يوم كاد الشبيح جمال يموت من الضرب


أيهم نور الدين
..
جمال شبيح معروف , صهره اللواء الضئيل الدكدوك هو قائد سلاح رئيسي في سوريا أيام الأسد الأب , ومن هنا جاءت سطوته واستفشاره.
..
كان اللواء الأشبه بمساعد أول طرطور في إدارة المركبات هو من فتح المجال لوالد جمال المرابي للإثراء عبر نقل المجندين ضمن إدارته .

تربى جمال على المال الحرام الذي لا يشوبه الحلال قط , وعندما بدأ نجم الصهر بالأفول افتتح جمال وأخوه المهندس – الدكتور ( الأونطة ) شركة تشبيح برومانيا تحت ستار النقل البحري .

..
صلبط جمال على الأرض المطلة على الفيض من مديرية الموانئ وبنى مقهى يعتبر حالياً مكاناً رئيساً لتجمع الشبيحة والمخبرين من جميع الطوائف والملل في البلدة .
..
وكما كانت البارودة الروسية والقنابل الهجومية لا تفارق سيارته فكذلك مسدس البراوننغ أبو حلقة لا يفارق خصره .
..
عمل في تهريب الدخان وكان يبيع المهربات للجميع بمن فيهم ( فيظ الله ) عينك عينك .
..
.
كان أحمد ” ن ” ( أبو الشورت ) شاباً هادئاً مثقفاً عاش لسنين في أوروبا , ثم تعرض هناك لحادثة ما أثرت على دماغه وضربت فيوزاً أو اثنين فيه , فأعادوه منذ سنين إلى سوريا على أول طائرة كما يقال .

امتاز أحمد بوسامة مفرطة وجسم رياضي متناسق , وبشورت قصير لا يلبس سواه حتى في أيام المربعانية القاسية .. كما اشتهر بكلامه المتزن العميق في الفلسفة والمنطق والأدب .

كان يزرع الكورنيش جيئةً وذهاباً وهو يحمل بيده كتاباً , لينتهي به المطاف بفنجان قهوة في مرعب أو الزوزو , يشربه بتكاسل وهو يقرأ كتابه باهتمام ما بعده اهتمام .

كان يجادل بكل علمية ومنطق وإقناع في كل المواضيع التي تريده فيها … فقط في السياسة يتحول ليبدأ بنتف جميع الأرباب أيام الأسد الأب وأولهم الأسد نفسه .

لم يسلم علي دوبا ولا علي حيدر أو إبراهيم الصافي وشفيق فياض من نتفه .. … كان لا يبقي على أحد .

لم يعجب المخابرات هذا الموضوع , ولم يشفع له أن أخته أرملة أحد الأصدقاء الشخصيين الحميمين لحافظ الأسد .

استلمه فرع الأمن العسكري لشهرين ثم أحاله إلى أمن الدولة ثم الجوية فالسياسية , الخ …
كاد يميت المحققين بتحمله غير المعقول للضرب .. فما أن يتوقف الضرب عنه حتى يبدأ بسباب حافظ الأسد وأبيه وأمه وزوجته وأبنائه أجمعين .

لاحقاً عرفت المخابرات قصته بوصول التقارير عن الفيوزات المفقودة في أوروبا فتركوه .

بعد أقل من أسبوع سمعه بعض العناصر الجدد يشتم الأسد فضربوه وأرسلوه إلى اللاذقية , وما أن رآه المحققون هناك حتى قالوا للعناصر : الله لا يعطيكون العافية ع هالعلقة .. شو جايبيلنا ياه لهاد .

كانت تقارير الحركة الأمنية اليومية قد ذهبت إلى دمشق وبالتالي فإن أحداً من المحققين لا يستطيع تركه قبل قفل التقرير .. سأله أحد المحققين القادمين حديثاً من طرطوس : بتعرف حدا بطرطوس ؟.
– ” أبو عصام ” اللي بساحة المحافظة .
– هايا اللي عنده صيدليه زراعية ؟
– بذاته .
– ممتاز ” ينظر المحقق إلى الرقيب الذي يسجل المحضر ويقول ” : ساويله يا ابني مهمة إرسال على طرطوس وخلّو فرع طرطوس يواجهه مع ” أبو عصام ” .
..
وهذا ما كان .
دار جميع أفرع طرطوس ثم تركوه .
..
أقل من شهر ويحضروه لفرع الأمن العسكري باللاذقية من جديد .

– لك شو هالعلقة ” يصرخ المحقق ” بعته ع الحارك يواجه ” أبو عصام ” بطرطوس .

وصل إلى طرطوس للمرة الثانية .. رآه المحقق هناك فبدأ بنتف شعر نفسه .. كانت كل أفرع طرطوس تعرفه ولا يرضى أي فرع منها تسلمه ..

يصرخ المحقق : بعتوه يواجه ” أبو خالد ” بحمص .
..
تكررت القصة مجدداً .
لم يعد أحد يضربه في أي فرع .. ما أن يرونه حتى يرسلوه على الفور إلى محافظات جديدة ليواجه فيها ( أبو حسن وأبو محمد وأبو جورج ) وما شئتم من أسماء .

كان فرع البادية بتدمر هو الفرع الأخير .. غاب هناك ستة أشهر افتقده فيها الكورنيش , ثم تركوه .

.. عندها لم يبق في سوريا فرع يقبل بتسلمه .

نبهوا على الدوريات بجبلة أن لا يعتقلوه مهما قال .. ولما كان على عنصر الأمن النزيه أن ينقل ما يراه فقد شددوا على الدوريات بترك المكان المتواجد فيه حالما يرونه .

نَعِمَ الكورنيش لسنوات بحماية الرفيق أحمد .
..
وحده الشبيح جمال لم يسمع بالقصة كما يبدو .

إلتقاه مرة في محل ( فيظ الله ) .. كان كمال يتباهى أمام ابن ( فيظ الله ) بالعصا المطاطية التي أحضرها من لبنان وتستعملها القوات الأمريكية في قمع الشغب .

في تلك اللحظة دخل الأستاذ أحمد .

كان جمال يسمع من الآخرين كيف أن أحمد ( ن ) يشتم الأسد دون وزن لأحد , فقال له : ولَك هنت اللي عم تسب السيد الرئيس ؟
لم يرد أحمد.
تابع جمال : ولَك إذا آ بتبطل هالوطاوه أنا اللي بدي ربيك .

كان أحمد يتمتع بجسم رياضي متناسق وقوي كما أسلفنا .. لم يقل شيئاً بل ضرب كمالاً بالكتاب الذي كان يحمله .

بدأ كمال على الفور بضربه بالعصا المطاطية القوية المخصصة لقوات حفظ النظام بأمريكا .. أكثر من عشرين ضربة متلاحقة بدت وكأنها وجهت للحائط .. حتى علائم الألم لم تظهر على وجه الأستاذ أحمد .. فقط نظرات الوعيد كانت ترتسم في عينيه .

ملَّ كمال من الضرب وبدا التعب واضحاً عليه .. كذلك ملَّ أحمد من تلقي الضربات فما كان منه – دون مقدمات – إلا أن أخذ العصا منه وبدأ يضربه بها ضرب ( وين بيوجعك وين ما بيوجعك ) ..

كانت العصي تنهال على صلعة جمال وجسده ويديه بمعدل ستين ضربة بالدقيقة .

حاول الفرار فلم يستطع فسقط أرضاً وهو يصرخ بتضرع : منشان الله يا عالم خلصوني من هالمجنون ..

عندما سمع أحمد كلمة مجنون زاد وتيرة الضرب حتى غاب جمال عن الوعي والدماء تخرج من كل مكان بجسده .
.. عندها فقط توقف أحمد عن الضرب وألقى بالعصا جانباً , ثم أخذ كتابه بتمهل وغادر الدكان .

جبلة – حارة التغرة / صيف 2013

About أيهم نور الدين

أيهم نور الدين اديب سوري
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.