صدمني خبر وفاة الصديق العزيز القديم الحامل الأول لارث نجيب محفوظ الرواية العربية، فلم يخطر من قبل –قط- على بالي أنه سيسبقنا إلى الرحيل، فقد توارب عن الزمان من خلال الإيغال في طبقات المكان فتلاشى في الضوء، حتى أنه في كل لحظة مصرية مهما كانت راهنة وعابرة، يحضر بسلاسة هائلة كل أجداده النوبيين من الفراعين المؤبدين في الزمان والمكان وكأنهم تعويذته أو تعويذة مصر للخلود …
لقدا اكتشف نواة العالم من خلال الحفر وراء تجليات (الذات في الذات ) على طريقة مولانا جلال الدين الرومي، الذي يرى سدرة المتتهى في لحظة تأمله التي لا تتوقف عن البحث في الأعماق ، أعماق الذات والأنا …
الروائي العربي الأول جمال الغيطاني بعد استاذه وأستاذ الرواية العربية نجيب محفوظ ، كان يفترق عنه في خط مدرسة اللهب التي تشتعل في أعماق الذات بحثا عن النور والأنوار والتنوير، لأنه لا قيمة للنور والأنوار إذا لم تنبعث من الداخل …حيث عبر هذا الخط تتم عملية ( تنظيم فوضى الكلمات والأشياء)، وذلك بالتوازي والتقاطع مع مدرسة (البلور) المحفوظية ذات الانتظام الذاتي وفق تعبير ايتالو كالفينو …
كتبت أول دراسة سورية عن جمال الغيطاني (الزيني بركات ) سنة 1976، ونشرت في الملحق الثقافي الذي كان يشرف عليه الشاعر محمد عمران، فنشره على صفحتين من القطع الكبير (الثانية والثالثة ) التي يحتفظ بها لأصدقائه الكبار، وكان النشر حينها في الملحق شهادة عليا في الدخول إلى نادي الثقافة والأدب والنقد الأدبي …فعرفت من حينها وبشكل سريع عبر الملحق بالناقد المتخصص بالغيطاني …ولم يكن الأمر كذلك، بل كانت رواية الزيني بركات مفاجأة للقاريء السوري والعربي في مساق سيرورة الرواية العربية ..
كتبت عن قصته (ذكر ما جرى ) في سنة 1980 التي عبر من خلالها عن سياسة الانفتاح التي ستقود وفق رؤيته الفنية المعرفية –السياسية – إلى بيع مياه النيل بالقناني…وذلك بمجلة (اليسار العربي ) التي كان يشرف عليها أنبل وأعمق شخصيتين يساريتين عربيتين عرفهما اليسار العربي سياسيا وفكريا، وهما الأستاذان الجليلان ( محمود أمين العالم وميشيل كامل )، وقد تم تعارفي مع الراحل العزيز برعايتهما في مقر اسبوعية (اليسار العربي) …
وفي هذه السنة كنت طالب دراسات عليا في باريس التي جاءها الغيطاني زائرا، ففوجئت باتصاله حيث تم لقاؤنا برعاية أستاذينا الكبيرين الشيخين (العالم وكامل ) وهما شيخان جليلان وفق مصطلحات التصوف الذي بدأ الغيطاني من حينها الدخول في غمامه الكريم، لتبدأ رحلة تجلياته الروحية وهو يصافح المطلق مشتعلا شوقا لمعانقته التي حققها اليوم وغادرنا إلى أحضان جدنا وشيخنا العظيم أيوحيان التوحيد و(إشاراته الإلهية) ليلتقي الغربا، بعد أن نشرت في ملحقه (أخبار الأدب ) جزءا من كتابي عن أبي حيان ..حيث التقيت جمال رحمه الله بندوة التوحيدي في القاهرة ….
بدأ سوء الفهم والتفاهم بيني وبين أخي الراحل الغيطاني، بعد عتابي له على قبول دعوات عصابة الطاغوت الأسدي المتوحش لمهرجانه الثقافي الطائفي في اللاذقية باسم (مهرجان المحبة ) قبل أن يغرق اليوم بدم الشعب السوري، حيث كان الغيطاني يدعى سنويا لهذا المهرجان …
فرد على عتابي بطريقة مجازية هي من (تجلياته ) بأن نشر محاضرتي في منتدى (الأتاسي) “ثقافة الخوف” التي كان لها صدى حيث نشرت في عدد من الصحف العربية ( الحيان والنهار)، وذلك في المساحة المخصصة له كرئيس للتحرير في اسبوعية ( أخبار الأدب)، وكأنه يقول: نحن شركاء وموحدون وصوت واحد في حلم الحرية لسوريا ومصر …
لكن سوء التفاهم مع الراحل الغيطاني كان يؤثر سلبيا على علاقتنا به، ومع المثقفين المصريين الذين يعتقدون وهما آن آل الأسد وطنيون حتى سلموا سوريا إلى روسيا وإيران!!!!، وأنهم علمانيون حتى لم يتركوا أفقا لمستقبل سوريا سوى التقسيم بسبب زراعتهم لألغام الطائفية في نسيج سوريا الوطني …وأن علمانيتهم الظاهرة ليست سوى طائفية بدائية وثنية حسية غريزية تغلف بالحداثة العلمانية التي غطوا بها كل بربريتهم ووحشيتهم وهمجيتهم في ذبح الأطفال وهتك بكارة العذارى انتقاما وثأرا من شعبهم الذي تمرد وانتفض مطالبا بحريته …..
لكن ما طمأنني على نبل ونزاهة وصدق ايمان الغيطاني بالتجلي الصوفي الالهي للحرية، رفض فقيدنا لكلا (الدولتين الشموليتين الدينية والعسكرية، إذ أن ينأى بنفسه وعبقريته الأدبية والفكرية والروحية والوجدانية عن الدخول في استقطاباتها الشمولية الشعبوية العنفية …وذلك عندما سمعته يعلن انحيازه للدستور المدني من خلال تأييده للدكتور محمد البرادعي مع نخبة المثقفين المصريين وحركات الشباب، حيث يعتبره تجليا لسعد زغلول في الثورة المصرية التي لم تنته ولن تنتهي وهي في فلك معراجها المقدس نحو الحرية …
.
.تعازي القلبية لزوجتك (ماجدة ) ولعائلتك، ولأصدقائك ولمصر القادرة على انجاب أمثالك، وكذلك العزاء للعرب الذين أثريت لغتهم بتجلياتك اللامتناهية لأساليب الكلام، لتكشف عن عبقرية هذه اللغة بعبقريتك … خسرناك ….!!! لكن قد يكون الأمر تجليا من تجلياتك السالكة نحو الأعلى، حيث سنلتقي بأن تأتي إلينا أم نذهب إليك إلى مجالس مولانا المثنوي أو شيخنا التوحيدي الذين سيفرحون بعروجك إلى مقامهم وبحضرتك وبهائك بوصفك ابنا مشرقا لهما ….
وسنسميه ( مجلس طوبى للغرباء … ) كما كنت تناشد جدك التوحيدي !!!!!!!