Mustafa First Class

Mustafa First Class

..
قبيل قصة الهنداوي الشهيرة في الثمانينيات كانت السفارة البريطانية في حي ” أبو رمانة ” الدمشقي قد افتتحت مركزاً ثقافياً متميزاً لمقارعة المركز الثقافي الأمريكي والـ
American English
المنافس الأول في العالم للـ
British English .

كان المركز الثقافي البريطاني
( BCC )
جزءاً من بريطانيا العظمى , الأثاث والبرستيج والأساتذة البريطانيون يشعرونك بأنك انتقلت إلى قصر باكنغهام بمجرد أن تطأ قدماك عتبة المركز .

حتى الطلاب كانوا من نوعية مختلفة , فالشباب والصبايا جميعهم من شلة الهاي والماي والياي , كنت تحتاج لعلم أبي معشر الفلكي وبصيرة القاضي إياس وفراسة بني مدلج لتمييز الشاب عن البنت فالجميع ” حلوين ونعومين وأمورين ” ويرتدون الجينز والأحذية الرياضية ذات الأسعار الفلكية , والتي شيرتات الخالية من الأكمام .

بعض الشباب كان يضع قرطاً في أذنه وبعض البنات اعتمدن قصات البانك والحليسة مليسة , فكيف بربكم يمكن تمييز الذكر من الأنثى في هكذا جو ؟؟

في هذه ” المعمعانو ” قرر صديقنا مصطفى , ابن حارة التنابل الجبلاوية الدخول .

كان الجينز الكالح قد أصبح موضة في ذلك الوقت , بنطال الجينز الذي ورثه عن أبيه وربما جده البحار لم يشكل حالة غرائبية في ذلك العالم الغرائبي , وكذلك قميصه المتهدل الكالح .
فقط حذاء الرياضه الصيني الأسود المسورك كان يبدو غريباً في ذلك العالم الأكابري .

في اليوم نفسه كان يفلّي بسطات سوق الحرامية , وهناك استطاع بطريقة ما الحصول على بوط ( عبد الجبار ) – أحد أغلى الأحذية الرياضية في العالم حينها – بسعر التراب.

كان البوط بحالة يرثى لها , لكنه بعد غسله ومسحه ببعض النيفيا عاد جديداً وبدا بحالة ممتازة .

زار أحد الحلاقين , وهناك غير تسريحة شعره ” الأبو منصورية ” بتسريحة دارجة وعصرية .. انقلب شكل مصطفى 180 درجة .. تحول بقدرة قادر من أحد صعاليك قهوة خبيني إلى أبرز رواد مقهى لاكوبول .
..
كانت ساره برينستون الإيرلندية النحيلة ذات الشعر القصير الباذنجاني اللون هى من اخترق قلب مصطفى في الصميم منذ النظرة الأولى .

ساره هى مدرسة الفونيتكس والصوتيات في المركز .

المهم , من الآخر : نظرة فابتسامة فـ … فات صاحبنا بالحيط .
كانت لغة مصطفى الخشبية من نوع :
What are you doing Salwa , This is a pencil, this is a pen
لكن الغريب في الموضوع أنه بلغته اللي بتبكي الحجر طبقها وفوتها بمية حيط متل ما فات هوه وأكتر .

عزا السبب لوسامته الخارقة وفصاحته الشكسبيرية , لكنني وأنتم نعرف السبب : لقد كان الذكر الوحيد في عالم الطانطات .

استعان بالقاموس ليكتب لها رسائل من شاكلة ( أكتب لك بالأحمر لكي تدوم المحبة أكثر ) بس بالإنجليزي .

أقنعها أنه ابن السفير السوري في الأكوادور , وأقنع نفسه بذلك أيضاً .

لم تعد الأحاديث الخاطفة في المركز كافية فاتفقا على اللقاء في الشيراتون يوم الأحد .
..

نجم , الذي تعرف على مصطفى وأحبه , هو ابن العز والرز , والده فعلاً سفير سورية في إحدى دول أمريكا اللاتينية , ولكن ليس الأكوادور .

كان نجم طيباً , ويراقب تطور الحب الوليد بين قلبين غضين بدافع الفضول و ….. لقطع الوقت .
عرض عليه ثياباً محترمه تناسب اللقاء الأول , كما عرض توصيله إلى الشيراتون بسيارته الرياضية الحمراء .. تقبل مصطفى هذا العرض بسرور .
..

لم يعجب مصطفى من تلال الثياب في منزل نجم الا بذلة السموكن ومعطف الرانجوت الرسمي الذي يرتديه السفراء عند تقديم أوراق اعتمادهم الرسمية في البلد المضيف .

حاول نجم إقناعه بعدم صلاحية هذا الزي الا لمقابلة رؤساء الجمهورية .. مصطفى المهووس بحبه الجديد لم يقتنع , فقد كان يرى أن صرماية سارة بالأمم المتحدة مجتمعة .

وكان له ما أراد .. ارتدى السموكن والرانجوت , وضع ربطة البابيون في عنقه , وارتدى أفخم صباّت كلارك في المنزل .. كان سفيراً صغير السن بامتياز .

لفت نظره في غرقة الثياب وجود قداحة ( أم حبل ) التي طالما وجدها وازدراها في محل الحاج طه الدالاتي .. رمقها بازدراء , مبدياً استغرابه من وجود هكذا شيء في بيت العز والأكابر .

نجم الذي لم يفهم سبب ازدرائه أفهمه أن هذا النوع من الكلاسيك , إضافة لساعة الجيب هي قمة الأناقة .
تغيرت نظرته للقداحة العجيبة على الفور , تخيل كم سيبدو ابن أكابر وهو يشعل سيجارته أمام سارة بهذه القداحة .

وجدت القداحة طريقها إلى جيبه بنفس الطريقة التي وجدت بها ساعة الباتيك فيليب الطريق , كان يستأذن نجم الذي يهز برأسه مبتسماً .
..
حان وقت الانطلاق .. كانت السيارة تنهب الطريق القصير نسبياً بين ” أبو رمانة ” والشيراتون .. سرعان ما وصلا … أنزله نجم وهو يقدم له بعض النصائح السريعة ويتابع طريقه بينما بقى مصطفى أمام المدخل .

نظر مصطفى إلى الساحة المقابلة للمدخل .. كانت تعج بالسيارات من جميع الأنواع …. نظرة سريعة للساحة جعلته يحدد هدفه : أجمل سيارة في الموقف .

كانت سيارة بورش 911 ( كاريرا ) فضية اللون وموديل سنتها تقف أمام المدخل بالضبط وهى تتحدى الجميع بوقاحة .. الداخل والخارج لا بد له أن يراها .

تلفت مصطفى بجميع الاتجاهات خشية قدوم ساره على غفلة ثم سار متمهلاً نحو السيارة .

أخرج من جيبه جرزة مفاتيح وأصبح يحركها بيد وهو يصفر بلحن مشهور تلك الأيام , وأسند كوع اليد الأخرى على سقف البورش متصنعاً اللامبالاة .

وبالرغم من كل التناقض بين الشكل الرياضي المذهل لسيارة الـ 911 المتعارض مع ثيابه الرصينة , فقد كان كل من يراه يحسبه صاحب السيارة , وأنه ينتظر أحداً ما .
..

وصلت بعد عدة سيارات سيارة تكسي لانسر وهى تحمل حبيبة القلب التي رأته وحركت شفتيها بكلمة
( WOW )
للتعبير عن ذهولها به وبسيارته .. أراد الانطلاق نحوها و …. يا فرحة ما تمت , ففي تلك اللحظة فقط لمحته المرافقة .

كانت السيارة لابن اللواء ماجد سعيد رئيس إدارة أمن الدولة في سورية وأحد الأرباب الحاكمين بأمره في ذلك الوقت .. حسبوا أن مصطفي يقوم بتفخيخ السيارة , وربما سرقتها في أحسن الأحوال .

وهات ع بوكس ياخدو وكف يجيبو … وبعد أن ملوا من ضربه وضعوا مسدسات التسعة أربطعش أبو حلقه في رأسه طالبين منه الاعتراف .

غادرت ساره بالتكسي نفسها التي جاءت بها وهى تولول وقد فهمت كل شيء , أما مصطفى الذي ازرق من الضرب فقد أنقذه خروج ابن اللواء .

كان العناصر يتفاخرون بيقظتهم وسرعة إحباطهم للمخطط الصهيوأميركي الذي يستهدف اغتيال فلذة كبد معلمهم ..
كان الزلمة على ما يبدو يعرف حمرنة العناصر جيداً فاستنطقه بنفسه , وبعد الكلمات الأربعة الأولى فهم الموضوع كله .

ضحك طويلاً , ويبدو أن سيناريو مصطفى أعجبه فطلب من العناصر تركه .

جرجر مصطفى رجليه وهو مكسر من الضرب مغادراً ساحة الفندق .
انتظر تكسي لم يأت … أحس برغبة عارمة بسيجارة .
أخرج سيجارة حمراء قصيرة من علبة المارلبورو اللي بجيبه وأشعلها بالقداحة العجيبة نفسها نافثاً بتلذذ ممزوج بالقهر أول شحطة .

بدا باص البلدية المقرقع من بعيد , فجذب على عجل طربوش القداحة المعدني المخصص لإطفاء الحبل دون أن يحكم شده ووضع القداحة بجيبه الخلفي .

عند الشحطة الثالثة أو الرابعة وصل الباص المزدحم حتى الثمالة .. رمى بالسيجارة من منتصفها وركض خلف الباص الذي خفف من سرعته لكنه لم يكلف نفسه عناء الوقوف لأجله , ومع ذلك فقد نجح برمى بنفسه في ظلمات ازدحامه .
..

هل انتهت حكايتنا ؟؟؟
كلا … فالمنحوس منحوس ولو حطوا ع راسو مية فانوس .

كانت رائحة خفيفة لشيء ما يحترق قد بدأت تزكم أنوف الركاب , سرعان ما بدأ دخان ينتشر , التفت الجميع لمعرفة سبب الدخان , والتفت مصطفى معهم ليكتشف الجميع دفعة واحدة أن مؤخرة مصطفى هي السبب .

شيء ما يحترق بمصطفى الذي لم يشعر به على الفور , ثم انتفض وبدأ بالصراخ , وأخذ الناس يحاولون إطفاءه .

توقف الباص , ونزل الجميع بعد أن ساد الهرج والمرج … خلعوا الرانجوت الذي أصبح كتلة ملتهبة , بينما سارع أحد العسكريين سريعي البديهة بخلع الفيلد تبعو ليلف خصر مصطفى به .

سرعان ما انطفأت النار بعد أن تشلوطت مؤخرة أبو صطيف ولولا ذاك لأصبح أول بوعزيزي في تاريخ الربيع العربي , ولربما انطلقت الثورات مبكرةً عشرين عاماً على الأقل .
..

كان على نجم أن يقول وداعاً للرانجوت والسموكن والكلارك , وحدها ساعة الباتيك فيليب الثمينة نجت من المحرقة .

لم يذهب مصطفى إلى المركز في اليوم التالي ولا في اليوم الذي تلاه , لكن نجم كان قد حكى القصة بالتفصيل للجميع … لا أحد يدري كيف سمعت إدارة
BCC
بالموضوع .
..
نسينا أن نقول أن الأنظمة الأكاديمية الصارمة في المعاهد والجامعات البريطانية , كغيرها من الهيئات المحترمة في العالم , تحرم على المدرسين إقامة العلاقات مع الطلاب .

سارة المسكينة طردت شر طرده , وتمت إعادتها إلى أرض بريطانيا العظمى على جناحي يمامة , أما مصطفى فلم يعد إلى المركز الثقافي البريطاني قط .

أيهم نور الدين:  جبلة – حارة التغرة / صيف 2014

About أيهم نور الدين

أيهم نور الدين اديب سوري
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.