الفرد و التشيؤ، أزمة المجتمعات المعاصرة

فواد الكنجي

تشيؤ الفرد وانفصامه عن ذاته الإنسانية وقيمها؛ آت نتيجة ما أفرزته قيم الصناعة الحديثة التي هيمنت على آلياتها الطبقة الرأسمالية ونظامها؛ فمعِيشتهُ تحت هذه آلية؛ حولته إلى شيء من ألأشياء المادية؛ سلبت منه مشاعره وأحاسيسه وإنسانيته ليصبح جزء ميكانيكيا من آلة الصناعة ليس إلا، لأنه يعيش وسط مجتمع طبقي رأسمالي بيروقراطي استغلالي بامتياز؛ وهذه الطبقة عملت على تجريد (الفرد) من محتواه الإنساني؛ الأمر الذي أدي بكل ما يملكه من القيم والمبادئ ألأخلاقية أن تضمر في ذاته تدريجيا؛ فيفقد صلته بمحيطه الاجتماعي – الإنساني ويبتعد عنها بقدر ما يقترب ويرتبط بمحيطه الصناعي – المادي، ليصبح جزءا ميكانيكا فيها فيتشيؤ فيها. وهذا الابتعاد افقد (الفرد) قدرته على تحكم بمصير حياته، فبقدر ما يتشيء؛ يغترب عن ذاته وعن المجتمع، لان كل أفعاله تصدر عنه وهو لا يعي بأنه مسؤول عنها؛ لأنه يكون ضمن وسائل الإنتاج موجها وفق أنشطة التي تمليها عليه الطبقة الرأسمالية المهيمنة على قدراته، بل وعلى كل أنشطته، و التي تسعى استخراج منه أقصى إنتاج وفق مبالغ فائض القيمة لمصالحها الخاصة و ضمن نطاق المنافسة بين الصناعيين في عمليات التجارية بحته لتكون أنشطة (الفرد) أداة من دواتها، لان الرأسمالية لا تكتفي فحسب بالاستيلاء على عقل الفرد بل عملت بكل ما يتيح لها من قوة وإمكانية للسيطرة والاستيلاء والهيمنة على الإعمال اليدوية للمهن الحرة واحتكار إنتاجهم؛ بما ضمنها الإعمال الفنية للفنانين والمهندسين والمصممين.. و…الخ، من اجل جذب المستهلك لشراء هذه السلع المحتكرة من قبلها والتي ضمنت لنفسها بعدم وجود منافس لها الأمر الذي يؤدي إلى أقص إرباح لهم؛ وبالتالي فان النظام الرأسمالي هو من يشيؤ كل شيء مقابل اجر في ادني سعر من اجل أقصى عائد مالي لرأس المال الذي استثمر في كل مجالات من مجالات الصناعة التي تحتكر كل صناعة من صناعات المهن الحرة وتشتري إنتاجها – إن لم تحتكر ملكيتها – بأدنى الأسعار، وهذا هو احد جوانب الاستغلال الذي يشيئ (الفرد) في عملية الإنتاج والتي تجعله مختزلا بأدوات العمل، والذي يفقد فيه إنسانيته وإبداعياته بمرور الوقت، لان جوهر الإنسان تكمن في طبيعته الحرة حين يكون الإنسان في ظروف وجوده التاريخي حر ومعطي بكامل إرادته، فرضها هو لنفسه نتيجة إدراكه وعقله ومخيلته وإبداعه؛ وليس لمتطلبات فرضت عليه من الآخرين، لذلك فإن (التشيؤ) يعني عدم الشعور بقيمة الذات، بمعنى أخر، انعدام المعنى الإبداع في حياة الإنسان، نتيجة لاستلاب عيشه دون فرصة لتحقيق الذات و دون إتاحة الفرصة لترتقي الذات من حالة الجهل إلى المعرفة، معرفة الذات ومعرفة العالم وما يدور حوله.


فـ(الفرد) حين يوجه ويجند كل جهوده وأفكاره نحو الحرفية الصناعية وإنتاجها؛ وبنتيجة الأمر فان تدريجيا تتحول كل قيم المجتمع إلى أشياء بذاتها؛ فان لا محال ستؤدي بهذا (الفرد) ألذي هو جزء من المجتمع إلى الانعزال؛ لان (تشيؤه) سيجعله يتقوقع في دائرة (الاغتراب) الذي إذ تعمق ترسيخه في ذات الفرد، والتي – وبمرور الوقت – ستتحول إلى عادات، لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزها؛ الأمر الذي سيجعله غير قادر على التأقلم مع محيطه ومجتمعه، لان (تشيؤه) سيوسع بينه وبين مجتمعة مسافة وفجوة كبير؛ هو هذا الابتعاد بين الفرد والمجتمع والذي سيخلق نوع جديد من (الاغتراب) بعدم تقبل أي منهما أفكار الأخر؛ بعد إن تكون العلاقات الاجتماعية بين إفراد المجتمع قد حجمت وتحولت إلى أشبه ما تكون بعلاقات الأشياء بالأشياء بلا مشاعر وإحساس؛ لتصبح العلاقات بين الإفراد في المحصلة الأخيرة مجرد (علاقات آلية) بليدة ومتحجرة ومجردة من العلاقات الإنسانية؛ بقدر ما تكون هذه العلاقات قائمة على مبدأ المنفعة في قيمة التبادل السلع أو الأشياء، وهو ما يقود هذا الفرد المتشيئ بـ(الاغتراب) عن تاريخه ومجتمعة باعتبارهما أشياء غريبة عنه لا صلة له بها وكل ما يحدث حوله أو له لا يكترث بها ولا يبدي أية فاعلية باتجاهها، لان تشيؤه بمرور الوقت – لا محال – ستمحى ملامح شخصيته؛ بعد إن يكون قد فقد إحساس بمحيطه؛ ولم يعد ما يملك من أمره شيئا؛ لان وجوده المتشيئ حوله إلى رقم حسابي والى ترشيد أداتي في كافة مجالات الحياة.
وبحكم هذا (التشيؤ) الذي يسير (الفرد) فيه وباتجاهه على طول مسيرة حياته تحت هيمنة الأنظمة الرأسمالية يجعله فرد ذو كفاءة في اختزال نماذج بسيطة بشكل غير عادي في مجال الصناعة والإنتاج، ولكن اغترابه عن مجتمعه بسبب (تشيؤه) يجعله غير قادر في التعامل مع تركيبة الإفراد في محيط مجتمعه ويفشل الاندماج معه، والفرد المتشيئ بهذا الشكل؛ جعل منه فردا ذو بعد واحد؛ أي انه لا يعي ولا يدرك إلا بحدود ما هو عليه وما يمارسه فحسب، وهذا التعميم في المجتمع له تداعيت خطيرة جدا لأنه يحكم على الحضارة الإنسانية بالموت والدمار؛ بعد إن تكون المادة و قوى الإنتاج قد أخذت مأخذها منه لتحوله إلى فرد ليس له قيمة، لان النظم الرأسمالية تتوجه نحو الصناعة والتكنولوجيا التي جل تفكيرها يرتكز على مقومات التنمية الاداتية والتقنية على الآلة؛ لدرجة التي ترتقي هذه الآلة – بقدر ما تعطى لها أهمية – على حساب الفرد؛ وهذا ما جعل الفرد يغترب رويدا- رويدا عن مجتمعه ومن ثم عن ذاته؛ بعد إن يجد نفسه مجرد مفصل من مفاصل الآلة أو شيء من أشيائها وإنها تأخذ جل أوقاته، وبتعميق هذا التركيز في ذات (الفرد) فانه يصبح خاضعا لقوانين هذه الآلة التي تشيئته وتحوله إلى مجرد سلعة أو آلة مجردة؛ وهذه الصنمية لهذا (الفرد المتشيئ) هي تركيبة المجتمعات الرأسمالية والتي تُقيم على قياساتها الفرد في المجتمع؛ فبقدر ما يعمل وبقدر ما يملك من الأشياء المادية يكون تقيمه، بغض النظر عن سلوكه وتصرفاته ومؤهلاته العلمية أو الإبداعية، فالقيمة والمكانة الاجتماعية في المجتمع الرأسمالي تكمن بما يملك وينتج هذا الفرد من السلع ووفق هذه السلع تداور قيمته بين قيمة الشراء والبيع، ليصبح (الفرد) في ظل هذه المعادلة مجرد موضوع لتيسير ميول تكنولوجية وصناعية واقتصادية على السواء، و وفق هذا النمط، فان النظم الرأسمالية تحدد سلوك (الفرد) ضمن مصالح اجتماعية تحددها العلاقات خاصة ضمن أيطار المنفعة والمقايضة والتي تساهم مساهمة فعلية في (تشيؤ الفرد)؛ والذي يرى متعته فيها ضمن علاقات الأشياء المصنوعة والذي ينتابه حب التملك لهذه الأشياء والتي يرى فيها نشوة في التشبث بها لامتلاكها – حتى وان كانت فائضة عن حاجته – وهذه النشوة يراها اقوي وانفع من إقامة علاقات اجتماعية سليمة على مبدأ الحب والصدق والوفاء والجيرة الحسنه بين إفراد مجتمعه، وهذا ما يقود هذا (الفرد المتشيئ) إلى البحث على الدوام لسلع جديدة، وان حب التملك هو الذي يجعله على الدوام يفكر باقتناء المزيد والتي يرى في هذه الأشياء قيمته الذاتية الضائعة في هذه الأشياء؛ وهذا النمط من (الإفراد) هو اليوم سائد في المجتمعات الرأسمالية وخاصة في مجتمعاتنا المعاصرة؛ وهذا النمط من الإفراد هو إنتاج أفرزته الطبقة الرأسمالية والتي تجد في هذا السلوك من التصرف الإفراد حافزا لمزيد من الاستثمار في مجال الصناعة وتطوير التكنولوجيا لابتكار كل ما هو جديد لجذب هذا (الفرد)، بعد إن تيقنت الطبقة الرأسمالية بان جل تفكير الفرد وهمه قد أصبح هو الحصول والاقتناء ما هو جديد من لبضائع التي تنزل الأسواق.
وهكذا فان النظم الرأسمالية تركز في مناهجها السياسية على الصناعة المرافقة لتطور التكنولوجي دون البحث في ميادين المعرفة ونشر الوعي والثقافي في مناهجها التربوية؛ لان بتفكيرها وإستراتيجيتها للهيمنة على مقدرات مجتمعاتها وشعوبها؛ تعتبر الغوص في ميادين الثقافة والوعي أمور مضيعة للوقت إن لم تكن خطرا يهدد مصالحها، ولهذا فان إدارات الرأسمالية تسعى بكل ما هو يشيئ الفرد والمجتمع؛ وفعلا هذا ما نراه اليوم في نمط الحياة السائدة في المجتمعات الرأسمالية بعد إن استطاعت الإدارة الرأسمالية تشيؤ المجتمع برمته، فبدل تركيزها على مؤسسات التربية والثقافة والعلوم الإنسانية ركزت على بناء مؤسسات لعلوم التكنولوجيا الصناعية مع بناء مؤوسسات (أمنية) الداعمة لها؛ وأعطت لها إصلاحات واسعة لاستخدام أبشع أساليب القمع لأي مخالفة لردع الإفراد و بما يجعلهم يفكروا إلف مره إن أشهروا اعتراضهم على نظم السائدة داخل المصنع أو خارجها؛ لتكون (قوة الأمن) هي السلطة الأعلى لحماية مكتسباتها آلة الصناعية والتكنولوجية وتماثل المواطنين في هذه التشيء؛ بعد إن حول النظام الرأسمالي الإفراد في المجتمع مجرد أرقام ومعادلات وبيانات حسابية ليس إلا، لان مجتمع برمته أصبح حسب وجهة نظرها محض أشياء ليتم في مجتمعات الرأسمالية (استبدال العقل المفكر إلى عقل مستهلك) وهذه هي كارثة هذه المجتمعات؛ حين يصبح (الفرد) له هدف واحد ويتجه كل تفكيره إلية ويكون شغل شاغله وهو اقتناء ما هو جديد حتى وان كان لا يحتاجه أو لا يستهلكه و زائد عن حاجه؛ ويأتي ذلك لمجرد إشباع رغبة زائفة ونشوة مزيفه يقنع نفسه بها؛ لكون اقتناء هذه البضاعة الجديدة هو تعرف عن نفسه المتوارية في ظل تشيئه، لكون (تشيؤ الفرد)؛ جعلت منه فردا مستهلكا ورغبة في هذا الاتجاه اللامتناهي في الاستهلاك. ولكن مهما حاولت الرأسمالية في تمادي من تشيؤ الفرد والمجتمع وفق مصالحها واستراتيجياتها والتي تفرض هيمنتها وقوتها بتوسيع دائرة الرقابة الأمنية على سلوك الإفراد، فان في نهاية المطاف – لا محال – ستفشل، لان قيم الإنسانية والذخيرة الثقافية والوعي التي ساهمت مساهمة فعلية في نهضة الشعوب وتحررها من الطغيان، على مر التاريخ، وعلى كل أساليب القمع و الطغيان والاستغلال والعبودية وكانت ثوراتهم مدخلا لقيام ثورات اجتماعية من اجل الاحتفاظ بقيمة الإنسان كانسان وتحرره من العبودية؛ وهذا ما يجعل (الفرد) في ظل الرأسمالية يعاني (أزمة أخلاق عميقة) بكون قيمته تضمحل يوما بعد الأخر وانه يشعر بالضياع والاغتراب عن ذاته، بعد إن فقد قيمته الإنسانية كانسان، وفقد هويته وأصبح متشيئ فاني، ولكن لا محال في نهاية المطاف سيفكر مع كل آلة التشيء المدمرة لذات الإنسان التي غرزت الرأسمالية مفاصلها في مجتمعاتنا المعاصرة، في التحرر وسيتحرر لا محال، وستنهار الرأسمالية أينما كانت ومهما كانت قوتها وتسلطها بثورة اجتماعية تحررية ضد كل شكل من إشكال الاستغلال الطبقي للرأسمالية المتوحشة والعبودية، لتعيد للإنسان مكانته الإنسانية في الحضارة .

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.