سياف الزهور- يوميات قطيع

 1

عندما كنت فتياً جواباً، وأنام وقدماي في الشارع، وحقيبتي أو بالأحرى “صرتي” جاهزة قرب رأسي أو على رأسي، لم أتلق دعوة إلا لتسديد فواتير الماء والكهرباء أو إلى أقرب مخفر للشرطة للادلاء بشهادة حول سرقة دجاجة أو اختفاء خروف. وكانت مثل هذه الأحداث تقيم الدنيا وتقعدها في الحارة التي تقع فيها، بينما الآن فإن اختفاء حارة بكاملها لا يعني أحداً.

والآن بعد أن أصبحت مثل أحدب نوتردام، وعكازي يرن على أرصفة آسيا كلها، أخذت الدعوات تنهال عليّ من كل حدب وصوب للمشاركة أو المساهمة في مهرجانات وندوات واحتفالات في بلدان لم اسمع بها من قبل حتى في كتب التاريخ والجغرافيا. ومع أنني لم أحضر في حياتي كلها اجتماعاً أو ندوة من هذا النوع إلا نائماً أو متثائباً، إلا أن الاغراءات هذه المرة كانت كثيرة: طائرات حديثة، خدمة ممتازة، فنادق من الدرجة الأولى. زيارة متاحف ومعارض وحفلات موسيقية ومطاعم شهيرة أكل فيها فلان وفلان، ومقابر ملكية دفن فيها فلان وفلان. وجسور خالدة سار عليها فلان ونام تحتها فلان.

ولكن، وفي ذروة القصف الاميركي والأطلسي عل يوغسلافيا وغيرها من دول البلقان، وعندما عمّت المظاهرات والاحتجاجات المدن الأوربية، وغصت حدودها ومطاراتها وموانئها باللاجئين والمشوهين والهاربين والمتطوعين، حزمت أمري، واعتمدت على الله وعلى جاري على سلم الطائرة متجهاً إلى فيينا، معقل الفن والجمال والاحتجاج ضد كل مظاهر العنف والظلم في العالم، ممنياً النفس بالاشتراك بمظاهرة، بمسيرة، بأي شيء ضد هذا القصف الأعمى لأكثر بلدان العالم جمالاً وصبراً وكرامة.

ولكن ما أن ربطنا الأحزمة وفككناها أكثر من مرة، فوجئت بما لم يكن بالحسبان، وهو أن التدخين ممنوع في الطائرات والمطارات والفنادق والمتاحف والمطاعم والمعارض وفي كل مكان حتى المقابر… حفاظاً على البيئة، فحيث أشعل لفافتي ترن الأجراس الالكترونية، وتعمل الكاميرات الخفية، وتضاء وتنطفئ الأنوار الحمراء والخضراء ويهرع موظفو الفندق، أو ندل المقاهي ورجال الأمن وحتى المواطنون العاديون مزمجرين مستنكرين وأنا لا أعرف كيف أتصرف وبماذا أجيب، فدائماً أنسى جواز سفري في مكان ما، ولا أعرف اسم الفندق الذي أنزل فيه أو عنوانه. وليست معي أوراق تثبت شخصيتي، ولا أعرف لغة ، وفوق ذلك عربي ومن دول المواجهة!!

البيئة.. البيئة .. البيئة…

ملايين الأطنان من القنابل الانشطارية، والعنقودية والمسمارية، والفوسفورية والحرارية والجرثومية والبيولوجية والسرطانية. وقنابل النابالم وغاز الأعصاب، والبرص والرعاف والنكاف والعامل البرتقالي تغطي سماء يوغسلافيا والبلقان والعراق وما حولها، وفوقها “روث” الطيارين الأميركيين على مدار الساعة في كل أجواء الدنيا، لا تلوث البيئة بل تحميها!! ولفافتي شبه المختفية بين أصابعي الهزيلة المرتجفة هي التي تلوثها!!

***

والذي ضاعف من غضبي أكثر من أي شيء آخر، واصراري على العودة بأية طريقة وعلى أي خط. هو أن المظاهرة الوحيدة التي أتيح لي الاشتراك فيها، وهتفت ودبكت ولوحت بعكازي في مقدمتها أكثر من ساعتين، كانت تأييداً للغارات الأميركية على يوغسلافيا، لا ضدها!!

2

كسوف جزئي، كسوف أعظمي. كسوف كلي…

مخروط الظل، المخروط الحسكي. الخاتم الماسي

الأشعة السينية، الأشعة تحت الحمراء. الأشعة فوق البنفسجية، الساعات الضوئية.

تلسكوبات عملاقة. كاميرات فردية وجماعية، عدسات لاقطة، عدسات نابذة، وإرشادات طبية، وتحليلات علمية، وبراهين دينية.

وعطل رسمية، ومنع تجول، وإغلاق نوافذ، واسدال ستائر، ومكبرات صوت، وتحذيرات متواصلة من مغبة النظر إلى الشمس مباشرة ساعة الكسوف.

وأغلقت نافذتي، وأسدلت الستائر في التوقيت العالمي إياه، لا خوفاً من العواقب الصحية، أو انصياعاً للأوامر الحكومية واحتراماً للإرشادات العلمية والمدارية، أو استخفافاً بالفضول العالمي، وبرغبة المغامرين ومتسلقي الجبال في رؤية نجمة أو نجمتين من المجموعة الشمسية في عز النهار. بل لأنني ومنذ الخمسينات رأيت على يد الفلكي العربي الكبير عبد الحميد السراج نجوم المجموعة الشمسية كاملة في وضح النهار، وعلى رأسها نجمة داوود التي ما زالت تسطع وتتقدم حتى الآن دون كسوف أو خسوف.

ثم لأنني في الأصل ، ومنذ عام 1967 لم أنظر إلى الأفق مرة واحدة لا مباشرة ولا مداورة.

3

– الشجرة قصيرة … ولكن الظل طويل…

– إنه الغروب…

About محمد الماغوط

محمد أحمد عيسى الماغوط (1934- 3 أبريل 2006) شاعر وأديب سوري، ولد في سلمية بمحافظة حماة عام 1934. تلقى تعليمه في سلمية ودمشق وكان فقره سبباً في تركه المدرسة في سن مبكرة، كانت سلمية ودمشق وبيروت المحطات الأساسية في حياة الماغوط وإبداعه، وعمل في الصحافة حيث كان من المؤسسين لجريدة تشرين كما عمل الماغوط رئيساً لتحرير مجلة الشرطة، احترف الفن السياسي وألف العديد من المسرحيات الناقدة التي لعبت دوراً كبيراً في تطوير المسرح السياسي في الوطن العربي، كما كتب الرواية والشعر وامتاز في القصيدة النثرية وله دواوين عديدة. توفي في دمشق في 3 أبريل 2006.
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.