مابعد -ترامب… مابعد -كورونا..؟؟!!..

د. اكرم هواس

لا احبذ ان يوحي العنوان في خلق التصورات حول اي رابط بين ظهور الكورونا و وجود الرئيس ترامب … لكن القاسم المشترك في مفهوم”ما-بعد” الذي اصبح ظاهرة في ذاته تم و مازال يستخدم كعنصر اساسي في الخطاب السياسي و الثقافي التبريري للتغييرات المتسارعةفي العقود الاخيرة…

كثيرة هي مصطلحات ما-بعد… مثل ما بعد-الراسمالية و مابعد النمو و ما بعد الاستهلاك ومابعد -الايديولوجية و مابعد- الدين و ما بعد- الفلسفة و ما بعد -الحداثة ووو… لكنها كلها ظلت في اطار رغبات و احلام او تعريفات لحالة تدور حول تطوراجتماعي مختلف عما سبقه… وهذه حالة التاريخ اساسا.. و ان اصبح التغيير اكثر تسارعا في ظل التقدم التكنولوجي … لكن التوقعات في الوصول الى “بر الامان” ظلتفي اطار الاوهام
Illusions
.. و هذا ما يمكن ان يصدق على احلام ما بعد -ترامب و ما بعد- كورونا..

لا شك ان بعضا من اهم مصطلحات “مابعد” لم يستطع ان يثبت تغييراً ملموساً… الراسمالية ما تزال تعيد انتاج ادواتها و هيمنتها وقيادتها للعالم اقتصاديا وسياسيا… الدين عاد و بقوة و الايديولوجيا لم تمت و ان تم تغيير نمطها و خطابها السياسي … الاستهلاك ما يزالعلى اشده حتى لو اوقفت عجلاته مؤقتاً بفعل الكورونا.. و الكورونا يعيد انتاج ذاته بتحورات لا احد يعرف افق انتهاء حياتها… بل ان اغلبالدراسات تذهب الى هذا الفيروس الملكي سيبقى يشكل ثنائية جديدة مع الحياة على الارض و معه انواع مختلفة من فيروسات مشابهة قدتستفاد ديناميكية التقاطعات بين الثغرة العلمية التي احدثها كورونا و التهور في مستوى مقاومة الجسد البشري لهذه الفيروسات و هكذا …

هنا تبرز احدى اهم الاشكاليات و هي ان مفهوم ما بعد -كورونا قد يكون على شاكلة مفهوم مابعد- الحداثة حيث يتم تبرير المستوى غيرالعقلاني في العنف و اللا مبالاة في زمن عقلاني متطور لم تسبق البشرية مثلا له… حيث اصبح مفهوم مابعد -الحداثة عنوانا لتجريدمجموعات من الشباب و القوى المجتمعية من قيمها “الانسانية ” التي عادة تؤسس اطارا تنظيميا لها و من ثم تبرير نمط عنفها غير القابلللتوصيف الا من خلال مفهوم ما بعد -الحداثة ذاته… اي و كأننا نتحدث عن عنف ميكانيكي غير قابل للتأويل بسبب الاحباط من تاثيراتالتقدم التكنولوجي و التطور الاجتماعي الذي حول المجتمع الى طاحونة ممنهجة
Computerized
في دورانها حول ذاتها دون يستطيعالانسان ادراك ميكانيزمات فعاليتها..

بكلام اخر… ان مفهوم مابعد -الحداثة كان يمثل للمفكرين و القوى الاجتماعية اليسارية في العقود الاخيرة من القرن الماضي ثورة مجتمعيةصامتة ضد آليات التطور الراسمالي و بذلك يمثل حالة اللا انتماء او رفض التماثل مع المحصلة المجتمعية التي انتجها التطور الرأسمالي. ..

بشكل ما فان هذا التفسير كان يقدم تبريراً “منطقياً” لانتشار نوع من السلوكيات و العنف “اللا ارادي” في مجتمعات المدن الكبرى فيالدول الغربية… لكن على المستوى الدولي كانت اعمال العنف و الحروب تزداد ايضا و تقودها قوى نابعة من ذات المجتمعات الغربية… و لاادري ان كان مفكرو مابعد الحداثة يربطون هذه الحروب بتلك الحالة المجتمعية الناشئة في المجتمعات الغربية..ام ماذا..؟؟!!..

اي ان ظهور و هيمنة نخب فكرية و سياسية قادت الولايات و الدول الغنية الى حروب “لا منطقية” انما كانت بتاثير حالة مابعد- الحداثة .. وبالتالي ربما “لا يتحمل” تلك النخب عبء الحروب الهوجاء كونها كانت تحت تاثير دوافع “غير ارادية”..!!..

و على اساس ذات النمطية التبريرية فان ظهور الرئيس ترامب و كذا “التوظيف السياسي” لفيروس كورونا.. هما يمثلان بشكل ما ذاتالحالة .. و الكلام عن مابعد- ترامب او ما بعد-كورونا انما امتداد او تطور نوعي لحالة مابعد -الحداثة… و هذا قد يعني ان التوقعات تذهبنحو المزيد من الصراع و العنف و قد ندخل حروب اللقاحات و الصراع على احتكار الاوكسجين و العلاقة مع القوى الكونية الاخرى خارجالارض…

رغم ان اللقاحات لم تثبت فعاليتها خاصة في ظل فوضى ظهور نماذج متمحورة و كذلك فيروسات جديدة فان ما يمكن ما يمكن ان نعرفهحتى الان هو ان هناك مليارات من الناس في المجتمعات الفقيرة لن يصلهم اي لقاح… و ان الاقتصادات الكبرى تحملت خسائر هائلة ليسفقط في القيمة الفعلية انما ايضا في القدرة على اعادة تفعيل الآليات القديمة للانتاج خاصة الزراعية و الحيوانية و لعل واحدا من اهماسباب ذلك هو ظهور اجيال من الشباب في العقد القادم بلا تعليم او سيّء التعليم
Maleducated
في مستوى العلوم النظرية و التطبيقيةفي المجتمعات الغنية…

و هذا يعزز من فكرة ديمومة حالة مابعد -الحداثة و السلوك اللا ارادي في التدمير….اما المجتمعات الفقيرة فامرها موكول الى ….؟؟؟.. حبيللجميع

About اكرم هواس

د.اكرم هواس باحث متفرغ و كاتب من مدينة مندلي في العراق... درس هندسة المساحة و عمل في المؤسسة العامة للطرق و الجسور في بغداد...قدم الى الدنمارك نهاية سنة 1985 و هنا اتجه للدراسات السياسية التي لم يستطع دخولها في العراق لاسباب سياسية....حصل على شهادة الدكتوراه في سوسيولوجيا التنمية و العلاقات الدولية من جامعة البورغ . Aalborg University . في الدنمارك سنة 2000 و عمل فيها أستاذا ثم انتقل الى جامعة كوبنهاغن Copenhagen University و بعدها عمل باحثا في العديد من الجامعات و مراكز الدراسات و البحوث في دول مختلفة منها بعض دول الشرق الأوسط ..له مؤلفات عديدة باللغات الدنماركية و الإنكليزية و العربية ... من اهم مؤلفاته - الإسلام: نهاية الثنائيات و العودة الى الفرد المطلق', 2010 - The New Alliance: Turkey and Israel, in Uluslararasi Iliskiler Dergisi, Bind 2,Oplag 5–8, STRADIGMA Yayincilik, 2005 - Pan-Africnism and Pan-Arabism: Back to The Future?, in The making of the Africa-nation: Pan-Africanism and the African Renaissance, 2003 - The Modernization of Egypt: The Intellectuals' Role in Political Projects and Ideological Discourses, 2000 - The Kurds and the New World Order, 1993 - Grøn overlevelse?: en analyse af den anden udviklings implementerings muligheder i det eksisterende system, (et.al.), 1991
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.