الصندوق الأسود

“آه يا أبي أين أنتَ؟؛ فأنا بحاجةٍ لضمّةٍ منك تُعيد الحياة لأوصالي”. وعادت الذّاكرة به إلى ذات أصيلٍ كان عائدًا من اللعب مع أترابه، والدّمع يسيل على خدّيه بعد أن نعته ابن الجيران بِ “ضيعجي”.
غصّةً لمْ ولنْ تُبارح كلَّ كيانه الغضّ وكبُرت معه في هذه الهجرة مثل جرحٍ لا يندمل، مع كلّ التّهدئة والتّربيت على الظّهر من قبل الأم، وإلى الآن تتوقف هذه الكلمة كلقمةٍ عسيرةٍ عند فوهة البلعوم .
قال لها: “ليش أبي إجا ع هاي الدّيرة، وليش ما راح لعند خوالي بحمص أو لعند أخوه بطرطوس؟”.
قالت له يمّا:” أبوك لمن إجا لهون، غصب عنو كان مورضيان يتزحزح من دارو لكن الأرض معد تنحمل وخصوصاً بعد طرده وتوقفه عن العمل وانكشاف علاقته الوطيدة مع الحلم الجديد قبل أن تستقر الأمور وتنحسم الكفة لصالح من، اضطر الذهاب إلى العاصمة. لهيك عاد، قلي يوماها أبوك وين نروح على مدينة ما فيها غيركم شبر أرض وصارت محافظة وبعيدة عن مستقبلنا، ولا نروح لعند هدوك الي لسانهم يقطر منه عسلاً وأرضهم عاصمة البلد وفيها شغل كتير، ولك يا مريم ياهبّلة ولك مالنا غير الشام نعيش فيها مع الأولاد يدرسوا بجامعاتها و ما حدى راح ينفعنا غيرها، ولك هاي شامة العرب وركب راسه”.

صباحٌ آخرٌ وفنجانُ قهوةٍ، ومرآةٌ ينظر إليها و تُقلّب به المواجع في تضاعيفها وبطانة الأيّام. شرع يحدّث نفسه:” كبرتُ كثيراً وها هي الخطوط ترسم في وجهي لوحةً من كلماتٍ متقاطعةٍ”.

أصغى إلى صوت الخطى خارجًا، وقع أقدامٍ وأحيانًا هرولة هرع ليستطلع الأمر، كما في كلِّ يومٍ صوتُ أطفالِ المدارس وهم ذاهبون، أصواتهم تعلو ضحكاتهم ، وبراءتهم كلّ ذاك أثار في نفسه فضول .
سمع صوت رنين الجرس وانقطاع وقع الأقدام وصمتٌ يلقي بثقله على المكان وشرع فنجان القهوة يبرد أمامه، لكن لا أحد خلف الباب أقفل عائداً لمكانه. كان ثمّة طفلةٌ تركض أثارت فضوله، فالطفلة تخبّئ تحت سترتها دفتراً ويبدو أنّه كبير الحجم. لا إنّه ليس دفتر كتابة تحدّث إلى نفسه بل دفتر رسم ولكن علامَ لا تضعه في الحقيبة، و إنّما تخفيه تحت الثياب، إذاً مما تخاف عليه ولما تخصّه بالتخفّي بالقرب من جسدها الطّري، بدأت السماء تمطر هرولت تلك الطفلة الحالمة وغابت عن ناظريه.

ولكن أثارت في نفسه شجون الطفولة أحلامها وهفواتها التي تغتفر. ودفتر رسمٍ في يومٍ ما كان يجمع كل أحلامه التي أنهكتها السّنون، هي في داخل كلّ منّا ولو تخطى به العمر، بل هو على قناعةٍ مكينةٍ أنّ كلَّ شخصٍ لديه حُجرةً داخليةً ولن يستطع أيُّ كائنٍ اختراقها وينضدّد فيها ما هبّ ودبّ من أشياءٍ وتُعتبر بمثابة الصندوقِ الأسود كما هي الحال في الطائرات على حد زعم صديقه .

البون شاسعٌ زمانياً ومكانياً، الآن بينه وبين والده مع هذا يستحق السّيد الوالد وقفةً مطوّلةً وقد شغلته وتشغله، وقد لا ينتهي منها إلا حين يأذن الخالق بذلك. أمّا وها هي الخيبات وكأنّها تتوالى أمامه وهو قابعٌ يراوح في هجرته يرنو إلى ضوءٍ وحيدٍ يشير إليه بالأمل ويواسي ذاته قائلاً : “لابدّ أن يلوح الفجر”.

فذات مسافة بينه وبين الوطن، نشأتْ وعرّشتْ على تخوم الوجدان وما برح ظلاً لوطن يناشده الحضور ويوغل في المسافة، لكأنّ العودَ يرتسم دوائر ومساراتٍ تشي بانغماس الكائن في لعبة الممكن وانغلاقه.

وفي صحن الخسارة وفيض فاجعته، وتراجع حظوظ الحلم في تحققه، نهض مرتجفاً كما لو أنّ عقرباً لسعه، فقد فاجأه صوت المؤذن في صلاة الفجر، ظنَّ أولاً أنّه الحلم المفزع كاد يتحقق:
الحلم الغبيُّ الذي يأتيه دوماً، آخر الليل ” تدخل امرأةٌ، عاريةٌ، وبيدها مشرطاً جراحيٍّ رهيفٍ، تميل بهدوءٍ نحوه، وهو عاجزٌ عن الحركة تماماً، تسّحب لسانه، فتفصله بالمشرط، ثم تلقيه في سلّة القمامة .

ومع موشور الغبار وكثافته، لن ينسى عندما عبرَ شوارع المدينة التي تكدّس فيها الوجع، موشّى بوحل العار والخزي، كان وما يزال وطنه وأوطاناً عربيّة أخرى تنبض تحت مظلّة اللامبالاة، والجنون الدّمويِّ لدورة القهر والاذ ل وابتهاجات الجنس البشري الذي دُوهم ، عايش التجربة أكثر من مرّةٍ وفي أكثر من رقعةٍ، أيّ نعم في المرّات السّابقة كان يقبع وراء تهجيره أراء أبيه ومواقفه، لفظوه بحنقٍ أمّا الآن ماذا يقول وهو يشعر أنّه بات مثله مثل الكثيرين أقلّ دهاءً وخبرةً بلا موقف واضح وأطراف الأزمة لا تستسيغ مواقفه.

ودوماً هي… هي، احتفالاتٌ بأعراسٍ يوميّةٍ وطقوسٍ من فقرٍ مدقعٍ، طلقاتٌ مدوّيةٌ احتفاءً بموت الفرح، فقُرب عتبات الخلاص كان يستلقي على الحاضر مثل أغصان جيله بين صفوف الخوف والفقد، بلى المستقبل لا يُرى وهجيجه لا يُسمع، مستقبلٌ غريبٌ جرفته السّيول، يغصُّ بالنّفايات وجثث المرارة، كانت تحته الأرض تهزأ وفوقها عشبٌ يتلوى، وفسحة السّماء موشّاة بلونٍ كامدٍ وزحيّرٍ لا يتوقف .

رويداً، رويداً خفّت وطأة الاختناق وغاب الوجه الكئيب الذي حولته زخّات المطر إلى وجهِ وحشٍ بدائيٍّ معتوهٍ. ومن السماء كان هطول الخراب متواصلاً، رذاذٌ لا مرئيٌّ يعوم في الفضاء هابطاً كسيلٍ متدفقٍ على الأرض .أمّا الآن تعدو أنفاسه المتلاحقة بخطواتٍ راجلةٍ تسير خشوعاً بين سرادق الفقر والعوز، خيامٌ كأنّها غصونٌ ترتجف خوفاً من قدوم زائرٍ بأحمالِ الوجع، ثمّة أشياء تُلقي صدىً على الروح وتفيض أدراناً متراكمةً على صدرٍ ضاقتْ خطاياه، كم هي الدّروبُ سالكةً إلى منافذِ التّيه، مع أنّ نوافذَ الخشوعِ فارهةٌ، قدم تحكي وأخرى تبكي وما بينهما ذنوبٌ تتساقط على رصيف العبور، ونفسُ متفجعٍ ممتدٍ حتى تلك المتاهة في العبور، وصوت هشيمِ العظام بين أقدام العُسف.

قال في قرارة نفسه:” أيُّ دمعةٍ تحملني لأحمل جسدي بروحٍ راحلةٍ بين ذرات التراب، صوتٌ يدفعني خلف الخراب كأُحجيّةِ طفلٍ صغيرٍ يتناول فطيرة الفرح مغمسة بدماء ذويه”. هذا عويلٌ أم صراخٌ في زمن القص وحكاية تشريقة بني “سايكس _بيكو”. وغصّةً تقف على درب القَدَرِ، كلمّا كان يسير على طرف السكين، تنتابه همساتٌ دافئةٌ كأنّها ذاك الكهفُ وفتيته النيام يتمتعون بهطول الزمن” على أجسادهم الممتدة في الحبور.

يأتيه صوتاً من أعماق الضياع ليرشده: قفْ أيّها الدّرب الوعر وسكّنْ ألمه وبلسم روحه، لقد زُفتْ واشتدت ساعات الغربة، ألف تيهٍ يسيرُ وذلك التراب المخضب يبكيه بصوته الجزع هنا سقطت المبادئ وخمدت عروقها، أيُّ كلماتٍ تُسفح وأيُّ شعورٍ تشعر إزاء ترنيمة الرّدى، الرّيح قاسية والشّمس تكفكف وهجها في ذاك الدّرب.

About جمال شحود رضوان

الاسم الثلاثي : جمال شحود رضوان المستوى التعليمي : معهد متوسط المهارات : يجيد استخدام الحاسوب بشكل جيد. يتقن اللغة العربية بشكلٍ ممتاز. الفرنسية والإنكليزية بشكلً جيد. العنوان : سورية _ طرطوس . تاريخ الميلاد : 1960/8/21 الجنسية : ع. س الحالة الاجتماعية : متزوج الجنس : ذكر شاعر / وقاص . لدي مجموعتين شعريتين ومجموعة قصصية ، وليس لدي الامكانية المادية للنشر حالياً إضافة ، ترجمة رواية وقصة قصيرة عن اللغة الفرنسية وأيضاً ينتظرا المغيث .
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.