التسامح مع اليهود شرف لا يدعيه الإخوان المسلمون

جوزيف بشارة  

 التصريحات التي أدلى بها القيادي الإخواني البارز عصام العريان بشأن عودة يهود مصر لا ينبغي النظر إليها إلا على أنها مجرد نزوة كلامية. هناك خمسة أسباب تدفعنا للاعتقاد بأن التصريحات كانت ثرثرة تلفزيونية استعراضية وبأن التصريحات هي للاستهلاك وليست تعكس تغيراً في موقف الإخوان المسلمين العدواني من اليهود. السبب الأول هو أن كراهية الإخوان المسلمين لليهود أمر عقائدي يقع في قلب الفقه الإخواني ويستحيل تغييره أو نسخه أو إنكاره. السبب الثاني هو أن جماعة الإخوان المسلمين، التي شاءت الظروف الغبراء لها أن تصعد إلى سدة الحكم في مصر، باتت تسعى لرسم ملامح مبتسمة وودودة ومتسامحة على وجه الجماعة العابس والمكفهر والمتطرف. السبب الثالث هو محاولة تخفيف الضغوط الدولية عن الجماعة، وقد جاءت التصريحات في ظل مصاعب جمة تواجهها الجماعة في حكم مصر بعد المواقف الإحادية المخزية التي اتخذتها في كتابة الدستور وإقراره، وكذا في مواقفها المؤسفة من المؤسسات القضائية. السبب الرابع هو الانتقام من التيار الناصري الذي يشكل العمود الفقري للمعارضة، وتحميل ملهم هذا التيار، الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، المسئولية الأدبية والقانونية لخروج اليهود من مصر. السبب الخامس هو إلهاء الرأي العام بقضية فرعية.

 غني عن التذكير أن التسامح مع الأخر ليس له وجود على الإطلاق في أجندة الإخوان المسلمين. كيف إذن للبعض أن يتخيلوا أنه يمكن للإخوان أن يتسامحوا مع اليهود؟ فالإخوان عنصريون ويكرهون اليهود وكل من يدينون باليهودية. هذا أمر مسلم به في الفقه الإخواني، وتعكسه تعاليمهم المتطرفة الموجودة بكتب كبار منظريهم. هي كراهية ليست وليدة القرن العشرين ولم توجد بسبب قيام إسرائيل أو بسبب احتلال إسرائيل لأراض عربية وفلسطينية. الكراهية لها بعد تاريخي تعود جذوره إلى وقت نشأة الإسلام. يستند الإخوان في كراهيتهم لليهود إلى النص القرآني “لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا…” ويتضح موقف الإخوان من اليهود في تفسير سيد قطب للنص القرآني حيث يؤكد أن القرآن يضع اليهود قبل المشركين في مرتبة العداوة لأنهم الأكثر عداوة للمسلمين عبر التاريخ، مشيراً إلى أن وصف القرآن لليهود لا يتغير عبر الأزمنة. التفسير هنا لا يربط النص بالزمان أو المكان كما يعتقد المسلمون المعتدلون، ولذا فالنص في نظر الإخوان مطلق وصالح لكل مكان وفي كل زمان، بمعنى أن عداوة اليهود والمسلمين أبدية لا يمكن لها أن تزول لأي سبب من الأسباب وتحت أي ظرف من الظروف.

 لا يختلف موقف الإخوان المسلمين من يهود مصر عن موقفهم من اليهود بصفة عامة. العداوة نفسها والكراهية نفسها. تقول وثيقة بعنوان “الإخوان المسلمون واليهود” أعدها عبده مصطفى دسوقي لموقع “ويكيبيديا الإخوان المسلمون” التابع للجماعة أن حسن البنا، مؤسس الجماعة، كان “يعرِّف الناس من خلال كتاباته طبيعة اليهود وما تنطوي عليهم شخصيتهم؛ فيقول: اليهود في التاريخ الحاضر هم أبناء آبائهم، أخلاس فتنة، ومواقد شرور، وطعام ثورات، ولقاح دسائس؛ فما من فتنة في دولة ولا ثورة في أمة إلا وجدت الأصابع اليهودية من ورائها، تمدها بالوقود، وتعمل على شدتها ومضاعفة أثرها، كأنما يريد هذا الشعب أن يثأر من الدنيا كلها لعزته التي أضاعها عناده، وكرامته التي اهتدرتها ماديته، وما ظلمهم “الناس” ولكن أنفسهم يظلمون.” وبلغ الأمر أن حمل حسن البنا اليهود مسئولية المحارق التي ارتكبها النازيون بحقهم في النصف الأول من القرن العشرين فيقول “أمعِن النظر فى التاريخ الحديث ترى روسيا وبولونيا وألمانيا وأمريكا وغيرها من دول العالم تضجّ من دسائس اليهود وتلاعبهم بسياستها؛ حتى دعا ذلك الألمانيين إلى هذا الموقف الغريب من الجنس اليهودي…”

 ويمضي حسن البنا في تحامله على اليهود، جميعاً ومن دون استثناء، فيقول “وقد ضاعف هذا الشر في المزاج اليهودي أنه لا يقيم للفضيلة وزنًا؛ فكل همه أن يجمع المال كيفما كان، ولو دفع ثمن هذا الجمع من الفضيلة والشرف، وباع في سبيله مبادئ الأخلاق العالية؛ ولهذا أثروا وافتقر بثرائهم الناس، وتجمع لديهم الذهب الذي يعينهم على قضاء مآربهم، وتحقيق مطامعهم وتلاعبهم بعقول الساسة، وإحباطهم لجهود المصلحين…” ويقدم البنا نصيحة لليهود فيقول “لقد أسأتم إلى العالم كله، وأجرمتم في حق الأمم جميعاً، وإنا ندعوكم إلى التوبة ولا نعاملكم بغير شريعة التوراة؛ فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم، وأريحوا العالم من ويلاتكم…”

 ولعله من المهم هنا التأكيد على أنه إذا كان هناك فصيل ساهم في ترهيب اليهود المصريين قبيل مغادرتهم مصر فإن هذا الفصيل هو جماعة الإخوان المسلمين. ذكرت وثيقة “الإخوان المسلمون واليهود” المنشورة على موقع “ويكيبيديا الإخوان المسلمون” أن الإخوان المسلمين ندَّدوا عبر صحفهم بما كان يقوم به اليهود خلال وجودهم في مصر من “أعمال وتصرفات ونشر للأخلاق الفاسدة وسط المجتمع المصري.” وتذكر الوثيقة أن الإخوان رصدوا عند ذاك مجموعة من “ممارسات اليهود في مصر والتي تشير إلى بُعدهم عن المجتمع المصري.” كان من الممارسات المرصودة إخوانياً: مساعدة يهود مصر للمنظمات “الصهيونية”، اتخاذ يهود مصر العلم “الصهيوني” شعاراً، وتفضيل اليهود لغتهم العبرية على اللغة العربية، وارتدائهم البرانيط المطبوع عليها العلم “الصهيوني” وامتناعهم عن ارتداء الطربوش المصري، وإصدارهم صحف باللغات الأجنبية تعمل كأبواق “للصهيونية”، ومساومة الصحف المصرية بإعطائها الإعلانات مقابل وقف الحملة ضد “الصهيونية”، ذهاب اليهود إلى نواد يهودية مستقلة تحمل أسماء يهودية. وتؤكد الوثيقة أن الإخوان المسلمين اعتبروا، عندئذ، أن أي فئة أو قوى (حتى ولو كانت غير مسلمة) تتخلى عن القيام بواجبها تجاه هذه القضية فهي تفرِّط في الثوابت الإسلامية، فضلاً عن القومية، ولذا فقد اعتبر الإخوان المسلمون أن اليهود المصريين قد “برهنوا بما لا يدع مجالاً للشك أنهم ليسوا من الأمة المصرية” في موقفهم من القضية الفلسطينية التي اعتبرها الإخوان من قضاياهم المصيرية.

 ومن هنا فقد لعب الإخوان المسلمون الدور الأبرز في تحويل مصر إلى كابوس وبيئة غير مناسبة للوطنيين من اليهود المصريين عبر إلصاق التهم الجزافية بهم، وإنكار وطنيتهم، وتصويرهم على أنهم متآمرون وخونة، والمطالبة بمقاطعتهم اقتصادياً. فهل يمكن بعد كل هذا أن يصدق أحد أن قيادياً إخوانياً كبيراً كعصام العريان يمكن أن يؤمن حقاً بعودة اليهود إلى مصر؟ وهل يمكن الوثوق بقيادي إخواني يتحدث عن عودة اليهود المصريين في الوقت الذي ينتشر فيه هذه الأيام مقطع مسجل لقيادي إخواني أخر وهو محمد مرسي، الذي شاء الزمان الأحمق أن يتولى قيادة مصر، يصف فيه اليهود بأنهم أحفاد القردة والخنازير؟ بالطبع لا، لا يمكن بأي حال من الأحوال الوثوق بأي قيادة إخوانية. لم يكن القيادي الإخواني عصام العريان يتعاطف مع اليهود المصريين كما بدا الأمر للوهلة الأولى. القيادي الإخواني كان يثرثر من دون أن يقدم دليلاً واحداً على صدقه. ويبقى موقف الإخوان من اليهود من دون أن يتغير. الكراهية هي العنوان الرئيسي لموقف الإخوان من اليهود مهما قال العريان ومهما كتب مرسي للرئيس الإسرائيلي ومهما أكد نظام الحكم الإخواني في مصر على احترامه لاتفاقات السلام مع إسرائيل.

 لم يكن هناك لوم يقع على جماعة الإخوان المسلمين لو أنها اعلنت معارضتها للسياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، ولم يكن هناك لوم على الجماعة لو أنها رفضت التطرف الذي تتسم به بعض الشخصيات السياسية الإسرائيلية، فالكل يعارض الاحتلال ويرفض التطرف. لكن اللوم وكل اللوم يقع على الجماعة لأنها تكره الجنس اليهودي بأكمله. ومن المهم هنا الإيضاح بأن هذا المقال لا يهدف لمناقشة قضية يهود مصر، ولكنه يهدف إلى تعرية موقف الإخوان المسلمين المخزي من اليهود بصفة عامة واليهود المصريين بصفة خاصة، ويعمل على إظهار حقيقة الإخوان الذين هم، كغيرهم من الإسلاميين المتطرفين، عنصريون ولا تدخل كلمة التسامح في قواميسهم الفقهية. التسامح شرف للإنسانية المتحضرة، لكن التسامح مع اليهود شرف لا يدعيه، للأسف، الإخوان المسلمون.

 josephhbishara@hotmail.com

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.