوح المذكور بين عرب الجزيرة نتيحة للإحتكاك مع أقوام البلاد ما بين النهرين، كما ورد أيضاً توضيح للفرق ما بين لوحَي التوراة وبين اللوح القرآني الذي فسّر المفسّرون. وهنا بعض ما ورد في التوراة عن اللوح:
خروج 12:24 – وقال الربّ لموسى: ((إصعدْ إليّ إلى الجبل وكنْ هناك فأعطيَكَ لوحَي الحجارة والشريعة والوصيّة التي كتبتـُها لتعليمهم))
أمّا الجبل فهو جبل سيناء [خروج 16:24] وأمّا وصايا الله العشر فمذكورة في سِفـْر الخروج سلفاً [الأصحاح 20] وأمّا من يريد قراءة الشريعة الموسوية بل الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد- باللغة العربيّة- فهنا الرابط:
http://www.albishara.org

أمّا الرصافي فقد أثار موضوع اللوح المحفوظ في كتابه الموسوم “الشخصيّة المحمّديّة” بما يلي:
هل القرآن كان في اللوح المحفوظ، وأ ُنز ِلَ على محمد دفعة واحدة، وما المقصود باللوح المحفوظ وما هو تعريف القرآن في المفهوم الديني وفي مفهوم اللغة؟
من الأمور التي شط ّ بها علماء الدين عن الحقيقة واليقين ما قالوه في اللوح المحفوظ من الأقوال الواهية فقد قال جماعة منهم إن القرآن أنزل جملة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت السماء الدنيا ما يقال له بيت العزة فحفظه جبريل (الإتقان 40:1) وغشي على أهل السموات من هيبة كلام الله فمرّ بهم جبريل وقد أفاقوا وقالوا: ماذا قال ربّكم؟ قالوا: الحق، يعني القرآن، وهو معنى قوله تعالى (حتى إذا فزع عن قلوبهم) (سبأ: 23) فأتى جبريل إلى بيت العزة فأملاه على السفرة الكتبة، يعني الملائكة، وهو معنى قوله تعالى: (بأيدي سفرة * كرام بررة) (عبس: 15-16)

وأضاف الرصافي موضحاً معنى اللوح في لسان العرب:
يطلق اللوح في اللغة على كل صحيفة عريضة من خشب أو عظم أو غير ذلك، وكانوا في الزمان الأول يكتبون فيما وجدوه من ألواح الحجارة والخشب والعظام وغيرها لفقد القرطاس عندهم أو لقلـّته، فيقال كتب في اللوح، حتى قيل إن اللوح مأخوذ من أن المعاني تلوح فيه بالكتابة وهذا القول صحيح بالنظر إلى استعمالهم اللوح للكتابة كالقرطاس، وإلّا فاللوح في أصل اللغة لا يطلق إلّا على ما فيه عرض واتساع، ولذا يطلق اللوح (بفتح اللام وبضمّها) على ما بين السماء والأرض من الهواء أي الفضاء لاٌنبساطه واٌتساعه. ولما كان اللوح يُستعمل للكتابة عندهم، صحّ في الاستعمال اللغوي إطلاقه على الكتاب كما هو في هذه الآية [البروج: 22] ويدلّ على ذلك أن القرآن اٌستـَعمل الكتاب بدل اللوح في آية أخرى من سورة الواقعة: 77-78 فقال (إنـّه لقرآن كريم * في كتاب مكنون) أي مصون، فاللوح والكتاب في الآيتين شيء واحد.

– تعليقي: أعيد كتابة آخر ما ورد في سورة البروج (بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ) لأقول، بالإضافة إلى قول الرصافي، ليس من البلاغة بشيء تكرار الكلام؛ أفما كانت فكرة مؤلّف القرآن لتصِل سواء بقوله (إنـّه لقرآن كريم * في كتاب مكنون) أو بقوله (بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ) وهذا من جهة- ومن جهة أخرى، ما ضرّ مؤلّف القرآن لو أبدل (إنّه لقرآن كريم) التي في الواقعة بـ (بل هو قرآن مجيد) التي في البروج أو العكس؟ والحال عينها مع الآية الأخيرة لو اكتفى المؤلف بإحداهما، مَنْ كان ليعترض عليه؟ وهل كان عدد آيات القرآن سيُنقـَص، مع الأخذ بنظر الإعتبار ما ضاع من القرآن وأ ُسقِط وأ ُنسي، ما تمّتْ مناقشته في بعض حلقات هذه السلسلة.

أمّا معنى الكتاب وتالياً تقاربه مع معنى القضاء (الأزلي) والقدر فقد وضّحهما الرصافي بما يلي:
الكتاب مصدر كتب كتباً وكتاباً وكتبة وكتابة، فهذه أربعة مصادر قد أطلقوا الثاني منها وهو الكتاب على المكتوب أيضاً تسمية بالمصدر، وهو كثير في كلامهم
أما المعنى المصدري لكتاب في أصل اللغة فنستطيع أن نفهمك إيّاه بثلاث كلمات متقاربة في معانيها: وهي الجمع والضبط والحفظ. قالوا: كتب الكتاب إذا صوّر فيه اللفظ بحروف الهجاء، ولا ريب أنّ تصوّرَ الألفاظ بالحروف يتضمن جمعها وضبطها وحفظها من الضياع أو النسيان. وقالوا أيضاً: كتب السقاء إذا خرزه أي خاطه بسيرين، وكتب القربة إذا شدّها بالوكاء وهو الرباط الذي يربط فيه فمها، وقالوا: كتب الناقة إذا ظأرها أي عطفها على ولد غيرها فخرم منخرَيها وشدّها بشيء لئلا تشمّ البو (أنظر “لسان العرب” و”القاموس المحيط” في معنى: كتب) إلى غير ذلك مما يطول إذا استوعبناه- وكل هذا نفهم منه ما هو معنى الكتابة في أصل اللغة.

أضاف الرصافي:
إذا علمنا هذا ونظرنا في المعنى المراد من قضاء الله في الأزل (سيأتي الكلام عن القضاء) رأينا بينه وبين الكتاب تقارباً في المعنى وتشابهاً في القصد، فالكتاب يُجمَع ويُضبَط ويُحفـَظ، وكذلك القضاء الأزلي، فإنّّ الحادثات الكونية بأسرها مجموعة فيه مضبوط أمرها محفوظ من التخلف حدوثها، فلذلك: نعم استـُعمِل الكتاب في القرآن بمعنى قضاء الله في الأزل.

وقد أشرنا [والكلام لا يزال للرصافي] فيما مرّ إلى أن القرآن له اصطلاح خاص في استعمال الكلمات فقد يخرج في استعمالها بعض الخروج عن معانيها اللغوية المعروفة؛ ومن ذلك إطلاقه الكتاب على قضاء الله في الأزل، على أن الكتاب قد أطلق في اللغة أيضاً على الفرض والحكم وعلى القدر، كما هو مسطور في كتب اللغة، فبهذا قد علمنا ما هو اللوح المحفوظ، وها نحن نذكر لك بعض ما جاء في القرآن من استعمال الكتاب بمعنى قضاء الله في الأزل:

قال في سورة الحجر: 4 (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) فكتابها هنا أجَلـُها الذي سبق قضاء الله به في الأزل. وقال في سورة الأنعام: 38 (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء) ما تركنا وما أغفلنا شيئاً من الكائنات في قضائنا الأزلي الذي مشينا فيه بكل كائن يكون. وفي الأنعام أيضاً: 59 (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) أي في قضائه الأزلي فهو عالم بكل شيء، وكيف لا يعلمه وقد جرى به قضاؤه وقدره في الأزل. وفي سورة الإسراء: 58 ( وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً كان ذلك في الكتاب مسطوراً) أي مقضياً به في الأزل لا يتبدل ولا يتغير كأنه مسطور في كتاب. وفي سورة هود: 6 ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) أي كل ذلك مضبوط في قضائنا الأزلي. وفي سورة فاطر: 11 (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) أي قضاء قضاه وقدر قدره. وفي سورة الحديد: 22 (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) أي هي قضاء قضى به الله في الأزل من قبل حدوثها ووقوعها.
فالكتاب في هذه الآيات لا معنى له سوى قضاء الله في الأزل، وإنما سمّاه كتاباً لأن معنى الكتاب من أصل اللغة: الضبط والجمع، كما مر ّ آنفاً، والكائنات بأسرها مضبوطة في قضاء الله وإرادته، فهو أي قضاء الله بمنزلة الكتاب الذي كتبت فيه الألفاظ والحروف أي جُمِعت وضُبطت لكي لا تـُنسى ولا تضيع. أما وصفه هذا الكتاب بأنه محفوظ أو مكنون أي مصون فلأنه لا يقبل التبديل و التغيير، فهو منزّه من أن تناله يد بشيء من ذلك، لا كما يقولون من أنه محفوظ من وصول أيدي الشياطين إليه! فمن هذا تعلم أنه ليس عند الله لوح أو كتاب بالمعنى الذي تفهمه عامة الناس، وأنه ليس لهذا الكتاب كتبة يكتبونه ويستنسخونه، وهم السفرة البررة أي الملائكة- كما تقول الحشوية.

– تعليقي: يعرف الرصافي سلفاً بأنّ القرآن قد طرأ عليه التبديل والتغيير- والأدلّة كثيرة ومنها ما أ ُسقِط من القرآن عند جمعه واختلاف القراءات، كما علم الرصافي أيضاً أنّ القرآن لم يكن منزّهاً من أن تناله يد بشيء بقناعته بأنّ القرآن من تأليف محمّد بحسب ما أوحيَ إليه معنىً، بالإضافة إلى أقوال الصحابة والكفـّار ممّا جعل منها قرآناً يُقرَأ وغيرها ممّا ذكرت في حلقات سابقة. قلتُ: لا يقولنّ أحد أنّ القرآن كتاب في لوح محفوظ. المكتوب منه والملفوظ. قلْ وأيْمِ الله إنْ هذا إلّا ادّعاءٌ غليظ. إنّ الله منْ ضياع كلامه لحفيظ. وإنّ قول الحقّ لا يَغيظ.

وهنا حديث الرصافي عن القضاء والقدر:
فإنْ قلتَ: قد فهمْـنا هذا ولكنْ ماذا يراد بالقضاء الذي جعله محمد كتاباً مكتوباً فيه كل كائن يكون، وماذا يراد بالقدر؟ قلتُ: إنني كتبت رسالة في آراء أبي العلاء المعري في لزومياته، فتكلمت فيها عن الجبر وعن القضاء والقدر، وها أنا أنقل لك ههنا ما قلته لأنه كافٍ لأنْ يكون جواباً لسؤالك هذا:
إنّ كلّ حادث في الكون لا يكون إلا مسبّباً عن حادث آخر قبله، إذ لا يأتي شيء من العدم إلى الوجود، كما لا يذهب شيء من الوجود إلى العدم، فكلّ حادث لا يحدث إلا مسبّباً عن حادث آخر قبله يكون سبباً لحدوثه، وعندئذٍ يكون السبب هو الحادث الأول والمسبَّب هو الثاني. ويجوز أن يكون السبب خفياً غير ظاهر لنا فلا نراه ولا نعلم به، ولكن لا يجوز ولن يجوز أن يكون معدوماً لا موجوداً، بل هو ضروري الوجود لا بدّ منه، لأن بداهة العقل تحكم حكماً جازماً بأنه لا يكون مسبّب بلا سبب. ثم إن ذلك الحادث الأول الذي كان سبباً للثاني لا يكون أيضاً إلا مسبّباً عن حادث آخر قبله يكون سبباً له، وهكذا تمتد الأحداث في جهة الماضي متسلسلة إلى الأزل فيكون كل واحد منها حلقة من حلقات تلك السلسلة وتكون كل حلقة منها مسبّبة عمّا قبلها وسبباً لما بعدها، وهكذا حتى تصل السلسلة في الأزل إلى السبب القديم الأول الذي هو سبب الأسباب كلـّها وهو الله.
فبهذا قد حصلتْ لنا سلسلة من الحادثات ذات طرفين؛ أحدهما: هو الطرف الأخير عندنا، والآخر: وهو الطرف الأول في الأزل. أما الأزل (بفتحتين) فهو القِدَم، ويطلق في الماضي على ما يقابل الأبد في المستقبل، وهو مأخوذ من الأزل (بفتح فسكون) بمعنى الضيق، فجُعِل اسماً لما يضيق القلب عن تقرير بدايته، كما أن الأبد اسم لما ينفر القلب من تقدير نهايته مأخوذ من الأبود وهو النفور.

أتدري أيها القارئ الكريم ما هو القضاء والقدر؟ هما طرفا هذه السلسلة التي صوّرناها لك؛ فالطرف الذي في الأزل هو القضاء الصادر عن مسبب الأسباب وعلى العلل كلها، والطرف الذي عندنا هو القدر. قال علماء الكلام: إن تعلق الله بأمر من الأمور في الأزل هو القضاء، وإن إيجاد ذلك وإظهاره في الوجود على الوجه الذي أراده الله في الأزل هو القدر، فالسبب القديم الأول الذي ليس له ابتداء كما أنه ليس له انتهاء هو الله، وتعلق إرادته في الأزل هو القضاء الذي هو مسبّب الأسباب، والأقدار كلها مسبَّبَة (بفتح الباء) عنه بالتسلسل على الوجه الذي ذكرناه.

هذا ما نقوله في اللوح المحفوظ وفي الكتاب المكنون الوارد ذكرهما في القرآن؛ أما ما يقوله علماء التفسير ورواة الأحاديث فلا نطيل عليك فيه، وإنما نلخـّصه لك في أنه لوح، وأنه محفوظ من أن تصل إليه الشياطين، وأنه فوق السماء السابعة تحت العرش، وأن القرآن مكتوب فيه، وأنّ أحرف القرآن مكتوبة فيه كل حرف منها بقدر جبل قاف، وأن تحت كل منها معانيَ لا يحيط بها إلا الله، إلى غير ذلك من الأقوال التي ذكرها صاحب الإتقان (43:1) ولنذكر لك بعد هذا بعض ما قالوه في كيفية إنزال القرآن من اللوح المحفوظ تكملة لما ذكرناه: لقد تعددت أقوالهم في كيفية إنزال القرآن من اللوح المحفوظ، فقال الطيبي- كما في الإتقان- لعل نزول القرآن على النبي أن يتلقفه الملك من الله تلقـّفاً روحانياً، أو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به إلى الرسول فيلقيه عليه.

وكانت للرصافي الملاحظة التالية:
نرى الطيبي متردداً في أن يأخذه الملك من اللوح المحفوظ , وما أدري إلى أي دليل يستند في الوجهين اللذين تردّد فيهما، فإن كان الذي حمله على القول بأخذه من اللوح المحفوظ هو امتناع أخذه من الله ولو بطريق التلقف الروحاني كما قال، فلا بد أنّ أخذه من اللوح لا يكون إلّا بأمر من الله، فكيف تلقـّى الأمر من الله وبأيّ طريق أخذه؟ ويظهر من قول الطيبي هذا أنـّهُ ليس من القائلين بإنزال القرآن في أوّل الأمر جملة واحدة إلى السماء الدنيا، لأنه يقول: إن الملك يتلقفه من الله أو يحفظه من اللوح فينزل به إلى الرسول لا إلى السماء الدنيا!

وفي الإتقان قال القطب الرازي في حواشي الكشاف: الإنزال لغة بمعنى الإيواء، وبمعنى تحريك الشيء من علو إلى أسفل، وكلاهما لا يتحققان في الكلام، فهو مستعمل فيه بمعنى مجازيّ، فمن قال القرآن معنى قائم بذات الله فإنزاله أن يُوجـِد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى ويثبتها في اللوح المحفوظ، ومن قال القرآن هو الألفاظ فإنزاله مجرد إثباته في اللوح المحفوظ. وهذا المعنى مناسب لكونه منقولاً على المعنيين اللغويين. ويمكن أن يكون المراد بإنزاله إثباته في السماء الدنيا بعد الإثبات في اللوح المحفوظ، وهذا مناسب للمعنى الثاني- الإتقان 43:1

إنّ كلام القطب الرازي هذا لم يتجه بمعناه إلى قطب ثابت، بل هو يجري جريان الريح المتناوحة لا يعلم من أية جهة تهب وإلى أيّة جهة تتجه، فإنه على كلا القولين (قول إنّ القرآن هو المعنى، وقول إنه الألفاظ) قد جعل الإنزال بمعنى الإثبات في اللوح المحفوظ، إلّا أنـّه زاد في المعنى الأوّل إيجاد الكلمات والحروف وإثباتها في اللوح المحفوظ، وهذا لا يلائم كون القرآن معنى قائماً بذات الله، لأنّ الله إذا أوجد الكلمات والحروف وأثبتها في اللوح المحفوظ كان القرآن ألفاظاً لا معنى قائماً بذات الله. والصواب أن يكون الإنزال (على المعنى الأوّل) بمعنى الإلهام لا بمعنى الإثبات في اللوح المحفوظ، لأنّ مجرّد الإثبات في اللوح لا يتمّ به المراد، إذ لا شكّ أنّ المُراد من إنزال القرآن إيصاله إلى النبي ليبشـّر به ويُنذِر. وحينئذ تكون ألفاظ القرآن لمحمد ولا داعيَ إلى القول بأنّ الله أوجدها وأثبتها في اللوح المحفوظ كما يقول الرازي.
وأمّا قوله: ويمكن أن يكون المراد بإنزاله إثباته في السماء الدنيا… إلخ فلا يتمّ به المراد أيضاً، لأنّ القائلين بأنّ القرآن هو الألفاظ لا بدّ من وقوعهم في مشكلة الإنتقال من علوّ إلى أسفل، لأنّ الألفاظ أصوات تنتقل بواسطة الهواء من مكان إلى آخر، فكيف يكون على رأيهم الإنزال بمعنى مجرّد الإثبات سواء في اللوح المحفوظ أو في السماء الدنيا؟ نعم، إنّ إثبات الألفاظ في السماء الدنيا يتحقق به الإنتقال من علوّ إلى أسفل بحسب الظاهر، بأن تكون الألفاظ نـُسِختْ من اللوح المحفوظ وأ ُثبـِتتْ في السماء الدنيا، ولا معنى لإثباتها سوى كتابتها فيها، فيكون الإنزال بمعنى الكتابة، وإذا كان كذلك فماذا يقولون في إنزالها من السماء الدنيا إلى النبي محمد، أيكون إنزالها حينئذ بالإثبات أم بالتلفظ أم بماذا؟ فالصحيح أنّه لا محيد من جعل القرآن هو المعنى القائم بذات الله ووجه الإنزال بمعنى الإلهام.

ومنهم من قال إنّ القرآن هو اللفظ والمعنى وأنّ جبريل حفظه من اللوح المحفوظ ونزل به. فمن قولهم هذا يلزم أنّ جبريل لم يتلقّ القرآن من الله، إنما أخذه من اللوح المحفوظ فحفظه ونزل به، ويلزم أيضاً أنّ جبريل ألقاه على النبي بالتلاوة فسمِعه النبي وحفظه. وقد علمتَ ممّا ذكـَرْنا في صُوَر الوحي أنها ليست فيها صورة من هذا النوع.

ومنهم من قال إنّ جبريل ألقى إليه وأنه (أي جبريل) عبّر بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأنّ أهل السّماء يقرأونه باللغة العربية، ثمّ إنّه (أي جبريل) نزل به كذلك بعد ذلك، فهو الذي صاغ ألفاظه وسَبَك جُمَله وتراكيبه باللغة العربية، ولم يبق لمحمد فيه شيء. وإنّ جبريل على قولهم هذا لم يأخذ القرآن من اللوح المحفوظ كما قال غيرهم، بل تلقـّى معناه من الله رأساً، ثمّ نزل به إلى النبي، وعبّر له عن ذلك المعنى بألفاظ عربيّة من عنده.

ومنهم من قال، وعزا صاحب الإتقان هذا القول إلى البيهقي، إنّ معنى قوله (إنـّا أنزلناه) أي إنّا سمِعنا الملَك وأفهمناه إيّاه، وأنزلنا الملك بما سمع، فيكون الملك منتقلاً من علوّ إلى أسفل. فجبريل على هذا القول لم يتلقّ المعنى وحده عن الله، بل تلقـّى الألفاظ أيضاً فسمعها وأ ُفهـِم معناها، ثم نزل بما سمع وما فهم إلى النبي. فالقرآن معناه وألفاظه من الله، إلى غير ذلك من الأقوال التي هي أقلّ من أنْ نطيل عليك الكلام في إيرادها.

وهنا يستطرد الرصافي متسائلاً:
إنّ هؤلاء يتكلمون بما عنّ لهم وخطر على قلوبهم من دون أن يستندوا في ما قالوه إلى عقل أو نقل، وإلّا فإنْ كان المقصود من هذه الأقاويل كلّها هو توجيه إنزال القرآن على وجه يقبله العقل الصحيح ويستسيغه الذوق السليم، فلماذا لا يقولون بأنّ الإنزال استـُعمِل مجازاً بمعنى الإلهام، وأنّ القرآن هو المعنى القائم بذات الله، خصوصاً بعدما صرّح القرآن بما يتضمّن كون الإنزال بمعنى الإلهام من قوله في سورة الشعراء: 193-194 (نزل به الروح الأمين * على قلبك) ولمْ يقلْ: على سَمْعِك.

ومن الغريب أنـّهم قالوا بأنّ اللوح المحفوظ قد كـُتِب فيه كلّ كائن يكون، ولكنهم مع قولهم هذا جعلوا من فضل القرآن ومن شرفه أنه مكتوب في اللوح المحفوظ. وما أدري أيّ فضل للقرآن في كونه مكتوباً في اللوح المحفوظ، وقد كـُتِب فيه كلّ كائن يكون حتـّى الحمير ونهيقها. فسُبحان واهب العقول ومُعميها.
* تنويه من الرصافي: إعتمد المؤلّف في هذا الفصل على كتاب “الإتقان في علوم القرآن” ج 1 ص 39-44

– تعليقي أخيراً: إنّ تخبّط الفقهاء في معاني الإنزال يصطدم بقوة مع مفهوم البلاغة في القرآن.

———————

في الحلقة 14: هل القرآن مُعْجـِز؟
_____________________

من ويكيبيديا: لَبيد بن ربيعة العامِري (ت 41 هـ/ 661 م) أحد الشعراء في الجاهلية، من أهل عالية نجد، مدح بعض ملوك الغساسنة ومنهم عمرو بن جبلة وجبلة بن الحارث. أدرك الإسلام ووفد على محمد مسلماً، لذا عُدّ من الصحابة ولكنْ من المؤلـّفة قلوبهم! ترك الشعر، لم يقل في الإسلام إلّا بيتاً واحداً. سكن الكوفة وعاش عمراً طويلاً ما زاد على مِائة سنة.

Posted in الأدب والفن, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

تأليف القرآن- الكشف الوافي بقلم معروف الرصافي- الحلقة 12

 رياض الحبيّب

تناولت في الحلقة الحادية عشرة من هذا البحث تساؤل الرصافي المشروع: هل القرآن مُنزل من السماء؟
وتوصلنا- الرصافي وأنا- إلى أنّ قصّة جبريل وهميّة إنها من خيال محمد الذي كانت له القدرة المميّزة على التصوّر وتجسيد الخيال لدرجة جعله حقيقة ناطقة ومسموعة! وقلت في نهاية الحلقة: فلا نزل جبريل ولا صعد وليس له اتجاه فلا أتى صوب الأرض من جهة الزّهَرَة ولا من جهة المرّيخ! ووعدت القرّاء الكرام بكتابة المزيد عن النزول والإنزال والتنزيل في حلقة قادمة وهي هذه الحلقة.
أمّا نهاية هذه السلسلة من البحث فتشتمل على دحض إعجاز البلاغة في القرآن وتفنيده بأدلّة من القرآن ذاته لا من سواه، بمساعدة كتاب الرصافي “الشخصية المحمّديّة” لكني آثرت تناول بعض تساؤلات الرصافي المشروعة حول مفاهيم الإنزال واللوح المحفوظ والقضاء والقدر وأخيراً ما يسمّى بالإعجاز في القرآن، ما قبل البدء بتناول موضوع البلاغة، بسبب تعلق التساؤلات المذكورة بالبلاغة ما يساعدني بالدخول إلى قضيّة البلاغة في القرآن من أوسع باب ممكن.

يستطرد الرصافي في ص 877 من كتابه أو ص 586-587 عبر صفحات pdf على الإنترنت حول موضوع الإنزال بالقول:
{فإن قلتَ: إن كان القرآن قد استعمل الإنزال في عباراته استعمالاً مجازيّاً فما تقول في قوله (وأنزلـْنا من السّماء ماءً طهورا- الفرقان: 48) فقد استعمل الإنزال هنا على وجه الحقيقة لا المجاز لأنّ إنزال الماء من السماء حقيقة؛ قلتُ أوّلاً: إنّ استعمال البليغ كلمة على وجه المجاز في موضع من كلامه لا يحظر عليه استعمالها على وجه الحقيقة في موضع آخر، وقد قيل: لكل مقام مقال، ثانياً: قالوا أنّ السماء في اللغة هو كلّ ما علاك فأظلّك، فسقف البيت سماء والسحاب سماء، لكننا في بحثنا هذا لا نريد بالسماء هذا المعنى العام، إنما نريد بها ما سوى الأرض من الأفلاك العلوية. والسحاب وإنْ سُمّيَ سماءً ليس من هذه السماوات. فالماء ليس بنازل من السماء بل هو نازل من السحاب المتكوّن من بخار الهواء الصاعد من الأرض في الهواء، كما قال في سورة النبأ: 14 (وأنزَلْنا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثـَجَّاجًا) ولم يقل: من السماء! والْمُعْصِرَاتُ هي السحاب التي حان لها أن تعصرها الرياح وتدرّها بالمطر، فإنّ الريح هي التي تدرّ السحاب كما تقرر في علم الطبيعة… [إلى أن يقول الرصافي] فمياه الأمطار ليست بنازلة من السماء التي نزل منها القرآن، بل هي تنزل من السحاب الذي هو في الأرض لأن الكرة الهوائية جزء من الأرض. غاية ما هنالك انها تنزل من مكان إلى آخر في الأرض، بعبارة أخرى إنها تنتقل من مكان عال في الأرض إلى مكان سافل فيه.
ومن غرائب الأقوال الدالة على غفلة قائلها ما قاله بعض علماء الإسلام من أنّ مياه الأمطار تنزل أولاً من السماء إلى السحاب، ثم يُلقيها السحابُ مطراً على الأرض- كما ذكره الزمخشري في كتابه “الكشاف” عند الكلام على تفسير المُعصِرات- فسُبحان واهب العقول ومُعميها} انتهى

تعليقي:
لقد دافع الرصافي- رحمة الله عليه- فيما تقدم عن رأيه بأنّ «القرآن عبارة عن المعاني دون الألفاظ، وأنّ الإنزال معناه الإلهام، وإنما عبّر بالإنزال مجازاً لتعظيم المُنزل أي المُلهم» ثمّ دعم رأيه بما هو مذكور في كتاب “الإتقان في علوم القرآن” لمؤلّفه جلال الدين السيوطي حول كيفية الإنزال- وهو ما سأذكر بعد قليل. وانتهى الرصافي في نهاية كلامه إلى خلاصة أفادت بأنّ الصحيح الذي يوافق القرآن ويساير المعقول وينطبق على الواقع- بحسب رأيه في ص 592 من كتابه الموسوم- هو أنّ «القرآن كان ابتداء نزوله في ليلة القدر على الوجه الذي تقدم بيانه في بدء الوحي والخلوة في حِراء ثم استمرّ ينزل متفرّقاً في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين على حسب الخلاف في مدة إقامة النبي بمكة بعد البعثة» علماً أنّي في الحلقة السابقة (أي الحادية عشرة) قد كتبت قصة بدء الوحي والخلوة في حراء باختصار.

لكنّ رأي الرصافي يُفنـّد قيام جبريل بأيّ دَور في الرسالة المحمّدية إذ يصطدم بقوّة مع قول القرآن في سورة الشعراء: 193 بما في تفسير الجلالين {“نَزَلَ بهِ الرُّوح الْأَمِين” أي جبْريل} وفي تفسير الطبري {إن الروح الأمين هو الذي نزل بالقرآن على محمد، وهو جبريل} وتفسير القرطبي {إن القرآن لتنزيل ربّ العالمين نزل به جبريلُ إليك؛ كما قال تعالى “قل من كان عدوّاً لجبريل فإنه نزّله على قلبك”- البقرة: 97 أي يتلوه عليك فيَعـِيْهِ قلبُك. وقيل: ليثبت قلبك} لأنّ الرصافي لا يؤمن أساساً بخرافة نزول جبريل وطلوعه، لأنّ الأرض جزء من السماء عينها وأنّ الله مالئ الكون وغير محدّد بمكان ما.
في وقت استغرب الرصافي من علماء الإسلام الذين زعموا أنّ “جبريل علّم محمداً قراءة القرآن” وأنّ “القرآن هو المعاني والألفاظ معاً” وهنا كلام الرصافي في ص 587-588:

{يؤيد قولنا هذا ما ذكره صاحب الإتقان في كيفية الإنزال. قال: قال الأصفهاني في أوائل تفسيره: اتفق أهل السّـنـّة والجماعة على أن كلام الله مُنزل واختلفوا في معنى الإنزال؛ فمنهم من قال: إنه إظهار القراءة، ومنهم من قال: إنّ الله ألهم كلامَه جبريلَ وهو (أي جبريل) في السماء في عالٍ من المكان، وعلّمه قراءته ثمّ أنّ جبريل أدّاه في الأرض وهو يهبط في المكان- الإتقان ج1 ص 43- ولنقف عند هذا الكلام قليلاً لننظر فيه فنقول: لا ريب أنّ الفريق الأول القائلين بأنّ معنى الإنزال إظهار القراءة هم من القائلين بأنّ القرآن هو المعاني والألفاظ معاً، ولذا أرادوا أن يجعلوا الإنزال بمعنى يشمل الألفاظ أيضاً فقالوا هو إظهار القراءة، فيكون معنى قولنا إنّ الله أنزل القرآن أنه أظهر للناس قراءته. وعلى قولهم هذا قد انتفى من الإنزال معنى الهبوط من علو إلى أسفل. وهذا هو الذي أرادوا أن يتخلّصوا منه بجعلهم الإنزال بمعنى إظهار القراءة. ولكنّ الأرجح الذي تطمئنّ إليه النفس ويقبله العقل الرجيح ويستسيغه العقل السليم هو ما ذهب إليه غيرهم من أنّ القرآن هو المعاني دون الألفاظ، وعندئذ يكون الإنزال بمعنى الإلهام [أي رأي الرصافي الذي ذكرت في تعليقي] وأمّا أهل القول الثاني فهؤلاء أيضاً من القائلين بأنّ القرآن هو المعاني والألفاظ معاً، وقد أرادوا أن يحققوا في الإنزال معنى الهبوط من علو إلى سفل. فماذا يصنعون والله تعالى مُنزّه عن المكان، وكيف يهبط كلامه من علو إلى سفل وهو منزه عن الجهات. فتخلّصاً من هذا جاءوا بجبريل ليجعلوه واسطة لانتقال كلام الله من علو إلى سفل، لأنّ جبريل كسائر خلق الله ينتقل من مكان إلى مكان، فقالوا «إنّ الله ألهم كلامه جبريل وهو (أي جبريل) في السماء من عالٍ من المكان» ولم يكتفوا بالإلهام لأنه لا يشمل الألفاظ فقالوا «ثمّ جبريل أدّاه في الأرض وهو يهبط في المكان» فلله درّهم ما أذكاهم وما أقدرهم على تصوير المحال!

وتعليقي مرّة أخرى:
إنّ من معاني البلاغة هو وضوح المعنى بأبسط ما يكون من كلمات ملفوظة أو منطوقة أو مكتوبة ولا سيّما في كتاب يوصف كلامه بأنه كلام الله؛ من هذا المُنطلق لو كان في القرآن بلاغة حقيقية لما اختلف فقهاءُ المسلمين وعلماؤهم على معاني القرآن. فمثالاً لا حصراً يستطيع ربّ الأرزاق {الذي دينيّاً لا رازق سواه} أن يقول: ورزقـْناهُمُ المَنّ والسّلوى كُلُوا مِنْ طيّبَاتِ ما رزَقناكُم- وهذا ما اقترح الرصافي على مؤلّف القرآن- بدلاً من قوله في الأعراف: 160 (وَأَنزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقنَاكُمْ) بدون أن يُنتـَقـَصَ من تعظيم الخالق شيء، هذا لكي يميّز بين معاني الإنزال الذي ورد في آيات قرآنيّة عدّة. ومن جهة أخرى، لو كان القرآن كلام الله- كما يزعمون- فهل تستعصي على الإله الحقيقي كلمات يفرّق بها القارئ ما بين المعنى الحرفي والمعنى المجازي؟
لكنّ في القرآن اعترافاً خطيرا- هو ما ورد في سورة النساء: 82
(أفلا يتدبّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا)
أفلا يدلّ الإختلاف الكثير الموجود في القرآن، حرفيّاً ومجازيّاً، ناسخاً ومنسوخاً، على أنّ القرآن من عند غير الله؟
– أمّا الجواب فمتروك للقرّاء الكرام.

———————

قريباً جدّاً: رأي الرصافي باللوح المحفوظ – مع تعليقي

Posted in الأدب والفن, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

الإسلام هو الحل يحلل الإزدواجية

الإسلام هو الحل يحلل الإزدواجية

طلال عبدالله الخوري 9\9\2012

Posted in ربيع سوريا, كاريكاتور | Leave a comment

ثوب العرس

هناء شني

لقد طرزت ثوب زفافها من ريش بجعة عاشقة ..وهبت لحمها العاري لبحيرة ملتهبة بالنجوم وسكون الليل..
تلاش الف عام ..الثوب مصلوب في هوّة الانتظار.. والعرس مصاب بالشلل
تأوهات زمن بائس ..
النهارات,,الليالي تبرد ،،والثوب أصبح في خبر كان
أنوثة تنزف ريعان صباها ..رويدا رويدا
رجعت الى البحيرة رأتها غارقة في صمت قدسّي ..أستلقت قربها ونامت..

Posted in الأدب والفن | Leave a comment